المشكلة والحل
    الأثنين 4 يونيو / حزيران 2018 - 03:58
    علي عبد الواحد محمد
    تمهيد : 
    هذا الموضوع هو تكملة لموضوع قصير كتبته في صفحتي على الفيسبوك ،عن الفيلسوف والعالم والتربوي الأمريكي جون ديوي (1859-1952)م .وكان في سياق الموضوع المراحل التي وضعها ديوي لحل المشكلة وهي خمس مراحل:
    1) الشعور بالمشكلة.
    2) تعريف المشكلة وتحديدها.
    3) وضع الفرضيات وإقتراح الحلول.
    4) التحقق من التجربة أي إختبار الفرضيات.
    5) الوصول الى النظرية والتعميم.

    وطالبني بعض المتابعين الأعزاء لصفحتي ، أن ادون بالتفصيل مسألة المشكلة والحل ، وهو موضوع لا تسعه صفحة الفيسبوك ، إرتأيت نشره في المواقع الألكترونية ، شاكرا لها مقدما نشرها له، وبعد ذلك اعيد ما نشر في الفيس.

    المشكلة والحل :
    لغويا يشير معجم المعاني وغيره من المعاجم الى إن (المشكلة هي صعوبة أو قضية تحتاج الى معالجة وتذليل للوصول الى نتيجة معينة.)

    وعلى مستوى الإصطلاح يشار الى إنها "حالة تتشكل عن إنحراف أمر معين عن مساره وهدفه، لينتج عنها حالة غير مرغوبة ، وفي بعض الآحيان قد تكون حالة مرغوبة، إذ رب رمية من غير رام ."

    في هذا التعريف ندخل عالم نظرية تأثير جنح الفراشة.......(1) وهي عن الفوضى الحاصلة من الحوادث غير المتوقعة.
    إذ يبدو لي إن المشكلة ملازمة للإنسان وبالتالي لكل البشرية منذ ظهوره على وجه البسيطة، ولغاية اللحظة الراهنة ، ولذلك يمكن القول إن التاريخ الإنساني، هو تاريخ حل المشكلة (المشاكل) التي تواجهه بشكل دائم. على إعتبار إن حدوث المشكلة إرتبط في بعض جوانبه بنشوء الحوادث العشوائية غير الخطية........ (2) . أن تلبية الحاجات الضرورية للإنسان، وسعيه للحفاظ على حياته الشخصية، وللحفاظ على جنسه، وإبتكار الوسائل والأدوات والتنظيمات والخطط لذلك ، مرت بتجارب وخبرات عديدة، لتجاوز المشكلة، ووضع الحلول لها، والإرتقاء بها الى تلبية ما هو ابعد من الحاجات الضرورية،الى إبتكار الحلول، لتلبية المصالح، والحصول فوق ذلك على المسرات ووسائل الترفيه.

    امور التطور وزيادة تمكن الإنسان من تطويع الطبيعة ، وتحقيقه الفائض الإقتصادي وتطور المعارف ادى الى النمو والتنوع في فروع المعرفة،وإنفصال العلم عن الفلسفة، وظهور مساحات علمية جديدة بشكل مستمر، حدث كل هذا نتيجة عوامل عديدة بينها التفكير دائما لحل المشاكل التي تواجه البشرية.

    قلنا إن المشكلة كانت ولا زالت موجودة في كل مناحي الحياة ، طالما أستمر النشاط الإنساني في إستثمار الطبيعة، وسبر عالم المعرفة النظرية والعملية، هذا الوجود الدائم للمشكلة، دفع الفلاسفة والعلماء الى التفكير بطرق ناجعة لحلها، وتخبرنا الحياة ، إن هؤلاء العلماء والفلاسفة، أطلقوا مسميات عديدة ومختلفة على معالجة المشكلة وفي جوهرها يكمن الحل. ولنا في الفيلسوف اليوناني أرخميدس وهو بالمناسبة عالم فيزيائي أيضا ، صاغ قاعدته الشهيرة عن الأجسام الطافية ، التي طورت الملاحة في البحر ومهدت الطريق للملاحة في الجو ، وقاعدة أرخميدس تنص على "إن كل جسم يغمر في سائل أو مائع يفقد من وزنه بقدر وزن السائل أو المائع المزاح ."
    هذه القاعدة ثبتت أثناء حل أرخميدس لمشكلة التاج الملكي ، فيما إذا كان من الذهب الخالص أو الذهب المخلوط بمعدن آخر. وتذكرنا مسرحية مغامرة رأس المملوك جابر، للكاتب الراحل عبد الله ونوس ، بالحل الذي توصل اليه الوزير بن العولقي، لتوصيل رسالة الى ملك الفرس، يشرح فيه كيفية تحرك الجيش الفارسي والإنتصار على الخليفة في بغداد ، وتمكن من توصيل الرسالة على الرغم من إجراءات التفتيش الصارمة ، فقد كان الحل أن يتم حلق شعر رأس المملوك جابر وكتابة الرسالة على جلد جمجمته وإنتظار نمو الشعر وإرسال هذا المملوك الى ملك الفرس. ولا ننسى ما قاله العالم الفذ ألبرت انشتاين "اذا قام انسان بحل مسألة ووصل الى نتائج خاطئة ، فإنه يصل الى نفس النتائج الخاطئة، إذا حلها بنفس الطريقة حتى لو حلها 100 مرة".
    ولعل ما صاغه ديكارت من منهج أسماه "منهج التفكير" الذي جوهره يمثل الإحتكام الى الملكة العقلية لحل المشكلة التي تواجه الباحث، ويشتمل منهج التفكير الديكارتي على أربع قواعد هي : 

    *) القاعدة الأولى (قاعدة اليقين): لا أقبل شيئا على إنه الحق ما لم أعرف يقينا إنه كذلك.

    *) القاعدة الثانية (قاعدة التحليل) : تقسيم كل واحدة من المعضلات التي سأختبرها الى أجزاء بقدر المستطاع، وعلى قدر ما تدعو الحاجة لذلك .

    *) القاعدة الثالثة (قاعدة التركيب) : السير بالأفكار بإنتظام بدءا من أبسط الأمور واسهلها معرفة إنتقالا الى الأصعب ، والتدرج قليلا قليلا ،حتى الوصول الى معرفة (حل) اكثر ترتيبا.

    *) القاعدة الرابعة (قاعدة الحل التام) : الإستمرار بالعملية ومراجعة الأحصائيات ، والإستنتاجات، والتوصل الى إنها قد تمت بالكامل ولم يغفل أي شئ .

    وبجمع القواعد الأربع الى بعضها ، تكون المشكلة قد حلت وفق المنهج الديكارتي.

    وعند مقارنة هذا المنهج العبقري ، مع مراحل البحث العلمي ......(3) الملازمة للبحوث العلمية، والإطروحات الجامعية وغيرها ، نجد إن هذه المراحل قد تتبعت الى حد بعيد المنهج الديكارتي ، واطلقت اسم مرحلة المشاهدة ، على المرحلة الأولى ، والتي هي مرحلة إنبثاق المشكلة التي تواجه الباحث.....(4)

    وعندما نتوقف عند العلامة جون ديوي ، سنجده قد تكلم صراحة عن المشكلة وعن حلها التي حددها بالمراحل الخمس التي ورد ذكرها في صدر هذا المقال ، وسيتم في هذه الوريقة المتواضعة التوقف براغماتيا (عمليا، تطبيقيا) عند كل مرحلة منها ، لكون السيد ديوي يصنف بانه احد رواد البراغماتية في بحوثة عامة والتربوية منها بشكل خاص.
    فالمرحلة الأولى التي يخلص اليها المتصدي للموضوع، هو إقراره إنه هو امام مشكلة من نوع معين ، والإنتقال فورا الى المرحلة الثانية، التي جوهرها تسمية هذه المشكلة، وإنها لاغيرها هي التي تعالج، وبعدها يتم الإنتقال الى المرحلة الثالثة ، التي تتعلق بالأدوات والأسس النظرية والفرضية التي تعالج فيها هذه المشكلة، وايضا تحديد المصادر والبحوث التي عالجت مشاكل قريبة الشبه بمشكلتنا هذه ، وكيفية الحصول عليها، ثم الإنتقال الى المرحلة الرابعة وهي التأكد عن طريق التجربة من مدى ملائمة هذه الفرضيات والبحوث والنظريات لعملية الحل، وعند التأكد من ذلك يتم الإنتقال الى المرحلة الخامسة وهي الوصول الى الحل النهائي وصياغة نظريته وتعميماته.

    الهوامش :
    (1) راجع علي عبد الواحد محمد نظرية "تأثير جنح الفراشة" موقع الناس الألكتروني السبت 29/3/2014 رابط الموضوع 
    (2) نفس المصدر السابق
    (3) (4)  راجع علي عبد الواحد محمد " الإستبيان " موقع الناس الألكتروني في 21/10/2014
     رابط الموضوع 

    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit