السُنة التاريخية و السُنة الطبيعية
    الأثنين 6 أغسطس / آب 2018 - 19:43
    آية الله الشيخ إياد الركابي

     لم يحدد لنا المعجم اللغوي معنى السُنة  على نحو دقيق  ،  ولكنه  أطلق لنا معناً  يمكننا  توظيفه  بين ما هو لساني وبين ماهو إصطلاحي  ،  وأقرب التعاريف التي وجدناها هو  القول بأنها - [  طريق  ] -   ،  أي السُنة  هي طريق   وهي في هذه الحالة لا تكون فاعلاً  ،  ولفظ  - طريق –  حين  يكون مُنكراً  يكون عاماً  ،  ولكن  يمكن الإستفادة من معناه  لمن  يشتغل فيه أو عليه  في الإجتماعي كما  في الطبيعي ، والسُنة التاريخية  متعلقة موضوعاً  بفعل الفاعل الذي أنتجها   ،  ولهذا يكون الحكم عليها  وفقاً لذلك ، و هي  دائماً   من صنع الإنسان  سواء  (  في الخير أو في الشر )  ، والفاعل بحسب موضوعها المتقدم و كما نرى هو  -  العدل أو الظلم -  ، ولكن في السُنة  الطبيعية فالذي يتحكم فيها قوانينها  الخاصة  ،  ويكون الفاعل في صنعها  هو قانونها الخاص بها  [  هي  الطبيعة نفسها ]     ، وقانون الطبيعة هو عينه القانون السببي  [  العلة والمعلول ]  الموضوعي .
    ولهذا فالتمييز بين ماهو تاريخي وبين ماهو طبيعي يكون من خلال القانون المنتج لهما   ،  وفي المنطق  العلمي  :  يكون مجال البحث عن  كل واحدة  منهما  منفصلة  عن الأخرى ، فالسُنة التاريخية   :   كما  قلنا   مجال بحثها  يكون في  -  علم الإجتماع  ومشتقاته   -   ،  ولكن كيف يكون ذلك ؟   ، قالوا    :  بما إن السنن هنا  هي  من إنتاج فعل الإنسان  ،  وهي لم تكن بالفعل لولا  حاجات الإنسان إليها  ، الحاجات  الإقتصادية والسياسية والدينية وغيرها   [  لذلك فمجال البحث عنها وفيها  علم الإجتماع  ومشتقاته   ]  ،   والترابط بين علمي الإجتماع والتاريخ مصيري لحدود قصوى قال أبن خلدون    ،
     لكن السُنة الطبيعية   :  في  المنطق  العلمي   مجال بحثها  علم  الفيزياء والفلك  وغيرها من علوم الطبيعة  ، لهذا    هما متمايزان  مختلفان من حيث الماهية والجوهر  .
     
    بيد إننا  هنا   نبحث عن   - صلة  وصل   -   بينهما  و ذلك نجده  جلياً  في  - موضوعة   الخصوص  والعموم  -   ،   ولكن كيف يكون ذلك  ؟   ،
    نقول   :  حسب المنطق العلمي فإن أصل الحركة  واحدة  ومجالها    ــ ممكن الوجود ــ  أعني  الطبيعة  ،  والإفتراق يكون  في الفاعل  المنتج لهما  ،  ففي السُنة التاريخية  : [  يكون الفاعل هو  الإنسان    ،   وفي  السُنة  الطبيعية يكون الفاعل  هو الطبيعة نفسها  ]    ، وموضوعياً  قوانين الطبيعة  تختلف عن قوانين فعل الإنسان  وإرادته   ،  ولو أفترضنا  جدلاً   صحة  نظرية الوحدة التي ذهب إليها غير واحد  من المثاليين   ، فسيكون علينا لزاماً  إلغاء حالة الإختلال  في النظم  والبناء العام  ،  وهذا غير ممكن بحسب النظرية  العلمية  للتطور    ،  [ يقول  ألبرت أنشتاين  إن  الطبيعة  ( الكون )   حدثت نتيجة  للإنفجار  العظيم  ، وهو نفسه (  أي الإنفجار )  هو من  أسس قوانين الطبيعة ونظامها  ، ونفس الشيء قاله القرآن المجيد ولكن بصيغة ثانية سماها  ( النفخ  في الصور )   ]  ،  ومفهوم النفخ في الصور هو مفهوم نظري تجريدي  يتحدث عن خلق الكون من شيء ما  غير محسوس  [ وهكذا قال ستيف هوكنز تعليقاً على نظرية الإنفجار العظيم   ]   ،  وعندنا  لم يكن الإنفجار هذا عبثياً  إنما جرى  بصورة منتظمة  ،   أدى إلى جعل    - قانون  التطور -  صيرورة دائمة  متقنة ومتوازنه وليس فيها خلل يؤدي إلى طغيان البعض على البعض الأخر    .
    وفي القديم مال إلى هذا  الرأي  -  ملا صدرا  الشيرازي -   معتبراً  الطبيعة  بما فيها من خلق وتكوين ونظم  ، إنما كانت بفعل   الموجد الأول  قال  أبن سينا  ، ولذلك فقوانين الطبيعة  لم تكن بهذه الدقة لولا طبيعة الخلق من الموجد الأول  ( وهكذا الإرادة منه  منذ البدء  كذلك  قالت  الأشاعرة  )  ،  وما يحدث في عالم الطبيعة هو نتيجة لذلك  ،  فالعلل الطبيعية التي وجدت في هذا الكون وفي داخله  إنما كانت بفعله   ، ولذلك قالوا  بالتبعية  :  أي إن فعل الإنسان يدخل ضمن هذه النظرة  سواء أكان فعله في الخير أم في الشر  ،  أنظر النص التالي : -  [  إنا هديناه السبيل  (وفي نص أخر  النجدين )   إما شاكراً وإما كفورا ]  - الإنسان 3   ، إذن فهذه النظرة لا تعترف بالقوانين الذاتية المنفصلة .
     فالعدل   :   عندهم   ليس  فعلاً  ذاتياً  في الطبيعة  أو إنه تطور مع الزمن  ،  بل إنه وجد مع الإرادة في ذلك لتكون  الطبيعة متوازنة  ومعتدلة  وممكنة الحياة فيها  ،   ولذلك قالوا  :  لم يكن  الأمر بالعدل إلاّ ليكون  سُنة يستقر على أساسها  النظام والقانون  في الطبيعة   ،  وما  التاريخ  إلاّ راصد ومشير وشاهد على ذلك ،   قال تعالى : [  وما خلقنا السماوات والأرض ومابينهما إلاّ بالحق ]  - الأحقاف 3   - ، 
    فطبيعة  الخلق   من جهة  و  حتمية  الخلق  من جهة أخرى ، ليست عبثية ولكنها كانت  لسبب  ما ، وفي المنطق الإلهي يكون (  فعل الخلق وسببه  )  من الحق     ،   وليس كالطبيعة  التي لا ترتبط بسبب في تطورها  كما تقول    -  الداروينية -  ،   والحديث في النص  عن [  الخلق وليس عن التطور ]  فالخلق هو النفخ أو هو الإنفجار  ، وأما التطور فهو من لوازم  النظام الجيني أو البنيوي [ والذي تقول به الأحياء التطورية ]   ،   وفي القرآن  :  تعتبر عملية التطور عملية دورية مستمرة  ،   لكن  كيف وأين  بدأت ولماذا ؟  ،   وهنا الجواب يكون  :  عن معنى الطبيعة عن ماهيتها وعن صلتها بالإنسان ،   وهل هي حقل لتجاربه أو  هي وعاء لذلك ؟   ،   [  وبالمناسبة  نحن نتكلم هنا  عن الإنسان وليس عن البشر   ]  ،  وبين الإنسان  والبشر جدُ فارق  ، أي بين الحيوان الأول وبين هذا الذي تطور في وعيه وعقله ليكون -  خليفة لله -   ،  وبحدود  علمي  :  إن القرآن المجيد  لم يعط صورة تفصيلية لهذا التطور  من البشر إلى الإنسان  ،  ولكنه نوه إلى ذلك ببعض الإشارات  ،  في إعتبار  البشرر سابق للإنسان  كما نقرأ ذلك بقوله : -   [  إني جاعل في الأرض  خليفة ....قالوا :  ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك  الدماء ؟ )  ... ]  البقرة  30   -   ،  السؤال كما تقول لغتنا  العربية  ، إنه  من فئة الأسئلة الإستنكارية  ، أي إن الملائكة أستنكرت  على الله أن يجعل خليفته  من هو قاتل وشرير ، ولو تتبعنا  نظرية التطور لوجدنا إن الأصل في البشر هو الشر   ،  ولكن ماهو المضمر  هنا  و الذي لم  نلاحظه في الكتاب المجيد  ؟   ،  إن المضمر هو ذلك الزمن الذي لم يُحكى عنه  في عملية التطور والتحول    ، وكم من الوقت أستغرق هذا التحول الجيني والعقلي معاً -  أنظر رينيه ديكارت -    ، أعني إن الكتاب لم يعطنا تفصيلاً عن الزمن الذي أستغرقه فعل التحول بين  [   فعل خلق وفعل جعل ]  ،   ولكن  وحسب نظرية الأحياء التطورية  :  فإن هذا الزمن حدث بعد التدمير للعالم الأول ، حدث هذا  من خلال التناقض والصراع من أجل البقاء  قبل ملايين السنيين  وقيل بسبب فعل الطبيعة نفسها    .
    ولنناقش الفكرة  تجزئياً  ونقول  :  هل أرتبط  خلق الطبيعة والكون والإنسان  بحاجة مقدرة  عند الله  في التخطيط المنطقي لما تكون عليه صورة  الطبيعة  ؟    ،  والجواب عند عامة الإلهيين   نعم :  أن صورة الخلق مرتبطة بضرورة حتمية متعلقة بنظام كلي مسبق في العقل الإلهي  !!  ، وهي لا ترتبط بنظام ذاتي للتطور  الغير مسبوق بسبب  !!  .
    وبما إننا نبحث هنا  في  نظام السنن في القرآن المجيد  ،  لذلك نقول : إن  القرآن يطرح موضوعة السببية  في الخلق ، أي إن الخلق ليس عبثيا أو جاء بلا سبب  وليس الأمر فيه متروكاً لنظام التطور الذاتي المرحلي  ،  الذي ينبني على التناقض والخلل  الجيني ، قال تعالى : [  وما خلقت الجن والأنس إلاّ ليعبدون ]  ، ومفهوم الخلق كان لسبب وهو  العبادة  والتي  هي  عند الملا صدرا  ليست  الطقوس والشعائر ، إنما هي العمل  المرتبط بما يحقق للحياة غايتها وهدفها   ، وفي هذا المجال يكون قوله تعالى  : [  ولله جنود السموات والأرض وكان الله عليماً حكيما ] -  الفتح  4 ، مرتبطاً بهذه الغاية وهو محكوماً    بقانون السببية  ، فالكائنات الغير مرئية  وجدت لسبب ما وهو حفظ نظام الطبيعة في  الإستقرار والتوازن  ، ونقول    :  [  إن وجود هذه الجنود أو الكائنات الغير مرئية  ،  إنما هي حالة حمائية  لحفظ نظام الطبيعة من الإختلال   ]    ،  وبعبارة  منطقية :  حفظ نظام الطبيعة بكائنات حية غير مرئية  ، يحقق للطبيعة قدرتها على حفظ نظامها وصيانته من الإنهيار ،  وهذا الشيء قال به الفيزيائي  الفذ -  دايرك -  حول نظرية الأشباح  التي تملئ الفراغ الكوني ،  هذه الصورة التي يعبرون عنها بالتجاذب الكهرومغناطيسي ،  والتي وجدت من أجل  هذا التوازن  في  الطبيعة  ، قال تعالى  : [ ولله ملك   السموات والأرض ]  الفتح 14 ،      
    -  ومفهوم  ملك  -   حين  جاء  منكراً  ففيه  دلالة  مطلقة  على معنى النظم والسيطرة  على النظام الكوني  ،  ولا تكون السيطرة والنظم  من غير قدرة عاقلة واعية تضبط  حركة  الكون  وتحافظ  على وحدة النظام الكوني ،  وحين ينسب الله  المالكية في هذا الشأن وذلك للأهمية  ،  ولا شأنية للإنسان في ذلك  إلاّ على النحو الإعتباري المجازي  وهذا ليس محله هنا  .
    قال تعالى :  [ ولله ميراث السوات والأرض  ]  الحديد 10 
    أعجبني  هذا النص لأنه يتحدث عن المستقبل  ، فالميراث في عرف المتشرعة هو عبارة عن الأشياء المتبقية بعد فقدان المالك الإعتباري ، والنص هذا  يرتبط  حكماً  بما سبقه   في  قوله تعالى : { له ملك السموات والأرض وإلى الله ترجع الأمور } ( الحديد / 5) .
    أي إن المتبقي من الوجود المخلوق الثابت منه والمتحول هو  لله في نهاية  الوجود  الحتمي  الذي يكون ذاتياً من خلال إنعدام  الكتلة  في السموات و الأرض ، قال تعالى  :  -  [  يوم يكون الناس كالفراش المبثوث ، وتكون الجبال كالعهن المنفوش  ] – القارعة 4 و 5 ،  قال شيخنا الأستاذ  :  [  إن المتبقي هو  عبارة عن شأن يختص بمالكه أصالة على نحو الحقيقة لا الإعتبار ]  ، بدليل إن قوله تعالى : [ ولله خزائن السموات والأرض  ] - المنافقون 7     ،  شأنية خاصة بالله وحده و لا شأنية فيها للإنسان .
    وبما  إن الحديث  عن الميراث والمالكية  فلا بأس  من النظر إلى  قوله تعالى  : [ وإن من شيء  إلاّ عندنا خزائنه  ]  الحجر  21    ،  والخزائن جمع خزينة  وهي  الصندوق الذي تحفظ به الأشياء ، وهي هنا كناية عن القدرة الكاملة التامة على كل ممكنات الوجود ، ، وهذا النص  في مقام التعريف بخزائن الله   ،  وهو  تعريف يُراد به بيان السُنة الطبيعية  ،  وجعل ذلك كله  شأنية  خاصة بالله  وحده ولا دخل  للإنسان  فيه .
    ونعود لنقول :  مفهوم  الخلق  والتكوين  في الفعل وعلى نحو مطلق هو من شؤونات الله  ، المتعلقة بقدرته   للعوالم الكونية المطلقة  ولا شأنية للإنسان فيها ، بل إن الإنسان هو جزء من ذلك الخلق والتكوين .
    قال تعالى : { خلق السموات والأرض بالحق وصوّركم فأحسن صوركم } ( التغابن / 3) .
     وقال تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأٍ مسنون } ( الحجر / 26) .
     وقال تعالى : { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } ( المؤمنون / 12) .
    وقال تعالى : { وبدأ خلق الإنسان من طين } ( السجدة / 7 ) .
    وقال تعالى : { خلق الإنسان من صلصال كالفخار } ( الرحمن / 14) .
    وقال تعالى : { أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم } (يسن / 77 ) .
     وقال تعالى : { وهو الذي خلق من الماء بشراً .. } ( الفرقان / 54 ) .
    وقال تعالى : { والله خلق كل دابة من ماء ..} ( النور / 45 ) .
    قال الله تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ} [الزمر: 6]
    قال تعالى: وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا [نوح:14

    وكما قدمنا  فالخلق أرتبط  مفهوماً  بالبشر  وليس بالإنسان   ،  كما في سورة الفرقان  54  ،  والجعل  كان للإنسان أي إنه  بعدما  أنتهى من خلق  البشر  عبر مراحل   ،  جعل له صورة حسنة تتناسب ووضعه الطبيعي المخلوق من أجله ، كما يظهر ذلك  في قوله تعالى : [  الذي خلقك فسواك فعدلك ] - الإنفطار 7 - ، وفي ذلك يكون المعنى قريب مما ذهبت إليه -  الأحياء التطورية   - 
     .
     *  *   *
    تنبيه :
      مما تقدم يتضح لنا  :  إن السُنة الطبيعية تفترق عن السُنة التاريخية  في نواحي عدة  ، فالسُنة الطبيعية  أعتبرها  العلم  حتمية  الوقوع  ،  والفاعل في إنتاجها  هو الله  أو هي قدرة الله    ،  وهي ليست من شؤونات الإنسان وفعله  ، وأما السُنة التاريخية  فهي فعل ناتج عن الإنسان ، أي إن الفاعل في إنتاجها وصُنعها  هو الإنسان    ،  وفي متعلقات السُنن  يكون الفعل آصالة  بيد الله  ووكالة بيد الإنسان  ، في قضايا  المالكية والإرثية والخازنية .
     
    ***
     
    يذهب بعض المثاليين للقول  بالإتحاد  بالفعل    ،   وهو قول ليس دقيق من وجهة نظر علمية  ذلك لأن الكلام فيهما يتعلق دائماً  بالماهية وبالكيفية  ،  وحين يكون ذلك كذلك نفهم معنى الإفتراق   في قوله تعالى : [  قل من يرزقكم من السماء والأرض ]  يونس 31  ، وفي سورة فاطر قوله : [  هل من خالق غير الله يرزقكم  ]   فاطر 3  - ،  في هذه النصوص نلتقي مع الله  حين يتحدث عن قدرته  بالفعل والقوة  ،  ويرجع كل شيء له على نحو مباشر وما يكون من الإنسان فبشكل غير مباشر  ،  فالثروة هي منه ولكنها  تكون للإنسان على نحو الفعل والمباشرية والإنتفاع  ، نلحظ ذلك في العبارة التالية قوله  : [  ومما رزقناهم ينفقون  ]  البقرة 3  ، فالرزق  هو عبارة عن كل ما ينتفع به من مال أو غيره ،   وهو صفة  وصف  و تقدير في الأموال والأشياء   ،  لما ينتفع  منه  وبه  أي إن إيجاده  في الأساس  هو  شأن إلهي   ،  ولكن  حق الإنتفاع  والزيادة والإستثمار  فهي من فعل الإنسان   ،  يدل على ذلك ما قاله تعالى   .
      تعتبر المادة  (  الثروة )   في الفلسفة  الدينية  ظرف  لصفة  التفويض في الإنتفاع  ،  وهي تكون للإنسان وكالة إذا كان قادراً على ادائها بحدودها المعلومة   ،  وفي هذا يكون  الرزق  عنوان ثانوي يكون فيه الإنفاق شرط في صحة التفويض ،  ولهذا جاء الوصف على نحو الأسم   ـــ بالرازق ــ   ،  ليؤكد  على إنه المفوض  والفاعل في  ما يملك  على نحو حقيقي  ، ويواصل  الكتاب المجيد  فكرته عن التفويض
     بقوله : [ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة ومما رزقناهم رزقناهم ينفقون ]  إبراهيم 31    فالتوزيع  العادل  مرتبط بقوله ــ رزقناهم ــ والضمير المتصل هنا يعود على الرازق الحقيقي صاحب الملكية أصالة وهو ــ الله ـــ   ،  وفعل  الإنفاق يكون في  الطبيعية  من عمل الإنسان وعلى نحو  مباشر   ، ولكنه في  الواقع  يشير إلى إن الفعل مجرد تفويض  من  الله ،  وتوزيع  الثروة  شرطه اللازم ليكون مؤدياً للغرض ومنفذاً لمعنى التفويض  أن يكون  ــ بالعدل ــ  ،   والعدل شرط مسبق  في  صحة الإنفاق ، قال الطبرسي :  العدل  ملاك  صحة الإنفاق  وشرطه  ، ومن غيره  يكون  الظلم والجور والتعسف  ، وهذا هو المنهي عنه قطعاً ، لذا ورد [  التقديم للتعليل المتأخر ]   ، وفي أصول الفقه  :   يعتبر  شرط الإنفاق  شرط تكليفي ،  وهو القرينة الدالة على صحة   أداء  التكليف  ،  والتلكيف تحرير للصفة بحيث يرى أثرها الواضح في الواقع الموضوعي أعني أثر الإنتفاع وكيفيته .
     
    وفي موضوعنا  السنني  إيجاد  صفة  التفويض  متناسبة  مع حاجة المنتفع  ،  أي جعل الصفة محلاً للضبط والربط  بحدود الحاجات والضرورات  ،  ولا يتم هذا  من غير [  واقع موضوعي ملائم  ، وشرط إعتباري صحيح ]  ،  ولا يخرج  هذا  من باب [  الإيمان  مع العدل ]  ومن غيرهما  يقول  الطباطبائي  يكون الخلل مترتباً أثراً في الواقع وفي الشرط   ،   والخلل سبب مباشر في حدوث السنة التاريخية  على نحوها السالب  ،  قال شيخنا الأستاذ :  [  لعل التمايز اوضح ما يكون في الصفات الإلهية عموماً ، تلك الصفات المرتبطة بعالمها الخاص الذي تتحرك فيه  ]   ، والصفات : عبارة عن عناوين كلية لمفهوم ـــ الذات ــ كما طرحت في  علم  الكلام  ،  على نحو  :  [  ــ الصفات عين الذات ــ ]  ،  وفي علم الكلام أيضاً  :  يكون المتحرك والفاعل هو المتجلي والظاهر ، وبيان التجلي عند صاحب حكمة الإشراق  : يتمظهر بأبرز المصاديق  كما  في قوله تعالى    : ( ربي أرني أنظر إليك ؟ قال لن تراني ، ولكن أنظر إلى الجبل ــ ميدان التجرية ومكان إختبار الظهور والتجلي ــ فسوف تراني ( في أي هيئة ؟ )   ،  قال :   [  فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخرَّ موسى صعقاً  ]    ، والتجلي  في لغة العرفاء  :  هو  مظهر الكشف عن واقع حال القدرة في الميدان  ،   قال أبن الجنيد  :  [  والتجلي ظهور في القدرة لا ظهور في الذات  ]   ، والتناسب هنا بين الذات والصفة تناسب في ميدان الرؤية العينية المشار إليها في التعبير الكلامي آنف الذكر .
    وللتوضيح  نقول :   إن التجلي  هو  مظهر ظهور الذات  على نحو [  صفةً ]    ، وذلك لتعذر ظهور الذات واقعاً  لقوله  :  -  [  ليس كمثله شيء ]  - الشورى 11 -   ،  والظاهر  من  هذه الصفة  هو ما نطلق عليه  بالطبيعي والتاريخي  ،  والطبيعي هو المجسد بالقوانين للنظام الكلي العام ، والتاريخي هو المُجسد للحركة ضمن قوانين العليّة  ، وجدل  الله  و الإنسان  هو جدل دائم  في الطبيعي والتاريخي  ،  والذي نفهمه عبر السُنن سواء بالفعل الخالص أو الفعل  المشترك ،  والفعل الخالص  نشير به للطبيعي [  من جهة عموم القانون وخصوص الإرتباط  ]  ، والفعل المشترك يكون سريانه بين ما هو طبيعي وماهو تاريخي  [ من جهة خصوص القانون وعموم الإرتباط ]  ،  يقول شيخنا الأستاذ   :   (  إن المشيئة والفعل  في الطبيعي  يكون بأمر الله  ،  ولكن المشيئة والفعل في التاريخي  ترتبطان  بحركة الفاعل الإعتباري  )  ،  وقد عرفه أستاذنا رضا الصدر  :  -  فعل الإنسان يكون في ساحة المتحول  وليس الثابت -  ، والمتحول من لوازمه  التبدل والإنتهاء  ولكن  بحسب  الشرط الموضوعي للواقع  ،  قال تعالى : [ ومن نعمره ننكسه في الخلق ]  يس 68  :    ،  وجدلية  طول العمر مع فقدان التوازن والقدرة  على الحياة  ،  لازمة من لوازم  التبدل  في الطاقة وإنتهاء للكتلة  ،  ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى  وبنحو ما  : [  فإذا جاء أجلهم لا يسأخرون ساعة ولا يستقدمون ] - الأعراف 43  -  وطبعاً لا يستثنى من هذا  القانون ما يحصل في الحروب ،  وفي الكوارث التي تحصل بفعل الطبيعة  ، ومنطق التقديم والتأخير المرموز له بالنص  المتقدم  ،  ليس معناه إلغاء دور الإنسان في الصنع على نحو مباشر   ، و لنتأمل الفكرة  عينها  في صراع النقائض والأضداد في الدوام والزوال والبقاء والهلاك والحق والباطل والخير والشر والحلال والحرام

    آية الله الشيخ إياد الركابي 

    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit