خرافة "لا يوجد أسوأ" من عقود التراخيص – الجزء الثاني
    الأحد 5 أغسطس / آب 2018 - 00:58
    صائب خليل
    تحدثنا في الحلقة الأولى(1) عن الخرافة الإعلامية التي تم ترسيخها، بأننا في وضع "لا يوجد أسوأ منه"، وكيف أنها استخدمت كستار يعمي عن رؤية مساوئ الخيار الجديد الذي يتم تمريره من قبل الأمريكان، للهبوط بالبلد خطوة أخرى نحو الأسفل، كما حدث في تبديل المالكي السيء بالعبادي الأسوأ، واشرنا الى مقارنة في موقف كل منها من قضية "استحقاقات" الشركات الأجنبية المتعاقدة مع كردستان، والتي كان العبادي يباهي بموقفه الأسوأ فيها بكل صلافة، معتمداً على جهل الشعب بالموضوع. 

    القضية باختصار هي أن أعداء البلد يستطيعون أن يروا أن هناك أشياء لم تدمر بعد، وهم يجهزون افضل من يجدون لتدميرها وإكمال المهمة. لكن هؤلاء بحاجة إلى حماية من انكشافهم امام الناس، فيجب ان يتم هذا التدمير في الخفاء. لذلك يجب "إخفاء" كل النقاط الإيجابية التي يجب تدميرها عن بصر الناس، بإقناعهم بعدم وجود أي شيء إيجابي! وطبعا لا يمكن تحقيق ذلك الا بعد ان يتم دفع الوضع الى حالة صعبة ومؤلمة للإنسان، وعندها يمكن استخدام ألمه لإقناعه بأن لم يبق هناك شيء إيجابي، وانه يمكنه ان يخرب كل شيء دون ان يخسر شيئاً، وهذا ما يحدث اليوم بالضبط. إن شعار "شلع قلع" لم يكن مصادفة ساذجة او تعبيرا شعبيا في رايي، بل جزء من خطة عامة. ويمكننا ان نلاحظ ان متبني الشعار، لم يقم بأي اصلاح مهما كان صغيراً، ورغم وجود فرصة كبيرة لذلك، بل انه تخلى عن الشعار في اللحظة التي كان بالإمكان فيها اسقاط رئاسة البرلمان الذي كان يقر بأنها احد رؤوس الفساد، وقام بدلا من ذلك بإنقاذ هذه الرؤوس في آخر لحظة! 
    كذلك نلاحظ أن الجناح الشيوعي الذي تبنى هذا الشعار للصعود في الانتخابات باعتبار انه لا يوجد أي نظيف آخر غيره، سارع فور اعلان النتائج، على لسان ممثلته في الناصرية إلى الإعلان وبكل صلافة بأنه سيشكل ائتلافا واسعا من الكتل الكبيرة لانهم جميعا "يضعون العراق فوق كل شيء!". 

    "شلع قلع" إذن، شعار يمكن ان يستعمل لإحراق ما هو موجود، لكن يجب ان لا يسمح لمن يصدقه ان يستخدمه لإزالة أي فساد حقيقي! اميركا تشكل التحالف لقصف و تحطيم الموصل والانبار بحجة القضاء على داعش، لكن لا يجب السماح لهذا بالقضاء على قادة داعش، الذين تقوم بإنقاذهم بشكل منتظم ومتكرر. وبنفس الطريقة يتم انقاذ قادة الفساد في كل مرة، حين يصل اليهم من يحملون شعار "شلع قلع"، فهو مخصص لإعماء الناس وتسويق الأسوأ المناسب للمرحلة التالية من مشروع تحطيم بلادهم، لا لاستئصال الفساد "الصديق". 

    في الحلقة الأولى تحدثنا عن استخدام هذه الخرافة لتمرير دفع "المستحقات" المخزية بعد إيصال العبادي الذي كان يملك الخنوع اللازم للمرحلة، واليوم يتم شيطنة الحكومة تماما (وهي سيئة جدا بالفعل)، بحجة الإصلاح، ولكن في الحقيقة استعداداً لمرحلة اشد تدميراً كما افترض. 

    ومن النفط الذي تابعته جيدا خلال السنين الماضية من خلال الأستاذ فؤاد الأمير ومختلف خبراء النفط العراقيين الآخرين، نأخذ مثالا آخر على شيطنة الشيء لتهيئة العقل لقبول ما هو أسوأ منه. وهذه المرة لم يكن المستهدف شخصاً بل "عقود" تستميت الشركات من أجل تغييرها، هي عقود جولات التراخيص! 
    لقد تمت شيطنة هذه العقود، كما لا يخفى على أي عراقي، بحملات إعلامية مهولة، وإلى درجة ان أية دعوة لمراجعة الحقائق الخاصة بها وتبيان نقاط قوتها، تقابل باستهجان واستنكار واتهام! 

    لقد بلغت حملة شيطنة عقود التراخيص درجة ان أسهم فيها نواب برلمانيون، قدموا محاضرات فيها حسابات خاطئة، وشارك في الحملة أبرياء رددوا كالببغاوات ما سمعوه أو قرأوه دون ان يكلفوا أنفسهم عناء المراجعة. فلم يكن من بد للناس إلا ان يصدقوا، خاصة وان الجو مشحون بالفساد وأن اتهام وزير او عقد بالفساد امر يبدو طبيعيا جدا، وان ادعاء العكس والبراءة من الفساد، هو الغريب الذي يحتاج إلى برهان! ولم يكن هناك الكثير من المستعدين للمخاطرة بالدفاع عن تلك العقود، خشية ان يتهموا بالدفاع عن الفساد.
    لقد كان الهجوم على عقود التراخيص من الشراسة والوحشية والتركيز، حتى أن الشهرستاني نفسه توقف عن الدفاع عنها وعن نفسه.  لكن، رغم كل شيء، إن كان للحقيقة ان تبقى، فالحقيقة التي يعرفها كل خبراء النفط بلا استثناء، وحتى من باع ضميره، وأقولها هنا: "إن عقود التراخيص التي وقعت بشكل عقود خدمة حافظت على سيادة العراق على ثروته النفطية، ولم تمنح الشركات إلا ما يقارب الحد الأدنى من الأرباح، كانت بشكل عام، افضل عقود عقدها العراق مع الشركات الأجنبية منذ الاحتلال وحتى اليوم، وأنها انقذت عشرات المليارات من الدولارات من شركات النفط"!

    ليس تمييز الحقيقة سهلا طبعا بالنسبة للمواطن غير المتخصص في موضوع معقد كالنفط، تم فيه التلاعب بالأرقام بطرق شيطانية. ومنها أن المتصدّين للشرح المخادع، يدّعون أنهم يأتون بأرقامهم من موقع وزارة النفط. وهذا صحيح، لكن الحسابات تمت بشكل محتال، فبدلا من احتساب كلفة البرميل بتقسيم ما صرف على البنية التحتية على عمر تلك البنية (20 – 25 سنة)، قسمت على الفترة السابقة، اي بضعة سنوات فقط. وهكذا تم ايصال كلفة البرميل عنوة إلى اكثر من 20 دولاراً، بينما الحقيقة انها تتراوح ما بين خمسة إلى عشرة دولارات في اقصى العقود كلفة، وكمعدل لا يزيد عن سبعة دولارات للبرميل، حسب ما ورد في كتب وحسابات خبير النفط المرجعي الأهم الأستاذ فؤاد الأمير، وهي حسابات يؤيدها غيره من خبراء النفط. 

    لماذا يفعلون ذلك؟ تخيلوا أن تقدم عقود جديدة تجعل من معدل كلفة البرميل 15 دولارا (أي ضعف ما يدفعه الآن وفق عقود التراخيص) فسيبدو للمواطن الذي تعرض للحملة، أن هذه العقود خفضت الكلفة من 20 إلى 15 دولار! 

    كيف للمواطن ان يعي هذه المؤامرات؟ ألا يلام المثقفون الذين لا ينتمون الى المؤسسات المدسوسة أنهم لا يكشفون الحقيقة للناس؟ 
    ليس الأمر بهذه البساطة. فعندما يتم غرس اكذوبة في ذهن المواطن الضحية بعمق كاف ويتم تثبيتها، فأن الضحية نفسها ستقوم بالدفاع عنها، واحيانا بشراسة كأنها جزء منه. من يطالب بالتفكير سيعد "مترفا" يجلس خلف الحاسبة وأن عليه بدلا من ذلك ان ينزل الى الشارع للهتاف مع الهاتفين. وسيجد الساسة والمرجعيات الدينية وغيرها، انفسهم مضطرين لكتابة خطابات أخلاقية مبهمة وعامة، لا ترشد إلى شيء ولكن لا يمكن دحضها. وسيجد الباقون انفسهم مضطرين للانحناء للعاصفة وامتداح تلك الخطابات التي ليس لها أي تطبيق محدد ممكن.
    أما الكتاب فيتم إرهابهم فكريا منذ زمن بتلك الحملات. فحين اردت الكتابة عن ما يجري حول عقود التراخيص، اضطررت أن اقسم كتابتي الى ثلاث مقالات لأتجنب تنفير القارئ بصدمة كبيرة. فخصصت الأولى لشرح علمي حيادي لطريقة حساب كلفة البرميل، وقلت ان للتراخيص محاسنها ومساوئها. وفي الحلقة الثانية فقط، خاطرت بالإشارة إلى الحقائق التي ذكرتها أعلاه، وبينت افضلية عقود التراخيص (الخدمة) والتي تبقي سيادة القرار العراقي على نفطه دون مشاركة، وأوضحت ان كلفة العقود التي عقدتها كردستان (عقود مشاركة الإنتاج) (والتي يراد للعراق أن يغير عقوده نحوها) تعطي الشركات أربعة اضعاف ما تعطيها إياها عقود التراخيص، إضافة إلى مشاركتها ملكية نسبة من النفط وبالتالي مشاركتها القرارات المتعلقة بها والسيادة عليها. وأكبر دليل على افضلية عقود التراخيص، ان الشركات كانت تترك عقود بغداد لتوقع عقود المشاركة الفاسدة المربحة مع كردستان، والتي لا توقعها الدول إلا في حالة الشكوك بوجود النفط وما يحمله ذلك من مخاطر تتحملها الشركة، وهو ما لا يصدق على حقول العراق. 
    ورغم الشرح العلمي وبالأرقام والمصادر الموثوقة، جوبهت المقالة بردود مستغربة ورافضة، حتى من اقرب الأصدقاء، فاضطررت لكتابة المقالة الثالثة رداً على تلك التساؤلات. 

    لم تكن المشكلة التي أحاول حلها مقارنة علمية كما يفترض ان تكون، لأن اثباتها سهل بعمليات حساب أرقام بسيطة. لكن ما كان يجابهني هو "المشكلة النفسية" المتمثلة بإقناع قارئ تم غرس "كراهية" عقود التراخيص عميقاً في نفسه وصارت تشكل جزءاً من صورة فهمه لما يجري حوله! (يمكن قراءة تلك المقالات لمن يشاء مراجعة حقيقة التراخيص، وبالتالي حقيقة هذا الكلام، على الروابط (2) (3) (4))

    اليوم تستخدم خرافة أن "لا يوجد أسوأ مما نحن فيه" لدعم التظاهرات وحمايتها من طرح الأسئلة. فإن كان الوضع هكذا فكل ما يمكن ان يحدث، لا بد ان يحسن الوضع. عليك بالتفليش فقط وستكون الحال افضل. لنسقط المالكي ومهما جاء بعده فهو افضل... لنغير عقود التراخيص، ومهما كانت العقود البديلة فلا بد ان تكون افضل.... 
    أما بدون هذه الخرافة فسيسأل المتظاهر الأسئلة المنطقية والطبيعية: وماذا أعددنا لمرحلة بعد الشلع والقلع؟ ماذا سنزرع مكان ما نشلع؟ وهل هو افضل مما شلعنا؟ كيف نضمن ذلك؟ 

    ما السر في سهولة تقبل الناس لخرافة "اننا في أسوأ وضع ممكن" رغم سهولة تفنيدها؟ إنه ببساطة أنها تعفي الغاضب المرهق، من بذل الجهد العقلي الطبيعي المطلوب عند مجابهة مشكلة، وتترك له لذة الانطلاق والضرب دون ازعاج التفكير والتردد، وما يصاحبهما من قلق وبطء.
    وهكذا فأن خرافة "اننا في أسوأ وضع ممكن" لا تدافع فقط عن الأسوأ القادم، بل تدافع عن نفسها وتؤمن استمرارها بمنعها التفكير والاسئلة وبذل الجهد العقلي الذي يتطلبه كشفها. لذلك صارت أسئلة مثل: "وماذا بعد الغاء الدستور والأحزاب؟ هل هناك رؤية ما، أم علينا ان نحطم كل شيء أولا ثم ننظر ما نفعل؟"، أسئلة محرمة. 

    لكن السكرة لن تستمر الى الأبد، وستفيق الجماهير بعد فوات الأوان لتجد كل شيء موجه ليدفع بها نحو الهاوية، وستدرك متأخرة أنها قد سارت في الفخ مسافة إضافية وفقدت الكثير، مما يجعل التراجع أكثر صعوبة والمقاومة أقل أملاً، واللجوء للاستسلام النهائي اكثر اغراءاً. ربما عندها سيتساءل البعض مستغرباً أن احداً لم يطرح السؤال البسيط الذي يفند الخرافة: إن كنا "في أسوأ وضع ممكن" فكيف كان وضعنا يزداد سوءاً في كل مرة؟؟".. 
    سؤال بسيط لكني اخشى أن العقل لن يواجهه في الوقت المناسب.  ... لا اكتمكم اني غير متفائل. 

    (1) أم الخرافات السياسية: "لا يوجد ما هو أسوأ مما نحن فيه"! - الجزء الأول
    (2) صائب خليل: عقود التراخيص مالها وما عليها: (1): مدخل إلى صناعة النفط وتسعيره 
    (3) صائب خليل: عقود التراخيص 2- العقود بخير.. ولكن!  
    (4) عقود التراخيص مرة أخرى – رد على الأستاذ سلام جعفر 

    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit