اِسْتَمِرّوا ولا تتوقَّفوا
    السبت 9 يونيو / حزيران 2018 - 22:27
    أبو تراب كرار العاملي
    يخاطب أخاه القُرَوِيّ قائلاً له "متى ستبدأ ببناء منزلك في القرية؟"، فتأتيه الإجابة "قريباً إن شاء الله، فلا مجال للتأخر أكثر من ذلك، بلغتُ الثلاثين من عمري وعليَّ "التَّشهيل" بالموضوع قدر المستطاع، بل وعليَّ أيضاً تأمين الموارد المالية الكافية: معاشي المالي الشخصي، قرضٌ مَصرِفيّ، الاستعانة بمداخيل – أبنائي - المالية، وربما بعض الديون المحدودة من بعض الأصدقاء..." ، ليأتي التعليق كالتالي "هل أنت مضطرٌ لكل هذا؟ ألن تُدخِل نفسَك بأعباءٍ ضاغطة أنت بالغنى عنها؟"، فيأتي التوضيح "طبيعة الهدف تتطلّب هكذا معطيات، فلا بدّ من الثبات والتحمل. ونسيتُ إخبارك بمسألة مهمة، أنه إضافة للشق المادي، فإن الموضوع يتطلب مجهوداً عالياً ومواكبةً مستمرة، وكلما أردنا الانتهاء أبكر وإنجاز المهمة بشكل سريع، علينا حينها مضاعفة الجهود وتكثيف المتابعة والعمل وما يلحقهما من حيثيات المشروع المُراد إنجازه. لذا، علينا الإسراع يا صديقي كي نلحق المكوث في هذا المنزل بضعة أيام معدودة قبل الارتحال الى الرفيق الأعلى. ما لي أراك سَرَحْتَ بعيداً في فكرك ومُخَيَّلتك؟ هل لديك تحفظات على ما سردتُه لك؟"، فَيَحضُر الجواب "عذراً يا عزيزي، ولكن عطفاً على ما سردتَه لي، شغلني التفكير بمقارنة ملفتة لا بأس بالتوقف عندها وأخذ العِبَر منها والخروج بفائدة تفيدنا لدنيانا وآخرتنا، وأترك متابعة التوصيف لكاتب هذه السطور... فَلْنَسْتَمِع لما لديه".
    لا شك أننا نحب قُرانا وأرضنا، ونحب البناء فيها والسكن على أتربتها المباركة، لا سيما نحن أهل الجنوب وأبناء جبل عامل، الذين أنعم الله علينا بالانتماء لهذه البقعة الطاهرة والأرض المميزة، وهذا الانتماء المبارك هو نعمة من الله علينا تستحق الشكر والتقدير الجزيلَيْن، ولعله من أبهى صور الشكر والامتنان الى الباري "جلَّ وعلا" هي هذه الدماء الزكية التي يُقَدِّمها شهداؤنا الأبرار، والذين يُشَكِّلون خيرَ قرابين يُقَدِّمها أهاليهم الى خالقهم "تبارك اسمه" شكراً له على تشريفهم بهذه العُلقة الحميمة التي تجمعهم بأرضهم المقدسة.
    بعد هذه المقدمة التي تَلَت الحوار الذي تصدّر الكلام، نوجه النصائح الى أهلنا الشرفاء والمؤمنين الموالين، وتحديداً القسم الذي قد يكون مُقَصِّراً - بدرجة أو بأخرى - في حركته التزودية خارج الشهر الفضيل، وننصحهم - وأنفسنا - بأن يُفَعِّلوا هذه "اللهفة التزودية" في باقي شهور وأيام السنة، فكما أن عملية البناء الدنيوي تحتاج لمتابعة ومواكبة مُسْتَمِرَّتَيْن دون تَقَطُّع لكي تُنجَز في أسرع وقت ممكن، كذلك مسألة "البناء الأُخْرَوي" تتطلّب دعماً وتفعيلاً دائمَيْن غير مُقتصرَيْن على محطة دورية خلال السنة، وإن كانت لهذه المحطة وضعيتها الفريدة والمتميزة عن غيرها والتي لا بد من إيفائها حقها.
    وعلينا أن لا نُغْفِل معادلة مهمة، مفادها أن "البناء الأُخرَوِي" اللائق يحتاج الى روحٍ متألقة ومُهَذَّبة في هذه الدار الفانية، وعملية تهذيب الروح لا يمكن أن تقتصر على شهر واحد في السنة، وإنما تحتاج الى رعاية وصيانة طوال الوقت، مع إعادة شحن مركزي ومُمَيَّز في بعض المواضع السنوية الدّورِيَّة... فَانْتَبِهوا وتَأمَّلوا.

    وعليه، يكون العنوان - اِسْتَمِرّوا ولا تتوقَّفوا - مُوَجَّهاً باتجاهَيْن:
    أحدهما: اِستمروا في بناء البيوت في القرى والبلدات الجنوبية وغيرها، وابقوا ثابتين في أرضكم حتى يأخذ صاحب الأمانة وديعته.                  

    ثانيهما: اِستمروا بممارسة الأعمال الصالحة - بكافة أشكالها - على مدار السنة، ولا تتوقفوا بعد انتهاء الشهر الفضيل، ولا بأس بالإضاءة على بعض النقاط المفيدة في هذا السياق:
    ١- لا تتوقفوا عن الصوم، واستثمروا فرص الصوم المندوب (أي المستحب)، ومنها:
    - ﺻﻮﻡ ﺛﻼﺛﺔ ﺃﻳﺎﻡ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺷﻬﺮ، ﻓﻘﺪ ﻭﺭﺩ ﺃﻧﻪ ﻳﻌﺎﺩﻝ ﺻﻮﻡ ﺍﻟﺪﻫﺮ، ﻭﻳﺬﻫﺐ ﺑﻮﺣﺮ ﺍﻟﺼﺪﺭ، ﻭﺃﻓﻀﻞ ﻛﻴﻔﻴﺎﺗﻪ ﻣﺎ ﻋﻦ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺭ ﻭﻳﺪﻝ ﻋﻠﻴﻪ ﺟﻤﻠﺔ ﻣﻦ ﺍﻷﺧﺒﺎﺭ ﻭﻫﻮ ﺃﻥ ﻳﺼﻮﻡ ﺃﻭﻝ ﺧﻤﻴﺲ ﻣﻦ ﺍﻟﺸﻬﺮ ﻭﺁﺧﺮ ﺧﻤﻴﺲ ﻣﻨﻪ ﻭﺃﻭﻝ ﺃﺭﺑﻌﺎﺀ ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺸﺮ ﺍﻟﺜﺎﻧﻲ، ﻭﻣﻦ ﺗﺮﻛﻪ ﻳﺴﺘﺤﺐ ﻟﻪ ﻗﻀﺎﺅﻩ، ﻭﻣﻊ ﺍﻟﻌﺠﺰ ﻋﻦ ﺻﻮﻣﻪ ﻟﻜﺒﺮ ﻭﻧﺤﻮﻩ ﻳﺴﺘﺤﺐ ﺃﻥ ﻳﺘﺼﺪﻕ ﻋﻦ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ ﺑﻤﺪ ﻣﻦ ﻃﻌﺎﻡ ﺃﻭ ﺑﺪﺭﻫﻢ.["العروقة الوثقى" لسماحة السيد "محمد كاظم الطباطبائي" (رحمه الله)].

    . - ﺻﻮﻡ ﺃﻳﺎﻡ ﺍﻟﺒﻴﺾ ﻣﻦ ﻛﻞ ﺷﻬﺮ، ﻭﻫﻲ ﺍﻟﺜﺎﻟﺚ ﻋﺸﺮ ﻭﺍﻟﺮﺍﺑﻊ ﻋﺸﺮ ﻭﺍﻟﺨﺎﻣﺲ ﻋﺸﺮ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺻﺢ ﺍﻟﻤﺸﻬﻮﺭ، ﻭﻋﻦ ﺍﻟﻌﻤﺎﻧﻲ ﺃﻧﻬﺎ ﺍﻟﺜﻼﺛﺔ ﺍﻟﻤﺘﻘﺪﻣﺔ.[المصدر السابق].

    - كل خميس وكل جمعة إذا لم يصادفا عيداً.["منهاج الصالحين" لسماحة السيد "علي السيستاني" (حفظه الله)]. 

    ٢- لِمَنْ يحضرون الى المسجد لأداء صلاة الصبح جماعةً فقط في شهر رمضان المبارك، نتوجَّه إليهم بالقول: تقبَّل الله منكم، ولكن عليكم الاستمرار بهذا العمل المبارك طول السنة وعدم حصره في أيام الشهر الفضيل.

    ٣- فيما يتعلق بقراءة القرآن الكريم، علينا الاستمرار بتلاوة آياته وتدبّر معانيها في كل الشهور وعدم التوقف نهائياً، فإنه كتاب الله "تعالى" ومعجزة نَبِيِّه (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن الثغرة بمكان أن تُقطَع علاقة المؤمن بالقرآن أو يُصيبها نوع من الاهتزاز وعدم الانسجام، بل على المؤمن أن يُقَوّي علاقته بهذا الكتاب النورانيّ وأن "يذوب انسجاماً" وهو يرتّل كلام ربّه "جلَّ وعلا".

    جاء في الخبر عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "مَن أنِس بتلاوة القرآن لم .[جامع أحاديث الشيعة] توحشه مفارقة الإخوان." 

    وعليه، أيها الإخوة والأخوات، بعد انتهاء الشهر الفضيل، تابعوا العمل... اِسْتَمِرّوا ولا تتوقَّفوا.

    .[ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون]


    خادم أهل البيت: أبو تراب كرار العاملي  
    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit