رؤية فى حكاية الولد المهرب
    الخميس 9 أغسطس / آب 2018 - 17:16
    عادل نعمان
    كاتب وإعلامي مصري

    يا بنى لست بطلا، بل أنت مهرب، ومخالف للقانون، والمهربون الكبار الذين تتمسح فيهم، وتسند فسادك إلى فسادهم، وتشد قامتك إلى قامتهم، وتشرئب لتطول أعناقهم، يوما ما كانوا صغارا مثلك، وهذا الموظف العمومى المرتشى بالملايين والذى تستشهد به، وتحتج إليه، وتستجيره ليجيرك، وتستنقذه لينقذك، كان يوما قليل الشأن والقدر والمقام، بجنيهات قليلة غرته وخدعته أموال أمثالك، لن يجيرك ولن يستنقذك من القانون، وهذا الراشى الكبير الذى أفسده وخربه وأتلفه وحاد به عن الحق والصواب، أنت الآن على خطاه وعلى نهجه تسير، ذرية يا ولدى بعضها من بعض، تتوارث الفساد، وتتناقله أجيال متعاقبة، ويتصاعد يوما بعد يوم، يبدأ تافها صغيرا، ويوم يكبر ويتوحش تكون البطن الولادة قد خاضت مخاضها، وكثر نسلها، وألقى البيض بفراخه الزغب، وانتشر فى الأرض ديدانها وجرادها، تهلك الزرع، وتحصد الأرواح، وتدمر الأخلاق، وتنشر الفساد وترفع من قدر السفهاء والبلهاء ، ويختفى العلماء والشرفاء، وكل عظماء الشأن، وحتى لو كنا لا نقدر على الوحوش حتى يومنا هذا، فلا يمنعنا مانع من وقف تناسله وتوالده وتكاثره، ولو كان الفاسد الكبير قد عشش وتمكن وهيمن، فلا يمنعنا هذا من محاربة صغيره ونتف ريشه حتى لا يطير ويسد عين الشمس، فلا حجة أن نترك الطفح يزيد لأننا قد عجزنا عن تصريفه أو معالجته، ولا عذر أن نترك المرض ينتشر إذا عجزنا عن علاجه، فمحاصرته وتثبيته وتحجيمه ومنع انتشاره هو أضعف الإيمان، وأضعف الإيمان هذا ربما نسيّر به الأمور، ونحفظ به المقادير والأموال والأعراض، ونقيم به أركان الدولة، وهو الحد الأدنى الذى يقبله الناس ويرضخون ويستجيبون له، ويقيد من نأمن شره، ونتقى منه الأذى والضرر، وربما تنفلت الأمور وتخرج عن الطوع والسيطرة إذا مال الميل يسيرا، أو هان الضعف قليلا. لست بطلا فى نظرى، أنت مخالف للقانون، وخارج عليه، وحرامى واضح وصريح، وتستحق المحاكمة والعقاب، مهما تعاطف معك البعض، وظنوا أن الفاسد الكبير يسندك، ويشدك إلى مقامه، وإفلاته وزوغانه مبررا لانتشارك وتعميمك، واستمراره وحصانته حجة على قبولك، وتصدره المشهد والصفوف ذريعة لاستقبالك واعتمادك أمرا واقعا، وهذا فساد على فساد، وضلال على ضلال، ودعوة لانتشار الفساد وتثبيته ودعمه جماهيريا، والرضا عنه.


    ما بال البعض أصبح يقيس الحق والصواب على قدر ما ترغب يداه وما تطويه مسيرة قدميه، وما تحصله وتربحه خزائنه سواء كان حراما أو حلالا، مخالفا للقانون أو ضد الأخلاق ومغاير لها، أليست العدالة معصوبة العينين، فلا ترى من هرب منها فتميل لمن أمسكت به؟ العدالة لا تتكاسل ولا تتراخى إذا أطبقت على مخالف واحد وهرب منها المئات، ولا تتثاقل ولا تتهاون إذا كان خلف القضبان متهم واحد وزاغ منها العشرات، من حضر اقتسم، ومن سيق كان المتهم الوحيد، حتى لو برطع خارج أسوارها طوابير من الفسدة والمجرمين. ما بالنا نترك الجريمة بأركانها الثابتة ونلف وندور حولها نبحث لها عن مخرج أو مبرر، وكأننا جميعا نقف معه خلف القضبان مدانون؟ هذا ما قاله يوسف إدريس يوما، (فقر الفكر وفكر الفقر)، ونحن مجتمع واقع بين فقرين، إما فكر السفهاء، أو فكر الفقراء.


    adelnoman52@yahoo.com
    "المصري اليوم"

    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit