المجتمع الريعي نتاج الاقتصاد الريعي -الخصائص والآلية -
    الأحد 2 سبتمبر / أيلول 2018 - 15:16
    حامد عبد الحسين الجبوري
    مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية

    الاقتصاد الريعي الذي يعتمد على الموارد الاولية وبحكم غياب الادارة الكفوءة ضعف الإرادة الجادة وفقدان الرؤيا الاستراتيجية لمستقبل الاقتصاد سيولد بالضرورة مجتمعاً ريعياً تابعاً.
    ان السجال لم يُحسم إلى الان بين الدولة الريعية والاقتصاد الريعي حول أيهما يولد الآخر ولكن هناك شبه إجماع حول مصدرهما أي إن مصدرهما هو الريع الخارجي، فالاقتصاد الريعي هو الاقتصاد الذي يعتمد في دخوله النقدية على العالم الخارجي كنتيجة لتصدير الموارد الأولية التي تتسم بتذبذبها وانخفاض مرونة الطلب عليها.
     وإن اعتماد الاقتصاد في توليد دخوله النقدية على الريع الخارجي يولد الكثير من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية وغيرها، في حال انعدام الرؤيا الاستراتيجية وغياب الإدارة الكفوءة والإرادة الحقيقية لدى أصحاب القرار والمسؤولين الحكوميين. وعلى الرغم من تداخل تلك المشاكل فيما بينها التي يولدها الاقتصاد الريعي، إلا إننا سنركز قدر الإمكان على مسألة خلق المجتمع الريعي بفعل الاقتصاد الريعي في هذا المقال.
    التعريف
    يعرف الاقتصاد الريعي على انه "ذلك الاقتصاد المدعوم بالإنفاق جوهرياً من قبل الدولة، إذ تصبح الدولة وسيطة بين القطاع الريعي والقطاعات الاقتصادية الاخرى، أي انها تتسلم العائدات الريعية ومن ثم تخصصها إلى فروع النشاط الاقتصادي الاخرى من خلال برامج الانفاق العام"[i]، ويقصد بالمجتمع الريعي "جميع الفئات الاجتماعية المستفيدة من الريع وتعمل هذه الفئات على تعميق الحالة الريعية لحماية المصالح الشخصية وان كان على حساب الفئات الاخرى في المجتمع وقد تنشأ هذه الفئات نتيجة الصلة أو القرابة بالسلطة الريعية الحاكمة" [ii].
    يتضح من خلال التعريفين أعلاه هناك طرفين هما الدولة التي تأخذ وظيفة رصد التخصيصات وتوزيعها على الطرف الثاني وهو الفئات المستفيدة وهذه الفئات لا تحاول رفض وإزاحة هذا النظام كونها مستفيدة ولا تدرك معنى المصلحة العامة وحقوق الجميع بهذه الثروات اي انها تمارس تصرفات حيوانية لا يعنها شؤون الآخرين وبهذا هي تكون كالحيوانات المفترسة.
     وحتى يكون المقال واضحاً ولا يكتنفه الغموض ولا يربك القارئ الكريم سنذكر المثال الواضح لدى اغلب الاقتصادات الريعية ألا وهو النفط الخام بالنسبة للبلدان التي تعتمد عليه بشكل كبير جداً.
    خصائص الاقتصاد الريعي النفطي
    لكل اقتصاد مجموعة من الخصائص التي تميزه عن الاقتصادات الاخرى ويمكن توضيح أهم الخصائص التي توضح الاقتصاد الريعي النفطي بالآتي:
    اقتصاد متذبذب، الاقتصاد النفطي هو اقتصاد ريعي وبما ان النفط يتميز بتذبذب اسعاره كنتيجة لأسباب سياسية واقتصادية ومناخية لذا فان الاقتصاد المعتمد على النفط سيكون متذبذب أيضاً خصوصاً في ايراداته ونفقاته وصادراته واستيراداته وانتاجه الاقتصادي واحتياطياته النقدية وغيرها، ولا يمكن للحكومات الوطنية من تحديد أسعاره وتثبيتها لان أسعاره تتحدد في الاسواق الدولية.
    اقتصاد غير عادل، من المعروف إن النفط ثروة وطنية عامة تشمل الجميع الاجيال الحالية واللاحقة ولا يحق لاحد التصرف بها وفقاً لمصالحه الخاصة لا حكومة ولا أفراد، لكن ان الثروة النفطية تقتصر على الحكومات ومن يرتبط بها في الوقت الحاضر وهذا ما يؤدي الى غياب العدالة بين افراد الجيل الحالي، وإن استمرار الاعتماد على النفط وعدم التفكير في إيجاد مصادر أخرى للإيرادات سيؤدي إلى نضوب النفط وبالتالي حرمان الاجيال اللاحقة من حوقهم النفطية وهذا ما يعني غياب العدالة بين الاجيال الحالية واللاحقة.
    اقتصاد الدولة، في الغالب البلدان النفطية وخصوصاً النامية يكون الاقتصاد تابع للدولة بل هي المتحكمة فيه فيكون لها الدور الأكبر في الاقتصاد، فتقوم بتصدير النفط وتحويل العملات الاجنبية الناجمة عنه إلى المجتمع عبر نافذة الانفاق العام وخصوصاً الانفاق الاستهلاكي (التشغيلي) في المالية العامة دون الاهتمام بكيفية استحداث مصادر اخرى للإيرادات تعوض حقبة ما بعد النفط.
    اقتصاد الإقصاء، أي ان الاعتماد على النفط في تمويل الاقتصاد سيسهم في إقصاء القطاعات الاخرى وعدم الاهتمام في تفعيلها ما دام النفط هو الملبي للاحتياجات المحلية فضلاً عن صعوبة رفع الايرادات الضريبة او خفض الانفاق العام وخصوصاً الانفاق الاستهلاكي هذا من جانب ومن جانب آخر ما دام الدولة هي التي ستكون المتحكمة ستؤدي إقصاء القطاع الخاص وتهميشه لأنها تريد فرض سيطرتها على الاقتصاد والمجتمع.
    اقتصاد عسكري، أي ان غالب الدول التي يعتمد اقتصادها على الريع تذهب لتحصين نفسها من اي قوى معارضة وذلك من خلال الاهتمام بالجانب الامني والدفاعي عبر بوابة الانفاق العام.
    خصائص المجتمع الريعي
    البطالة، يعاني المجتمع الذي على النفط بشكل كبير من البطالة في كل انواعها وشرائحها وذلك بسبب غياب الارادة الجادة وسوء إدارة الاقتصاد بشكل عام والثروة النفطية بشكل خاص إذ إن توفر الإرادة الجادة والادارة الكفوءة للاقتصاد والثروة النفطية سيفضي بلا شك إلى تقليص حجم البطالة أدنى مستوياتها.
    الاتكالية، المجتمع الريعي النفطي هو مجتمع تعلم على إعالة الدولة له ولا يفكر كيف يقتات من عمل يده بل يشعر دائماً انه ابناً لها وهي أباً له، وحتى وإن لم تحقق له شيئاً فيظل أمله معلق عليها وهذا ما يجعله دائم الاتكاء عليها.
    التفكك، بحكم قيام الدولة بتوزيع الريع النفطي على بعض فئات المجتمع هذا ما يؤدي إلى تفكك المجتمع بين فئتين أو أكثر بين الدفاع وحماية النظام القائم واخرى ترفضه وتطالب بإعادة بناء الاقتصاد بالشكل الذي يخدم الجميع.
    أمي، ترتفع نسب الامية في المجتمع الريعي النفطي وذلك بحكم إن الدولة لا تريد أن تخلق لها معارضين يكونوا مؤسسات ومنظمات تهتم بمسألة الشفافية والمحاسبة لها لان من يقوم بهذا هو الانسان المتعلم وليس
    الجاهل ولذا ترتفع نسب الامية في صفوف المجتمع الريعي.
    الرضا، يشعر المجتمع الريعي النفطي بالرضا تجاه الدولة كونها لا تفرض عليه الضرائب ولا يشعر بان حقوقه مسلوبة من قبل الدولة فينتفض عليها بالرقابة والمحاسبة!
    آلية خلق المجتمع الريعي
    بعد إن تم توضيح المصطلحين (الاقتصاد الريعي) و(المجتمع الريعي) وخصائصهما الآن سيتم توضيح الآلية التي عن طريقها يقوم الاقتصاد الريعي بإنتاج المجتمع الريعي وكما يلي:
    - الاقتصاد الريعي النفطي ذو صناعة كثيفة رأس المال كون هيكل راس المال في الصناعة النفطية يكون أغلبه من العناصر الثابتة التي تشمل (المكائن والمعدات والانشاءات) وتصل نسبة هذه المجموعة الى 80% مقارنة مع نسبة رأس المال المتغير[iii]، فضلاً عن ضخامة رؤوس الاموال التي تتطلبها الصناعة النفطية للقيام باستثمارات كبيرة بحكم تعدد وتنوع مراحل وعمليات استغلال النفط، وهكذا ما سيجعل الأقلية تعمل وتدخل ضمن دائرة النشاط الاقتصادي والأغلبية من السكان خارج النشاط الاقتصادي بحكم طبيعة الاقتصاد النفطي ويعيشون على ما تنتجه الأقلية عبر قيام الدولة بتوزيع الريع النفطي وبهذا اصبح مجتمعاً ريعياً.
    - ان انتعاش القطاع النفطي بفعل أهميته الدولية، سيؤدي إلى رفع اجور ومرتبات العاملين فيه وهذا ما سيشجع العاملين في القطاعات الاخرى الى الانتقال للعمل فيه رغبة بالأجور والمرتبات المرتفعة ولكن بما إن القطاع النفطي وكما ذكرنا آنفاً، إنه ذو صناعة كثيفة رأس المال فهو لا يستوعب الايدي العاملة المنتقلة اليه بالإضافة إلى صعوبة استجابة الايدي العاملة لمهارات الصناعة النفطية المطلوبة وهذا ما يعقد المشكلة فيزداد حجم البطالة وتدخل ضمن الفئات المستفيدة أو غير المستفيدة من الريع النفطي.
    - بالإضافة إلى ما تقدم، إن زيادة العملة الاجنبية في الاقتصاد المحلي كنتيجة لزيادة الصادرات النفطية سيولد المزيد من الطلب على العملة المحلية وهذا ما يؤدي إلى رفع قيمة العملة المحلية والذي يعني ارتفاع اسعار المنتجات الوطنية أمام المستورد الأجنبي وهذا ما يدفع هذا المستورد إلى تقليص الطلب على المنتجات الوطنية ليس هذا فحسب بل ان ارتفاع قيمة العملة المحلية امام العملية الاجنبية هذا يعني إن اسعار المنتجات الأجنبية ستكون أقل من أسعار المنتجات الوطنية وهذا ما يؤدي إلى زيادة الطلب المحلي على المنتجات الأجنبية والتخلي عن المنتجات الوطنية فتضطر الصناعات الوطنية إلى التقليص من عملياتها الانتاجية وهذا ما يفضي إلى تسريح الأغلب من الأيدي العاملة في القطاع الخاص الى جيوش البطالة والبطالة المقنعة في القطاع العام.
    - إن من يقوم بإنتاج الريعي النفطي في الاقتصاد الريعي هم فئة قليلة من المجتمع وعادة ما تكون من موظفي الدولة لأنه وكما ذكرنا في خصائص الاقتصاد الريعي ان الدولة هي المتحكمة في الاقتصاد، اي تسيطر على الريعي النفطي وتقوم بعملياته الاقتصادية من استكشاف وتنقيب وانتاج وتسويق وتصدير، والفئة الأكبر (وليس المجتمع بأكمله) تقوم باستلام الريع النفطي عبر وساطة الدولة من خلال ادواتها المالية المتمثلة بالإنفاق والاقراض وتخفيض الضرائب.
    - ان جمود الجهاز الانتاجي الوطني وعدم تلبيته لمتطلبات المجتمع سواء من حيث فرص العمل او من حيث السلع والخدمات التي ينتجها من جانب وهيمنة القطاع الريعي النفطي المُسيطر عليه من قبل الدولة على الاقتصاد المحلي من جانب الثاني، جعل غالبية المجتمع بحاجه إلى إشباع حاجاته سواء من فرص العمل أو السلع والخدمات، والذي قام بتغطية جزء من هذه الاحتياجات وخصوصاً السلع والخدمات هو الاقتصاد الريعي اي ان الدولة تقوم بإنفاق الريع على المجتمع حتى تسد جزء من احتياجاته مع التغاضي عن خلق فرص العمل عبر تفعيل جهاز الانتاج الوطني لأنها تعلم إن خلق جهاز انتاج وطني قادر على استيعاب الايدي العاملة سيؤدي إلى إخلاء ساحة الدولة من التابعين وهذا ما لا ترغبه الدولة وبهذا خلقت مجتمعاً ريعياً بامتياز.
    - وكنتيجة لارتفاع اجور العاملين في القطاع العام بشكل عام وحصولهم على الضمان التقاعدي مع عدم توفر هذا الاخير لدى العاملين في القطاع الخاص جعل أغلب المجتمع آماله معلقه على الدولة عسى وأن تحن عليه بفرصة عمل حتى يتنعم بأجورها وضمانها التقاعدي وسواء حصل عليها أم لا فهو دخل ضمن المجتمع الريعي لأنه ينتظر الدولة التي تقوم على الريعي النفطي بالأساس.
    التوصيات
    1- تحويل الاقتصاد الريعي إلى اقتصاد انتاجي، وذلك من خلال توفير المناخ المشجع للمستثمرين على الاستثمار في القطاعات الانتاجية.
    2- الاهتمام بترتيبات ووسائل تحقيق العدالة الاجتماعية فيما يخص الثروة الوطنية العامة كإنشاء الصندوق السيادي مثلاً.
    3- تفعيل القطاع الخاص وعدم اقصاء الدولة بالكامل أي لابد أن تأخذ دور الاشراف والموجه للقطاع الخاص.
    4- تشجيع المجتمع على تكوين المنظمات المدنية والمؤسسات المتعلقة بمراقبة ومتابعة دور الدولة فيما يخص الثروات الوطنية.
    5- الاهتمام برأس المال البشري وذلك من خلال الاهتمام بالتربية والتعليم والصحة وما يتعلق بحقوقهم السياسية والاقتصادية بشكل عام.
    * باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2018
    www.fcdrs.com
    ..................................
    [i] - محمد حسين الجبوري، تحديد حجم الانفاق العام الامثل في الاقتصادات الريعية، أطروحة دكتوراه، جامعة كربلاء، ص26.
    [ii] - نفس المصدر، ص45.
    [iii] - احمد حسين علي الهيتي، اقتصاديات النفط, ص23.

    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit