ما الفرق بين بكة و مكة
    السبت 9 يونيو / حزيران 2018 - 22:25
    آية الله الشيخ إياد الركابي
    نعم  إن  هناك ثمة فرق بينهما وهذا ما  نرصده في دلالة  اللفظ   في كتاب الله  المجيد ،  وكذا نرصده  في لغة العرب ،  ولكن بعض أهل التراث قد  خالفوا   في ذلك  ،  من غير دليل سوى ذلك القياس الباطل والمظنة  ،  حينما  جعلوا  اللفظين بمعنى واحد  وهذا  منهم خطأٌ  بيَّن  ،  و في مقامنا  هذا   سنحاول  التدليل  على طبيعة الفرق  بينهما ... أين   وكيف   ؟  ،   فوحدة المعاني  المُدعاة  قد وفدت  إلينا   وقد هيمنت على لغة الكتاب  المجيد  بفعل سطوة  الشعر ومريديه  ،  وقد  كان ذلك بفعل وأثر مضافات الخلفاء والسلاطين الذين وظفوا الشعر كوسيلة في الدعاية والإعلام     ،  مما  أثر  سلباً على لغة  الكتاب  المجيد وفهم معانيه ودلالاته   ،  ومن بين من تأثروا  بهذه  النزعة  [  الإمام  الشافعي  الفقيه  والشاعر ]  ،  وأثروا حين  أسترسل في الدمج  بين لغة النص ومقولات  أهل الشعر   ، مما  أنتج  في تراثنا  مفهوم   -  الترادف   -   ،  ذلك المفهوم الذي حّرَف الكثير من المعاني والدلالات و  جر  إلى إرتكاب الكثير من الأوهام   في الأحكام   و في  الموضوعات .
    هذه  النزعة  الخاطئة  كان ضررها  في فهم  الكتاب المجيد ومعانيه  جليٌ وواضح   ،  وفي بحثنا  عن  معنى   -  بكة  و مكة -   تلمسنا  ذلك ووجدنا  كيف  تسنى لبعض التراثيين الدمج  بينهما  ليكون  معناهما   واحداً   ،  والحال  إنهما  صيغتان  مختلفتان  لفظاً   و معناً   ،  واللسان  العربي حين  تناول  تعريف  هاتين الكلمتين  أعطى لكل واحدة منهما معناً  معيناً  خاصاً   ،  ففي وصفه  لمعنى  -  بكة  -  قال    : -  إنها    لفظ  أصيل  ثنائي  المصدر  من   -  بك يبك بكة أي زاحم مزاحمة   -  والمزاحمة  صفة  دالة  على الكثرة أو من   ،  وبما إن الموصوف بها الناس  ، لذلك قال للناس في وصف واقع الحال    -      ،  وهكذا قال أبن منظور  :  -  وبك الرجل صاحبه يبكه بكاً  أي زاحمه    -  ،    قال أبن دريد هي  من  أفعال  الأضداد    ،   قال الزجاج  إن  : -   كل شيء   تراكب فقد تباك  -  : -   و تباك القوم  أي  تزاحموا  -   .
    وفي الكتاب المجيد  وردت  الصيغة  كمبني  للمعلوم  للدلالة عن الشيء المحكي عنه  ،   ولم ترد بصيغة المبني   للمجهول أو للمتصور أو الذي سيكون في المستقبل  حتى يمكن ربطها في أماكن أخرى فلا تبادر هنا ولا توافق  من حيث البناء اللفظي    ،   ذلك  لأن  المولى  حين  وضعها  في سياقها الموضوعي كان يريد معناها  بحسب الوضع  الطبيعي  لها   ،  وهكذا يكون  كل لفظ  في  الكتاب  المجيد   دالا على معنى محدد مقصود يريده الله ويدعونا لتدبره  ،  ومن هنا يتبين  خطأ  قول القائل   : -  إن القرآن  حمال أوجه -  فالقرآن  لا يحتمل الوجوه المتعددة  إنما له وجه واحد  ،  دعانا لتدبره من خلال تأويله   ، ولذلك : -  [   لا يصح في  القرآن  أن  تقول ويقولون  ] -  إنما  الصحيح  هو قول واحد لمعنى واحد  ،   يكون  مُرادا من قبل الله  بذاته  لذاته  لا يتعدآه إلى غيره  ،  وأما ما نُسب إلى الإمام علي في هذا  الشأن  من الحوارية المزعومة  مع عبدالله بن عباس  بعد قضية  التحكيم  ، فليس  عندنا بشيء لسقوطها سنداً ودلالةً     .
      و نفي  الترادف  في   الكتاب المجيد  هذا المعنى  مقصود  وواجب تعميمه لكي يتسنى  للجميع  التعرف على كتاب الله  وفهم معانيه   ،  ومنع الترادف يكون  بجميع فصول الكتاب  وأبوابه    ، وهذا يعني   : -   إن الألفاظ  في الكتاب المجيد   إنما  وضعت لمعاني محددة وخاصة وذات دلالة معينة  لا تتعدها  إلى غيرها -    .
     فمثلا   لا  يصح   في الكتاب المجيد  : - [    أن نقول  إن   البيت الحرام  هو  المسجد الحرام    ، كما لا يصح القول  بإن  ذهب بمعنى  مشى  ،   و لا يصح أن نقول : -  إن جاء بمعنى أتى وهكذا ... ]   ،  وهذه القاعدة تجري  في  الأفعال كما في الأسماء والصفات   :
    وحينما   يقول الله : - [  إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ] – آل عمران 96 ..
    هو لا يعني  أبداً  القول  :  -  إن بكة  هي   مكة   -  ولو أراد  ذلك  لذكره  من غير زيادة في اللفظ أو تحريف اللفظ ،   ثم إن للكتاب  لغة واحدة وحرف واحد  ولم ينزل  على أحرف  متعددة  تبعاً  لتعدد  لهجات العرب وقبائلهم   ،  ولو كان ماذكره بعض المفسرين في هذا المجال  صحيحاً لسادة الفوضى  وعم الإرتباك  كما هو حاصل لدى بعض التراثيين  ،   -   فأول بيت  -  لا يعني البيت  الحرام  ولا يعني الكعبة المشرفة ولا يعني المسجد الحرام    ،  ذلك لأن  -   لفظ البيت  هنا  يدل على المكان  الذي يستقر  به  الناس  ومع ضميمة  مباركاً وهدى  -  فيكون المُراد به  إعتباراً  مكاناً  خاصاً  للعبادة  في صيغتها المطلقة   ،  و بكة   كما هي في  النص  ليست  من أسماء مكة  ولا العكس  ،  ولا يكون ذلك  من أسمائها  لا  من باب العموم  ولا الخصوص  ، وأما  ما قيل  هي  عادة عربية في إستبدال الحروف  تمشياً  مع لهجات  العرب  وقبائلها  كما يدعي مدع ذلك  ،  فهذا  ليس صحيحاً  في لغة  الكتاب   -   ،  ذلك  لأن  الكلام في النص إنما  يتحدث عن [ البيت الأول ]  الذي وضعه الله للناس لكي يعبدوه فيه ويوحدوه  ولم يتحدث  عن  المسجد الأول ،  والبيت  أصله  ثلاثي  صحيح من بات  ،  ويعني  المكان الذي يأوي إليه الفرد أو الجماعة ويتخذوه سكناً    ، وأما  المسجد  فأصله  من سجد  الفعل  الثلاثي  المصدر  الدال  على مكان   السجود  ومواضعه   قال تعالى  : -  [ وإن المساجد لله فلاتدعوا مع الله أحدا ]  -  الجن 18   .
       ولفظ  -  وضع  -  بمعنى  جعل  أو صيَّر ،   ولا يكون الجعل منفصلاً عن الوضع الطبيعي لواقع الحال والمُراد به هنا  -  الناس -  ، الذين يُراد لهم أن يهتدوا  كجماعة  ولذلك  جعل لهم  هذا  -  البيت -  كمكان   للعبادة ،   وهذا  الوضع  كان بإعتبار ما يُراد  منهم فيه  ،  نقول إعتباري و ليس حقيقي   ، ودليلنا  قوله تعالى : - [  قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ... ] -  البقرة 144 ،  فالمتأمل لهذا النص  يشعر بأن  - المسجد الحرام  -  لم يكن قبلة الناس التي إليها يتوجهون ، وإنما وضع للمؤمنين بعد حالة التقلب التي عاشها النبي والرسول محمد  ،  والتحول يجب النظر إليه بإعتبار ماهو مُراد بحسب واقع الحال التي عاشها النبي ،   أي في  اللحظة  التي تم  فيها  التحول تم الوضع الجديد  أو الجعل الجديد  ، ونعود  لنقول : -   إنه  في الإعتبار العقلي ليس من الحكمة أن يوضع -  بيتاً  -  للعبادة  من غير وجود عُباد    ،  وهذه  العملية في المنطق الطبيعي  عبارة عن نسبة وتناسب .
      وأما دلالة النص  فهي  في مقام  وصف الحال الذي  كان  ،  والذي كان  مرتبطاً  بحاجة كان يدعوا لها الله   ، وحتى تتم على وجه أكمل  و صحيح   ،  كان يجب ان يكون للناس مكاناً يعبدون الله  فيه  فجُعل  هذا -  البيت -  بمثابة المكان  الذي يلبي  هذه الحاجة  ،  وهذه كما ترى  صيغة وصفية  وليست صيغة تقريرية  ثابتة   ،  هذا  الكلام الوصفي كان  مرتبطاً  بالحاجة الواقعية  التي كان يريدها  الناس  ،  فكان البيت  في المكان الذي سماه  -  بكة  -  وفي التعريف  فهو مكان مكتظ بالسكان ومزدحم  ،  [ وفي التاريخ  القديم  ليس  سوى  الحواضر  المعروفة  في العراق  والشام  ومصر  هي ما يصدق  عليها هذا الوصف  كالمدائن  ومدين  وأور  وبابل  وآشور  ]    ،  الحواضر  التي كانت تحتضن دعوة الأنبياء والرسل   ،  ولهذا  نقول  : -  لا يُعقل  أن يضع  البيت للناس  في مكة الخالية من  الناس والبشر  -    ،  وبحسب هذا المنطق  لا تكون  -  بكة  -  بمعنى  -  مكة -  ولا تصح صفة وموصوفاً  ولا دلالة و أسماً    ،  كما إن  -  البيت الأول  -  الذي وضع  للناس    ليس  هو  -  البيت  الحرام  -  ولا هو كذلك  -  الكعبة  المشرفة -   ،  فالبيت الحرام  التي قال  عنها الله : -  [رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ]  إبراهيم  37 ،  وبحسب الطبيعة والوضع لا يكون الوادي الذي لازرع فيه مكاناً  مأهولاً   ،  وبحسب  المدوناة  التاريخية  والرُقم   فإن  موضوعة التوحيد  وعبادة الإله  الواحد  لم تبتدأ  في -   مكة -  ،  إنما  كانت أولاً  في الحواضر التي ذكرناها   ،  فإبراهيم  النبي  ونوح  النبي  وتمام أنبياء بني إسرائيل  وعامة أنبياء الملل الأخرى  كانت  هناك  ،  نعم  حصلت  نقلة  بحسب الكتاب المجيد  عمل عليها إبراهيم  النبي  حين أسكن من ذريته  بواد غير ذي زرع  ،  هذه النقلة جاءت لا حقاً  بحسب موضوعة العبادة  لله  والتوحيد  ،  وجدلياً  يكون  مفهوم رفع  القواعد  من البيت  يكون رفعاً لا حقاً بعد  أن كثر الناس وأزدحموا  -  والقواعد هم من يتخذون من البيت  مكاناً  للتلهي ،  مُشكلين حاجزاً يمنع العُباد من أداء وظائفهم  ، والقواعد كناية عن هؤلاء الرجال والنساء    ،  قال تعالى : -  [ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ]  127 البقرة  ، -  فإبراهيم  النبي  يرفع القواعد من البيت  وليس  للبيت  -  ،  وذلك  لا يعني  العمارة والبناء  كما توهم غير واحد في ذلك   ،   والنص  مورد البحث  في آل عمران  يتحدث عن أول بيت وضع للناس ،  وفي صورة تقريبية  قال إن فيه  : -  [   فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ ۖ .... ]  -  97 آل عمران -  ،  فإبراهيم  النبي أقام في المكان الذي كان أول بيت وضع للناس ،  وبقرينة أول فيكون هذا البيت سابق لوجود إبراهيم نفسه ، إنما أقام إبراهيم في بكة التي فيها -  أول بيت -  ، وبحسب الملازمة التاريخية والدينية  يكون البيت مرتبطاً  بما يعمره من الناس ،  وبمفهوم التقابل يكون -  البيت الحرام -  هو ليس -  أول بيت -  وضع  للناس ،  بل جاء الوضع لا حقاً  بحسب مفهوم قوله فلنولينك  ،  ثم إن الصحيح    بحسب المدوناة التاريخية القديمة  ،  ان المكان الذي عاش فيه ابراهيم أتخذه الناس مصلى وموضعا لعبادة الرحمن بعد ان دعاهم ودلهم ابراهيم على ذلك .
     فإن  قيل : - فأين موضع قوله تعالى : -  [ ولله على الناس حج البيت ..]  من هذا ؟    .
     قلنا  : -   إن الكلام  هنا يفيد  المغايرة   ،  خاصةً  بلحاظ  وجود  حرف  العطف ، أعني  إن هناك  شقين  من الكلام  الأول  منه  : -   ويقرأ  في  قوله تعالى -  إن أول بيت وضع للناس -  ،   والثاني نقرئه  في   قوله  تعالى :  -  ولله  على الناس  حج البيت -   ،
    ولكل من هذين الشقين دلالته الخاصة  ،   ففي الأول كان الكلام عن مطلق العبادة ، وفي الثاني كان الكلام عن جزئية منها وهو الحج  ، [   والحج ومناسكه أرتبط بفعل إبراهيم النبي وماقام به    ،  وجرت على أثره  تباعاً الحنيفية  ]   .
    قال أهل العلم  : -  إن  النقلة   التي حدثت  مع إبراهيم  النبي  أرتبطت  بتطور مفهوم العبادة  نفسه  لدى الناس  -   ،  كما  وقد تبلورت  الصيغة النهائية  للحج  مع النبي محمد  .
     
    .........
     
    ولكن ماذا عن مكة  ؟  وكيف جاء  ذكرها في الكتاب المجيد ؟ 
    لم تذكر مكة في الكتاب المجيد إلاَّ  مرة واحدة وكانت على النحو  التالي  ،  قال تعالى   : - [   وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا   ]   ،   الفتح  24 -  ،   وفي هذا النص  نلتقي  بمراتب  عده  أولها  معنى -  كف  -  والمُراد  منه  ،  وثانيها  معنى -  أيديهم عنكم  وأيديكم  عنهم  -  والمُراد  منه  ،  وثالثها  معنى -  ببطن مكة -    .
    وفعل  -  كف -  فعل ثنائي صحيح  ومعناه  منع أو صد أو صرف  ،  والفعل يتضمن المن من الغير ،  وفي هذا النص يكون المن من الله  ، أي إنه هو من صرف ومنع الإعتداء أو الإقتتال  ،  بوجود القرينة الظاهرة في قوله – أيديهم عنكم وأيديكم عنكم - ،  يعني إن الله صرف عنكم القتال والإشتباك مع العدو  ، ولأن لهذا الدفع والصرف محل ومكان قال إنه في -  بطن مكة -  ، ولم يقل في -  مكة -  وكذلك لم يقل في المسجد الحرام ولا في الكعبة ،  وفي هذا نحن أمام مفردتين الأولى هي مكة  إنما ما نريده  هو التعرف  على  معنى  لفظ  -  مكة --  وما سبقها  أعني -  بطن  مكة  -   ،  فنحن إذن  أمام مفردتين  الأولى  هي  (  مكة )  -  وماذا  تعنى وماهي حدودها ؟   والمفردة  الثانية  هي  -  (   بطن مكة )  - وماذا تعني لغةً  وحقيقةً ؟     ،  ففي التعريف  المعجمي  المتداول  جاءت    مكة  من -  المك -  وهو  المكان الجدب  الذي يحت  حتا   ،  قال  أبن فارس  في المقاييس   : - [    -  مَكَّ  -  يمك  مكة   ،  هو  من -  الميم  والكاف -     وهذا أصل  ثنائي  صحيح  للكلمة  ، والذي -   يَدُلُّ عَلَى انْتِقَاءِ الْعَظْمِ   -   ،  فيقال  : تَمَكَّكَتِ الْعَظْمُ     ،  أي  أَخْرَجَتْ مُخَّهُ  ، وَامْتَكَّ الْفَصِيلُ مَا فِي ضَرْعِ أُمِّهِ   :   شَرِبَهُ ....   ]  -  ،  ووفق هذا التعريف  تكون  اللفظة   دالة على الشيء الذي يكون  جافاً و ناشفاً  ، و فيه إمارات التصحر  بادية   ،  واضحة  ،  حتى إن الله لما ذكر المسجد الحرام الذي هو في مكة قال في وصفه بلسان إبراهيم النبي  : -  [  رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ ]  37  إبراهيم  -  أي إنه يقع في منطقة صحراوية قاحلة لا ماء فيها ولا زرع يجعل من الحياة ممكنة فيها  .  .
     وأما قوله    :-   ببطن مكة  -   البطن  لغةً  تعني الجوف  أو الشيء المتوسط   ،  وقولنا  -  الشيء المتوسط -  قول  مجازي يناسب المعنى الدارج في ألسن الناس    ،  و ذكره  مسنداً  للدلالة على المسند إليه   ، قال الراغب  في المفردات  : - البطن أسفل الجسم  -  ،   وهذا بلحاظ ما عليه عامة الحيوانات  من حال    ،  والبطن  بتعريف  أبن خالويه   :  -  هو لفظ  مضاف   إلى المكان وفي هذه الحالة  يُراد به وسطه  -   أي وسط المكان   ، ولهذا قال بعض المعاصرين    : -  البطن هو  المركز  -  لأهميته   !!!  ...
      ولا بد  لنا  من القول إن    - بطن  مكة  -  لا  الكعبة  ولا   المسجد  الحرام -  ،  وهذا القول  بينه  النص 24 من سورة الفتح   حين قال    : - (  وهو الذي كف أيديهم عنكم  وأيديكم عنهم  )  -   ،  فكف الأذى وقع من جهة التاريخ في منطقة الحديبية والتي إليها يُنسب – الصلح المعروف -  والذي يشير إليه النص المذكور ، وهذه القرينة الحالية تدل على أن المُراد بها ليس المسجد الحرام   ،  والذي لم  يقع فيه  أي  إشتباك  بين المسلمين  وغيرهم  في عهد النبي محمد  كما قلنا   .
       ولو تأملنا  صيغة   -  كف    -  وجملة   : -  [  ايديهم  عنكم  وأيديكم  عنهم ]  ،  نعلم إنه  لم يحصل  بين المسلمين والمشركين في عهد النبي محمد  في – المسجد الحرام -  قتال البته  ،  وما أشار إليه  النص 24  من سورة الفتح  فقد حصل    -  ببطن مكة -   التي هي كما قلنا منطقة الحديبية  ،  وهي المكان  الذي تم  التوقيع  فيه  على إتفاقية الهدنة  بين النبي ومشركي قريش    ،  والحديبية  هي منطقة   تقع  على الطريق بين  مكة  وجدة  ، وهي إلى مكة أقرب وهي متوسطة بين الحل والحرم   ، ولا بد  أن نشير إلى إن حرف الباء في -  ببطن مكة  -   متعلق  بفعل كف  ،  ويعني إن الكف  قد  حصل في بطن مكة   وليس في  المسجد  أو توابعه   .
      قال  أهل العلم  لذلك  جاءت   جملة  - [ من بعد أن  أظفركم  عليهم ]  -  تابعة في مقام التقرير  للحال   ،  والظفر  أعم  في الدلالة  من النصر  ، لأن فيه  تضمن حصول الفتح  من غير قتال      ،   قال صاحب عمدة الأصول : - والظفر  يكون  بمعنى  الفوز  حينما  نحصل  على المطلوب   من غير قتال  -   ،  ومن هنا  عَّد   أهل الميزان : -  الفوز بالمطلوب  من غير قتال مطلوب بذاته لأنه يُغنينا عن الدماء والدمار  -  .
    ونقول   :  - والفوز بالمطلوب من غير قتال  إنما  يهيء القاعدة  التي من خلالها يتم  إبلاغ  الرسالة  ونشر  الدعوة  من غير  معوقات  -   ،  وهذا  ما حصل  للنبي  بالفعل من خلال  الصلح  ، و الذي به   أُتيح  له  أن يُبلغ رسالته  من غير خوف  ،  بل  و خلق لدى  الجماعة المؤمنة  زوح جديدة  مكنتهم  من إداء رسالتهم  وبث دعوتهم بين القبائل من غير مزاحمة  ..
    وللتذكير فقط نقول : - إن مكة أسم عام يطلق على  كل هذه المنطقة التي تضم الحديبية والمسجد الحرام  ،  وقد  جاء  وصفها في الكتاب المجيد  على أنها  -  أم القرى  والبلد  الأمين  ،  وهذا يفهم من السياق  كصفة  لموصوف معلوم  كما في قوله على هذا النحو
    قال تعالى : -  [  ... وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا  ] – الأنعام 92  -  .
     وفي سورة التين قال : - [  ...وهذا البلد الأمين  ..]  -  التين 3  .
    و من هنا يتبين إن مكة هي عنوان عام لمطلق المكان ، وأما المسجد الحرام فهو جزء منها أو فيها ، والمسجد الحرام أُقيم بواد غير ذي زرع بحسب الوصف التالي : - [   رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ  ....   ] إبراهيم  37  -  .
    وخلاصة الكلام : - وما تبين لنا من خلال البحث في لغة الكتاب ودلالته ، إن بكة هي ليست مكة  وإنهما مكانيين مختلفين وفي بلدين مختلفين في عصرنا هذا ، وإنما جعلت مكة ومسجدها قبلة للناس بعد ذلك التحول الذي حصل لغاية معلومة  ...
     
    آية الله الشيخ إياد الركابي
    24 – من رمضان 1439 هجرية  

    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit