العلم والأدب وخيبة الأرب!!
    الجمعة 6 أبريل / نيسان 2018 - 08:23
    د. صادق السامرائي
    العلم معرفة وثقافة وفلسفة وإبداع وإبتكار وتصنيع وبناء وتثوير وتنمية وتطوير , والأدب تعبير عما يختلج في الأعماق ويتأكد في السلوك , وبين العلم والأدب علاقة وثيقة وتفاعل إمتزاجي تكوّني خلاّق بديع.
    والمجتمعات المتقدمة كانت لها ملاحمها وروائعها الأدبية على مدى العصور , التي نهضت بها وأخرجت رأسها من ظلمات أيامها إلى نور الآفاق ومطلق الرؤى والتصورات والأفكار , بعد أن حطمت أصفاد الدين وهدّمت زنازين المعابد والديار , التي كان يُمتهن فيها البشر ويُحارَب عقله , وتتأكد تبعيته وإذعانه للغيب المتصور والإرادة اللاهوتية المتأسدة على مصير الأجيال.
    وبعد مسيرة آلام وأحزان وسفك دماء وإستعباد وإذلال , تمكنت من الدق على ناقوس العلم والمعرفة , فإنسحبت شيئا فشيئا من كهنوتيتها إلى عقلانيتها وإنغماسها بالعلم كوسيلة مثلى للحياة والنجاح والقوة , فانطلقت بثورتها الصناعية وتوالد المبتكرون والمخترعون في ربوعها , وصار للعلم دور عملي في بناء الحياة وتوفير الحاجات الكفيلة بسعادة البشر , حتى وصلنا إلى ضفاف القرن العشرين الذي مضت الخطوت فيه متفاعلة متسارعة فبلغت ذروتها في عقده الأخير , الذي إزدحمت فيه الثورات والإنجازات وأصبح العقل البشري يأتي بما عجزت عن الإتيان به جميع الأجيال السابقة لعصرنا الدفاق.
    والفارق الواضح الوحيد ما بين التقدم والتأخر هو العمل بالعلم وإعلاء قيمته ودوره في صناعة الحياة المُعاشة , فالعلم أولا في العالم المتقدم , والعلم أخيرا في العالم المتأخر , ويكون للأدب الذي فقد دوره ومعناه تقييم أكبر في المجتمعات المتأخرة , وكأنها تتمسك بظلٍ لا يدوم.
    ففي العالم المتقدم يتمازج العلم والأدب , وفي المتأخر ينفرد الأدب ويصخب ويغيب العلم , وكأن الأدب صار أعرجا لأن العصر لا يسمح بحياة أي جنس إبداعي من دون العلم , فالعلم هو الركيزة والقاعدة لجميع المنطلقات والمعتقدات والتطلعات , وبدون العلم لا حياة لأي مولود او موجود فوق التراب.
    ولهذا فأن الأدب ميت في المجتمعات المتأخرة , لأنه قد تجرد من العلم وقطع حبله السري الذي يوصله بمشيمة العصر العلمي المنير.
    ولا يمكن للأدب أن يكون له دور ومعنى وقيمة في الحياة , إن لم يستوعب العلم ويتمازج معه , ويكون في قلبه وأعماقه ويتحلى بروحه ومنطلقاته , كما نجده في أدب المجتمعات المتقدمة , التي تتحول فيها القصة والرواية والقصيدة والمقالة إلى بحوث علمية ودراسات , ذات طابع أدبي يغنيك علما ويثريك متعة , ويُفتّح مداركك ويحفز عقلك ويلهمك أفكارا ذات دور إيجابي في صناعة الحياة الصالحة للبشر.
    فهل من قدرة على وعي تفاعل العلم بالأدب لكي نفوز بالأرب؟!!

    د-صادق السامرائي

    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit