أنتحار (قصة)
    الأثنين 9 يوليو / تموز 2018 - 18:10
    هاني الحطاب
    البارحة ، حاولت الانتحار ، برمي نفسي من الطابق العاشر ، فأنا أسكن في عمارة شاهقة ، ومغرم  في العلو ، منذ جئت هنا ، لم احاول السكن في بيت ، اشعر بالاختناق في بيت ، فهذا العمارات الشاهقه تذكرني بالجبال  التي امضيت عشر سنوات فوق قممها ، فحين أمشي على الارض احس بالارتباك ، أشعر أني وسط بئر عميق ، وأختنق . قد داهمتني فكرة الانتحار فجاءةً ، بدون سابق  إنذار ، وعليك أن لا تعدني كائن مجنون حين تسمع اذلك . فأنا أحب الحياة  ومتعلق بها ، واعشق البهجة واللذة ، وأكره الموت وخصوصاً الموت العنيف ، ارتعب من رؤيت الدم ، فأنا عشت حياة مسالمة ، لم يتخللها عنف  . ولكن ما اكتشف البارحه  ، زعزعه كل ما لدي مِن يقين وأفكار ثابتة  . فيوم أمس  ، وأنا أمد يد ، لكي أحك رأسي ، اصطدمت يدي ، فجاءة ، بجسم غريب ، فوق رقبتي ، فرتدت  يدي  بسرعة لمكانها، حيث وقف مبهوت . ومن هول المفاجأة ، لم اصدق ما حدث ، وخلت أن ثمة خطئ  في الأحساس  مما حدث  . فعاودة مد يدي بحذر ، مرة اخرى  ، إلى اعلى رقبتي ، رفعتها ببطئ شديد ، لأني كنت أخشئ الاصطدام ، بهذا الجسم الغريب الذي ، يربض فوق رقبتي ،  وأنا أرفع يد ، بحذر شديد ، ، نحو قفا رقبتي ، وبتمهل ، أصطدمت ثانية ، بالجسم غريب  يتململ في مكانه . وما أن رفعتهاأعلى اكثر حتى  راحت تتحسس  ، من جديد هذا الجسم الغريب . غير أني هذه المرةً لم اجفل ، ولم اسحبها ، بل أبقيتها حيث ااصطدمت . أول مرة ، ثم  توقفت يدي من ذاتها ، فهي لم تفاجأ هذه المرة ، وأنما توقفت لبرهة  ، حيث أصطدمت ، في الكتلة للحمية الكبيرة  ، بما يشبه فردة لكفل ، لعجيزة ضخمة  ، توقفت يد هناك لبرهت ،  ثم واصلت تحسها لبقية الجسم ، صعدت في أناة وتهمل ، فوق فردة الكفل ،  صعدت يدي  بحذر  ، فصادفها ، انحدار شديد  ، نحو الداخل ، لا شك أنه  الخصر.  من ثم نتؤ عظمي بارز ،  وتحسست أضلاع عديدة ، وأنا أوصل رفع يدي بحذر على طول الجسم ، فقد كان ما أتحسسته جسم بشرية بكل تفاصيله ، حتى وصلت يدي في صعودها وهي تنساب فوق الحسم البشري الرابض فوقي رقبتي  إلى رأسه ، وعندئذ كفت  عن الحركة ما أن  أستقرت فوق هامة رأسه . وصرخ بعلى صوتي ؛ 

       هديل ، هديل . . . هد ..

    فجأة زوجتي تركض من المطبخ ، مرعوبة، فأنا للأول  مرة أصرخ بها بمثل هذه الحدة ، نظرت لي مفزوعه ، وقالت ، وهي تنظر لي ؛

    ماذا حدث ، مالك تصرخ هكذا ، ماذا دهاك ؟ 

    فقلت لها ، دون أبالي  برعبها ، الذي بأن على وجها ، فهي لا شك توقعت شيء خطير حدث لي .  

    ما هذا الذي على رقبتي ، من يكون ؟ 

    لم يبدو عليها أن فهمت شيء مما قلته لها . ولكنها ، مع ذلك نظرت نحوي في أستغراب وتعجب ، وحدقت ناحية رقبنتي ، حيث أشرت لها . ألقت نظره سريعة ، ثم تقربت أكثر ، ظننا منها أن  لأبد أن يكون ثمة شيء صغير  عالق في رقبتي . ولكن رقبتي ورأسي كان مكشوفين تماماً لها ، وحين ألقت نظر ثانية قالت بتعجب : 

    لا شيء على رقبتك ، لا أرى أي شيء ، أتحس بألم  فيها ؟ 

    فقلت ؛ 

    أي ألم ، إلا ترين شيء صاعد على رقبتي ، هنا فوق ، بين أكتافي !  

    أخذت تنظر لي غير مصدق ما أقول لها ، لذا مد يدها نحو قفا رقبتي وراحت تلمسها بهدؤ ، وصعد يدها شيء فشيء نحو أعلى قمة رأسي ، وحينما أنزلت يدها ، قالت ؛ 

    أتحس في ألم برقبتك ، أنا لم أرى  أي نتؤ أو ورم فيها ، ماذا دها رقبتك ؟ 

    عندئذ ، لم أعرف ماذا أقول لها ، فهي قد تظن أني جنت ، وخالط عقلي شيء ما ، إذا قلت لها مرة آخرى ، بأن هناك كائن يصعد على رقبتي ، لذا قررت أن أصرفها ، وأعاود التأكد  مما هناك . بهدوء ، وبعيداً عن عيون زوجي ، التي سوف تنتهز الفرصة لتشهير بي ، لأني كثيراً ما أكنت أقول لها أشياء تبدو في ظنها وتفكيرها وهمية ولا وجود ، لذلك كنت ، أخاف من  مصارحتها ، بكل ما صدفته يدي ، وهي تحسس الجسم الغريب ، فنظراتها ، ملئتني بالخوف ، فهي تريد الأمر يتطور إلى اكثر من ذلك . ولهذا قررت ابعادها عني ، لكي أخلو لوحدي ، مع الكائن الجاثم على رقبتي . 

      أه ، أنه مجرد ألم عابر ، ولكنه فظيع ، خلته ، كأنه ثقل هائل فوق رقبتي ، يمكنك الذهاب ، أنه بدأ يتلاشى ، أذهبي لست بحاجة لك الآن . بيد أنها بقيت واقف في مكانها تأبا التزحزح ، ونظراتها تخرق تفكيري ، فهي بدأ لها أني اخفي سر خطير عنها . ولكني قلت لها بحدة وفظاضة ؛ 

    أذهبي ، تركيني لوحدي ، الألم زال ، الأكل احترق !  زمت شفتاه ، وتحركت ببطئ ، وأما أن نقلت قدميها ، خطوتين ، حتى رفعت يد لتحسس ، ذلك الكائن ، ولكنها أستدارة بغته ، جمدت يد فوق رقبتي ، وكأنها أمسكت بي متلبس . فقالت ؛ 

    أما زلت تشعر بالالم ، هل أدعو الطيب ، أتريدني أخبار أمي ! 

    يالهي ، سحبت يدي بعنف من رقبتي ، وقلت ؛ 

    هديل أرجوك ،كل شيء ولا أمك ، أنا سأذهب لدكتور بقدمي ، أذا ما أستمر الالم ، ولكني رفعت يدي لكي أفرك رقبتي فقط ، فلا تقلقي  ، فقد يكون نوم البارحة قد ألمها . فردت ، وكأني عذري زعجها ؛ 

                  لا البارحه ، رأيتك نائم مثل  طفل ، مستغرق بنوم عميق حسدتك عليه !

    لا يمكن أقناعها ، فما أن تستحوذ عليها فكرة ، حتى تسير بها لنهايتها المحتومة .  

             أنا بخير بس روحي ، شوفي شغلك ، 

    فسارت تتردم بشيء غير مفهوم كعادتها ، حين لا يشبع فضولها تماماً . وهو ما زلت أشعر به  رابض فوق رقيبي ، يتملل في مكانه ، فقد كنت أخشى أمد يدي نحو خشية  ، أن يكون فعلاً هناك، فأنا لم أكن متأكد بعد ، بأن ما أحس لا يعدو سوى وهم وأن يدي تصور لي وجود كائن فوقها ، أخلتلقه بخيالي  ، ومددت يدي بتجاه رقبتي  ، وكرة آخرى  ، عادت تصطدم بهذا الجسم الغريب . وكاد يغمي علي من هول المصادفة . فمن يكون هذا المخلوق المتطفل ؟ أهو مجرد فكرة ، أم وجود حقيقي  ؟ هذا ما عليهم أعرفه ، ولكن كيف سبيل إلى ذلك وهو غير مرئي لي ولهديل أيضاً ؟ لم أعد اعرف كيف أفكر ، فقد كنت بين الحين والحين أمد يد لرقبيتي ، متحسسه ، وكل مرة أفعل أَجِد هناك ، ولولا وجود هديل في البيت لما أنزلت يدي عنه ، فهي بلا شك ما زال تراقبني . وفكرت  بجد  أن انتزعه بالعنف من رقبتي ، ولكن هل هذا ممكن ، أم علي فعلاً أن أذهب لدكتور أولا ؟ 

    عصفت بي تلك الدوامة من الافكار، جعلت من العسير علي أن أقرر ما يجب أن افعله لهذا الكائن الذي لا أعرف من أين ولا كيف صعد فوق رقبتي بغفلت مني  . غير أني بوجود زوجتي , هديل ، معي ، لا أستطيع أن فعل شيء ، فأنا بت أخشى رفع يد لتأكد من وجوده فوقي ، فهو ، في بعض الأحيان يكون ثقيلاً جداً بحيث أحس بأن رقبتي توشك أن تنكسر تحت ثقله ، وفِي أوقات أشعر بوجوده  الإطلاق ، وكأنه نزل عنها وذهب ، بيد أنه في كل الأحوال  هناك ، الشيء الوحيد الذي يختلف هو  الأحساس بثقل وجوده . وحينما تأكدت بأن زوجتي لم تراقبني ،  تناول ، ملعقة كانت في قدح الشاي ، موضع على المنضدة ، في غرفة الطعام ، حيث كنت أجلس ، أخذت الملعقة خلسته ، كنت أنوي مفاجئته ، ونخسه بعنف  في ظهره ، لأعرف  هل يمكن لي أن أوذيه ؟  ، وما أن نخسته حتى صرخ بي ؛ 

       اخ ، أخ ، لا تفعل ذلك ، لا تحول أن تؤذيني ! 

     سقطت الملعقة من يدي ، فقد فقدت أصابعي القدرة على الامسك بي شيء ما أن سمعت ، فقد تصلبت وتخشب أصابعي وبقت معلق في الهواء ما سمعت الصوت هذا المخلق ، بعدم أيذاه ، بيد أني لم أكن متأكد أسمعت صوته فوق رقبتي أو في داخل رأسي . فلا شك أني سمعت صوت ولكن أين ذلك ما لا أستطيع أن أجزم به . لذلك ، بعد استريدت يدي ، ودبت الحراك من جديد في أصابعي ، أنحيت إلى الارض  لكي التقط الملعقة ، وأعاود نخسه من جديد . لرأى من أين يأتي الصوت ، من خلف رأسي أو من داخله ! وبعد أن لقيت نظره حولي ، خوفاً ، من أن تكون هديل تراقبني ، وما طمنئت لعدم وجودها  ، في أي مكان يمكن أن تراني منه ، رفعت يد بحدة والملعقة بين إصبعي ، وبنخسه مدوية فوق رقبتي ، صرخنا معاً ، جاءت هديل على اثرها تركض مرعوبة ،  فقد صرخنا معاً هو وأنا بصوت واحد ، بصوت زعزع جدران الغرفة ، وسقطت على ارض الغرفة ولم أدر ، ماذا فعلت هديل بي . @@&

                                  ٣

    وحين أفقت من غيبوبتي ، التي لا أعرف كم طالت ، وجدت الشقة مكتضه بأهل هديل وبعض أقربائها . وأنا ممد على سريري ، ورقبتي ملفوفة برباط أبيض . وكانت أمة هديل تجلس عند رأسي . تحيط بها بناتها الثلاثة ، ونساء آخريات لم أعرفهن ، وأبوها ، جلس في الزاوية البعيدة . وما رؤوني أفتح  عيناي ، وأتململ في مكاني ، حتى نهضوا وخلطوا بسريري . وعندئذ ، وتذكرت ما حدث ، وعرفت أن هديل قد فعلتها ، واستدعت أمها وشلتها . وعندما وقعت نظرتي على أم زوجتي ، بوجها الممتلاأ ، وعيناها السودويتين الغائرتين في محجريهما ، وأنفها الطويل المعقوق ، وجسمها القصير الضخم ، دنت مني  ، وهي تصيح ، وترسم بيديها القصيرتين دوائر في الهواء ، حول رأسي ؛ 

         محروس ، محروس ، من الجن ، والشياطين ، بجاه سيد سروط !

    وراحت مره آخرى ترسم دوائره حول رأسي . وقالت لي وهي تحني رأسها لكي تحدق بعمق بعيناه  المنطفئتين ، ورأيت أبتسامت خفية راحت تتشكل على عيون الحاضرين من بناتها وشلتها ، فيما اعتكف أبو هديل بزوايته ، منتظر عما تسفر عنه تحريات زوجته ؛   

             دؤاك عندي ، لا تخاف ، هؤلاء ما يفيد وياهم دكتور ! ، 

    وقالت هديل مساند أمها ؛ 

     والله ، أمي طيبت هواي مثلك ، بس سلم نفسك لها . 

    وردت أمها ؛ 

    يمه ، أنا أعرف ، زوجك راكبه جن ، من زمان ، ولكني كنت اخاف يزعل من أكلمه ، ولكنه هس ، صاعد فوق رقبته ، محد يكدر ينزيله غيري ، لا دكتور ولا غير . 

    وقالت ، أحد الحاضرت ، أمرأة  عجوز ، أشبه بالعمياء لأن نظراتها ، كانت شارد بعيد عن من تخاطبه ، فأنت لا يمكنك تبين لون عينيها فهي مطبق أجفاناها عليهما بشدة ؛ 

     ، خاله والله ، أم هديل مجربه والكل يعرفها ، وأبو هديك ، كان مثلك ، ولكن هي طيبته . 

    وحينما ، نظرت إلى ناحية أبو هديل رأيت يهز رأسه أستنكار ولكنه ، لم يشأ أن  يرد عليه .

    توكل علئ الله وخلها سويلك دوء ، ترى هذول ملاعين يجنوك ! 

    وقالت هديل ؛  

    حبوبه ، جنته الكتب ، لليل ونهار يقرأ كتب ، شوفي ، البيت متروس كتب ، أني ما شفت وأحد يقرأ كتب مو مجنون . 

    وعندئذ نهضت أم هديل من مكانها لكي تفحص رأسي ، ولكني بحركت من من يدي أبعدتها . 

    فقالت العجوز ؛ 

          هذا شيطانه قوي ! 

    كان الغضب يغلي في داخلي ، فأنا كنت لا تحمل أم هديل ، فهي المجنون حقاً ، لأنها تريد أن صاحبة مهنة وحرفة ، بدون أي مؤهلات وكفاءة ، وأنما بفرض نفسها على الآخرين في الظروف الصعبة ، في حالة يتلمس المرء الشفاء باي ثمن وخصوصاً لدى الناس الفقراء . وحقيقة ، أنا تزوجت بنتها ، لأن أبوها رجل مثقف ، ويحب القرأة مثلي ، وكان كثيرة ما يشكو منها ، ولكنه لم يعطني تفاصيل ، ولكني بعد الزواج عرفتها عن قرب نتيجة زيارات المتكرر لنا، وهي جعلت هديل ، زوجتي نسخة منها . فأنا ، بعد ذلك حينما كنت رأها في شقتنا أتشائم وتشاجر مع هديل . لذلك قلت لها بلهجة حازمة قوية  ؛ 

    أسمعي أم هديل ، لا شياطين ولا جن فوق رقبتي ، ولا أريد دوائك ، أنا كلشي ما بي ، مجرد ألم حاد في رقبتي ، وأخطأت حينما قلت لهديل واحد صاعد فوق رقبتي ، لأن الالم كان ثقيل ، حسبته ، شخص . فهمتي الآن لا جن ولا شاطين . 

       ولكن لماذا تضربه إذا لم يكن جن ؟ 

    ردت ساخر أم هديل ، وكأنها أمسكت بي متلبس بالجرم المشهود ! 

    بقيت لفترة ألوذ بصمت فقد بأغاتني سؤالها ، إلا أني أخيراً قلت ،؛ 

     ضربت رقبيتي في لحظة غضب هذا كل ما هنالك ، فأنا لم أضرب الجن وأنما الالم . 

    فردت أم هديل ؛ 

                      الجن والألم شيء واحد ، خليني عالجك ، ترى والله محد يخلصك منه غيري !

    وأيدتها المرأة العجوز وقالت ؛ 

    يمه أنت شخاسر ، يد أم هديل كلها بركة ما تخلي جن على رقبتك ! هذا أبو هديل كان رأسه بيت لهن ، وطردتهم أم هديل كلهم . صدك أبو هديل لو لا ؟ 

    فنهض أبو هديل من مكان وجاء قريب من سريري ، وكانت هناك على شفتيه شبح ابتسام . وقف أمامي ،وقت ؛ 

          اي والله ، الجن يخاف من أم هديل ، فإذا كان الذي على رقبتك جن خلي أم هديل تطرده ، لأن أم هديل هي هم جن ! أم إذا لم يكن جن ف ... 

    وسكت ، بعد أن رشقته بنظرات غاضبا ، قطع كلامه  وأخذ يحك رأسه ، محاولاً أن يجد حل مرض للطرفين ، وانتهز هديل صمت أبيها قالت  ؛ 

        يأمه لا تعيين نفسك ويالله ، هو شيوعي ، ويقرأ كتب ، ما يؤمن بجن مثل أبوي قبل . خلي الجن راكبين عليه .

    وقالت العجوز ، وهي تفرك يداه الضامرتين ، وتشير لي بصبعها الطويل  المعقوف ؛ 

      يأمه تعوذ من الشياطين ، ترى راح يكثرون فوك ، إذا لم تترك أم هديل تطردهم ، ذنبك على جنك ، أنا كلت وأنت راح شوف . 

    وهنا قال أبو هديل ، وكأنه بعد فترة الصمت وجد ، ما كان يبحث عنه ،  فقال وهو يكتم أبتسامة شماته من أم هديل التي خابت آمالها ؛ وقال ؛ 

         خلوه بحاله ، لا تضغطو عليه ، هو يعرف مصلحته ، وحنا علينا أن روح بعدما أطمئنين عليه ، محروس ، يالله أمشونا . 

    ونهض الجميع ، ولكن أم هديل خاطبتني ، وهي تنهض مع الجميع ؛ 

                 راح تندم ، شوف شراح يسون بك ، هاي هديل يمك بس خلها تنطيني خبر أكون يمك . 

       تعاي خيه ، هس يحصروه ، وما يلك غيرك . 

          روحي يمه أنا خبرك ، قالت هديل ، حينما أقفلت أمها باب شقتنا وراءها  . 

                                 ٣ @@@@@

    وما أن خرجت عائلة أم هديل ، حتى نزاح صدري عئب ثقيل . فنهض في الحال من فراشي ، وذهبت لمرافق وفككت الافاف عن رقبتي ، ونظرت في المرآة ، وتفحصت الجرح الذي أحدثت في قفا رقبتي ، وجدته ملتئم ، وفوقه قطرات دم جافه ، ومع ذلك لم جروء على مد يدي إلى لتحس من فوقها ، فلا شيء يبدو فوقها ، في المرآة ، ولكني كنت أحس بثقل شيء يجثم عليها . فأنا ، فكرت بطريقة ما ، لمعرفة سره . لذا غادرة المرافق دون أمد يد له . 

    كانت خطتي ، أن خلو به لوحدي ، بعد أن عرفت أني يمكن أقيم حديث معه ، فهو يتكلم وفِي فصاحة ، فلماذا علي أن لا أقيم حديث معه ! ولكن علي قبل كل شيء ،  أن ابعد هديل لمدة يوم أو ثلاث أيام على الأقل من البيت . وبات من السهل فعل ذلك ، خصوصاً ، أن أنها وضعت في ذهنها أني ، راكب على رقبتي جن . فعلي ، أذن ، أن افتعل شجار معها ، لكي  ، تغادرني إلى أهلها ، كما كانت تفعل مع كل شجار بسيط . فمعركتي مع هذا المخلوق يجب أن تحسم في الحال . لأني لا أستطيح تحمل أحد يصعد فوق رقبتي . فعلي قبل كل شيء معرفة من يكون ، وإلا أني سوف أقفز أنا وهو من تلك البلكونة التي في شقتي في الطابق العاشر ، لقضي عليه ، وعلى نفسي معاً . لهذا قررت أن جدها متلبس في مراقبتي ، وهذا شيء سيحدث عاجلاً أم أجلاً ، لطبيعتها الفضولية ، فهي ، بات من الصعب عليها  أن لا تراقبني ،  في هذا الظرف الحرج من وضعي . فلنصب لها فخ ، فما رآها تمر حتى أبدأ بهرش رقبتي ، وسوف تأتي من تلقى نفسها ، لتسألني ، وعندئذ أنهال عليها ضرباً موجعاً ، بحجة إنها تراقبني . وبالفعل ، جاءت مسرعت ، حينما توقعتها تمر ، في الممر ، الصغير الذي يفصل المطبخ عن غرفة الجلوس ، فقد رفعت ورحت أفرك رقبتي بقوة ، وتوقفت بقربي ، وهو تنظر بعيون ساخط ، وقالت ؛ ها ، ما تزال رقابتك تؤذيك ، لماذا لم تترك أمي تتاويك ؟ 

    وبدون أن أرد عليها بأي شيء أنهلت عليها ، بالضرب وبشكل عشوئي، بحيث لم أترك لها مجال لشك بأني جنت . وصرخت فيها ؛ 

                لماذا تراقبني ، اللعنة عليك ، وعلى أمك ، ذهبي  عني ، لا أريد رؤوياكً، أذهبي ، وإلا قتلتك! 

    ورغم أني اضخنت لها الضرب ، ركضت صوبة غرفتها ، وسمعتها تقلب جرّار دولابها ، وتأخذ بعضها أشياءها ، وتخرج مذعور ، وهي تصرخ ؛ 

          مجنون ، مجنون ، مجنون ! 

    وصفقت الباب وراءها بعنف مدوي ، خلت أن سكان العمارة كلهم ، قد داهمهم الرعب . 

    وما أن خرجت ، حتى سقطت أنا الأريكة من الضحك ، لقد نجت خطتي بشكل فائق ، فتلك العزلة مع نفسي ، تمنيتها بشكل لا يوصف . فالآن أنا لوحدي مع هذا المخلوق الذي يتربع على رقبتي ، فهذا النير أما أن أخلعه أو قفز من هذا البلكونة التي تطل على منتزه واسعة . ولكن ، علي قبل كل شيء التفكير بخطة محكمة ، لمعرفة من يكون هذا الكائن ! وكيف انتزاعه من رقبتي ، كتلك التي اخرجت هديل من البيت . @@@@@

    قررت أن أذهب لبار وشراء بيرة ، صندوق من البيرة ، لكي أشرب وأتكلم بصراحة مع هذا الكائن ، فالبيرة سوف تحل عقدة لساني .  فوجود هديل في البيت كان يُحد من كل حوار حر مع هذا ، والبيرة ، سوف ترفع كل الحواجز التي بيننا . فأنا الآن كائن حر ، أستطيع أن أتخذ كل القرارات . 

    وحين ذهبت لبار وجلبت البيرة ، وعملت مزة جيدة ، وبدأت ، بشراب ، منتظر أن يدب الخمر بجسدي  كي أسئله ، فيما يريد الشراب معي . وما أن احسست بأن النشوة والخدر راح يصعد في جسدي ، وأنا ، أتناول الكأس  بعد الآخر على عجل ، وبدون سابق نذار ، أو خوف أو خشية ، خاطبته ، وكأني فعلاً إتكلم لشخص حي ، موجود  مادي  ، علي رقبتي ؛ 

                هاي  ، إلا تنزل لشرب معي  ؟ 

    أنصنت بكل حواسي ، فأنا عادةً لا أسكر بسهولة ، ولا يغلبني السكر إلا حينما تغلبني النشوة  ، فقد كنت أشرب لكي فقط أميت الحواس  ، وأغلقها عن العالم الخارجي لكي أنصت لنفسي .وأسمع نفسي في صفاءها. ترقبت ، طويلاً دون أن اسمع أي شيء فكررت السؤال ؛

        هيه ، إلا تنزل ، لنشرب معاً ؟ 

    وعندىذ ، سمعت صوت وكأنه نفير البوق ، ، يقول لي بصوت حنون ورقيق ؛ 

    أني أشرب معك ، أشكرك ، على هذه البيرة اللطيفة ! خلته صوت أنثوي يخاطبني ، فقلت من هول المفاجأجاة ؛ 

                 من إنت بحق المسيح  ؟

    وسمعته  يضحك ، في رأسي، هذه المرة  ، وقال ؛ 

               إنَّا لا دين لي !

    لم أكن أعني بالمسيح ، أي دين ، فأنا مسلم بالمولد فقط  ، ولكني تعود حديث القوم هنا، فقلت ، بعد أن أرتشفت كأس إخر لأني  أريد الغي أي تحفظ  أو تأدب في مخاطبة ، كم أعتد ، في المحادثة اليومية . فقلت له ؛              

                  من أنت  ؟ 

    فرد على الفور ؛ 

                   أنا أنت. ! 

        أنا أنت ؟  كيف يمكن لي. حل هذا  الأشكال ؟ 

    لم أفهم شي شيء على الإطلاق ، ماذا  يعني أنت ، هل يعني ، ما قال الحلاج  ذات مره ، حلنا في جسد واحد ، ، لا يمكن يعني  ذلك ، فأنا ، رجل مثقف ، وأعرف كل الثقافة الأوروبية المعاصرة ، فقد يعني فرويد وليس الحلاج ! 

    ولذلك سألتهًً ؛ 

             وضح ، من فضلك ؟ 

    فأجاب بلا لَبْس  ؛       

                           أنا أنت ! 

    وبعد ، فترة صمت ، لأني ، رحت أفكر بما قال ، فلم أفهم ماذا عنى بالضبط ، فقلت له ؛ 

          أنت أنا ! ما هذا ، هل  توضح لي أكثر  ؟ 

    وورتشفت كأس أخر، لكوني متأكد أنه يشاركني السكر . وكنت أحس أنه جالس الآن فوق منتص رقبتي ، رغم أني ما زلت أسمع كلامه في رأسي ، ومع هذا لم يبدوا لي  ثقيل جداً في هذه اللحظة  ، فلعل الشراب يخفف من وزنه . وفجاءة سمعته ، يقول ؛ 

               أنا جزء منك ، أنا أولد معك ، وأنا من يفكر لك ! 

       تفكر لي ! كيف ذلك ؟ 

    لم يجب لتو ، فقد سائد صمت بينا ، أخذت أثناء هذا أرتشف مما في كأسي  ، وأعيد صب كمية آخرى ، وحينما طالت الصمت مدت يد لتحسه ، فأنا لم أعد أشعربأي ثقله ، ولكني فأجاءت بسماعه يقول لي؛؛ 

       أطمئن ما زلت هنا ، وأحسنت فعلت بطرد هديل ، أنها لا تكف عن مراقبتنا ! 

          وهل تعرف هديل ، أنت الآخر ؟ 

       أني أحس بوجودها بالأختناق ! لا تسغرب ذلك ، فأنا مثلك لا  أطيق تطفلها ! 

    بلا شك هذا يعرف كل شيء عني ، وعن نفسية ، فهو كما يقول جزء مني وهو من يفكر لي ، فهذا ما علي معرفة منه الآن . 

    فسألت بشكل مباغت ؛ 

         تقول أنك تفكر ، وضح لي ذلك من فضلك ؟

     خاطبته بأدب جم ، فأنا أحب أن أكون مؤدب معه  ، وإلا سوف لن أعرف عنه شيء ، وعن من يكون . فقد خلوت بقصد أعرف من يكون ، وكل شيء آخر سيكون بسيط . وسمعته ، يجيب بهدوء ، ولم يستغرب سؤالي ؛  @@@

    أنت حاله فريدة ! فلم أسمع الا عن قلة قليلة ، مثل حالتك وحالتي معك ، فنحن عادة ما نعيش في داخل رؤوس الناس ، ولا أحد منهم يعرف عنا شيء ، فنحن الذين نفكر لهم ونوجهم  ، ونسيطر على كل حياتهم بدون أن ندعهم يشعروابوجودنا على الإطلاق . فهديل ، مثلاً ، بوجود فيها زميل يعيش بداخل رأسها ويتحكم فيها ويفكر لها بكل شيء . 

    وحين توفق لبرهه ، قلت له ؛ 

         ولكن لماذا أنت خرجت ؟ وفضلت العيش فوق رقبتي ، أني لا أقدر تحمل وجودك فوق رقبتي ! 

    فقال لي بغضب وأضح ، جعلتي أحس أني مرتبك بحق دنب ؛ 

            أنت أخرجتني ، ولم تعد لي سيطرة عليك ، فأنت بت  تلغي كل ما أفكر لك به ، وتشكل أفكار بنفسك وإذا لم تعد لي فائدة بوجودي داخل رأسك ، فاخترت الصعود على رقبتك كي أحسسك 

    بوجودي .

    قفزت من مكاني ، فلم أصدق ما سمعت ، وأخذت أجوب الغرفة مجئياً ورواح . وذهبت التواليت لكي أتبول ، فقد أسرفت في الشراب . ومتلئت مثاني فيه ، فذهبت لكي أكون صافي الذهن لا يعكر صفوي شيء معه  . وتحسته فوق رقبتي ، فلم يحذرني  هذه المرة ، ويقول أنه هناك ، أي فوق رقبتي ، ترك يدي تمر فوقه وهو يخلد لصمت ، فقد تكون الخمرة التي شربناها معاً خدرت حواسه ، فلم ينبس بشيء  . وحين عدت لمكاني قلت له ؛

        قل لي كيف أخرجتك من مكانك ، وكيف لم تعد أنت الذي يفكر لي ؟       

    وسمعته ، يطلق تأوه كبيرة وقال في مرارة ؛ 

           منذ بدأت تقرأ ، وتشكل افكارك الخاصة بك ، بعد أن أكثرت من القرأت والاستقلال عني ، راح مكاني يتزعزع  ، ولم يعد لي أي دور في تشكيل أفكارك وتصرفك مثل بقيت الناس ، قررت الخروج ، لأنه  لم يعد لبقأئي من فائدة  في داخل عقلك، ولهذا اخترت الجلوس على رقبتك لكي أحسسك بوجودي ، فأنت من فعل بي هذا ! فأنا  ، هنا لأنك طردتني من مملكتي ، التي هي عقلك الذي هو ملك لنا . 

    ورغم كل ما قاله ، وما عناه ، فقد أصبت بالرعب ، فكيف يمكن لي تحمله ، جالس على رقبتي ، بثقله الذي لا يتحمل في بعض الأحيان . فقلت له بتوسل ؛ 

              كيف يمكن لي أن اعيدك لداخل رأسي ، أني لا أسمح لك في البقاء هنا ، فهذا لن يكون ! 

    وانتظرت بفارغ الصبر جوابه ، ولا أعلم في هذا الوقت  كم من كؤوس الخمر تجرع ، بيد رأسيء أصبح ثقيل ولم أعد أستطيع التفكير بوضوح  ، وغدت الكلمات تخرج من فمي بشكل متقطع ، وعلى شكل تتممه . ومددت يدي إلى الأعلى لتحسسه ، وما اصطدمت به أنزلتها لكي أعئب كاس آخرى في ، فلا شك أننا وصلنا لمفترق طرق . ورغم كل ما صاب حواسي من خدر ، ورأسي من تبلد ، سمعته يقول بلهجة قاطعه ؛ 

          لا أمل هناك ، لقد اصبح مستحيل لي الرجوع لأنك طرتني إلى الأبد ، ولم تعد تحتاج ، ولذا سايقى هنا ! 

    وصرخت بدون أرادة مني وبلا وعي ؛ 

             مستحيل ، مستحيل ، مستحيل ، سوف أقتلك ، سرميك من هنا ، أتفهم. ! 

    وبلا تردد وبدون تهمل سمعت يقول ؛ 

    تجروء ، أتحداك ، حاول ذلك ! 

    صعد كلامه الخمرة في رأسيء ، ومددت يد بقوة لعنقي  وسحب بعنف من مكانه ،  وخليل لي أني رأيته  وجهاً لوجه يقف أمامي ، ولم أكن أعرف ما مسكته بيدي هو خياله ، أو ظله أو صورته التي في داماغي ، أو هو بالفعل ، الموجود على رقبتي ، لأني لم أقدر بعد على التميز بين الوجود الفعلي والوجود المتخيل ، فالخمر ، راحت تتحكم في اعصبابي وكل مملكاتي الأخرى

     ، فقد كنت رأه واقفاً أمامي بلحمه ودمه ، وأخذت هزه بعنف ، وأنا أصرخ به ؛ 

                    سرميك ، سرميك ، من هنا ، من هنا ! 

    وكنت أسمعه هو الأخر يصيح بي ؛ 

           لن تقدر ، لن تقدر ! 

    وكنت أحسه ثقيل ، وانا أحاول جذبه قريب من سياج البلكونة المطلق على الشارع، حيث هناك ، في اللحظة قليلا من المارة يمشون في أتجاهات متعاكسة ، ولأبد أنهم سمعوا صراخنا أنا وهو  ، فقد خَيل لي أني رأيتهم يرفعون رؤوسهم نحونا . بيد أني لم اعر لكل هذا أهتمام ، لأني كنت أرئ رميه قضية حياة أو موت ، وما أستطعت سحبه قريب من سياج البلكون لكونه ثقيل وقوي ولم أقدر على زحزحته من مكانه أكثر ، وأنا كنت بالكاد أستطيع تثبيت نفسي ، لأن الخمرة دبت في كل جسدي ، وحاول مره ثانية جره بقوة لي ، لكي أرميه ، من هناك ، على السياج ، ولكن بدون جدوى ، وحينما رأى عجزي ، في جره ، سمعته يقول لي ؛   

                       لتقفز معاً ، لقد أصبح العيش معك مستحيل ، وأنت لا تقدر تحملني بعد ، لنقفز سويه ، هذا حل عادل ، هيا قفز ، أني ورائك ! 

    أعجبت بالفكرة ونفذت في رأسيء فجاءة ، بعد أن رأيته يدنو من السياج ، محاول الصعود علية ، وهو يصيح بي ؛ 

          هيا نقفز ، أصعد السياج وقفز ! 

    لم تعد لي سيطرة على افكاري وما إفعل ، فهو يبدو لا يزال يتحكم في تفكيري مثلما قال ،  أنه كان يفعل بسابق ، فقد راقت لي الفكرة تماماً وسيطرت على خيالي ، وكأنها فكرتي ، لذلك ، بدون أبطاء تسلقت السياج ، وبدون التفت ، ورأى ماذا يفعل ، وبقفزت مباغته ، رميت نفسي من أعلى البلكونة ، وفيما أنا أواصل سقوطي ، سمعته يضحك مني بعلى صوته ،  وهو يقف عند السياج ، ويضحك  بأعلى صوته وعندما ارتطمت بالأرض كان ضحكه قد تلاشى من سمعي . 

                       هاني الحطاب 
    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit