الاستقطاب الامريكي – الايراني في العراق ... مؤشراته و ابعاده
    السبت 8 سبتمبر / أيلول 2018 - 07:05
    سيف إبراهيم

    بعدما تم تجاوز مرحلة الدعوة لتأجيل الانتخابات البرلمانية العراقية 2018 ، بحجة  الظروف الصعبة التي يمر بها البلد ، و بعد اجراءها و الطعن بها و اعادة العد و الفرز يدويا ، كان الشعب يمنّي النفس بإشراقة امل و انبعاث الحياة من جديد بعد سنوات الطائفية ، القاعدة و اخرها داعش ! كانت البدايات تنذر بخير ، خاصة و ان هناك توجهات لدى بعض الكتل و الاحزاب الى المضي قدما في ايجاد معارضة حقيقية تراقب و تقوّم عمل الحكومة ، فيما اذا لم  تستطع هذه الاحزاب هي من تشكل الحكومة و هي بذلك ستكون اشبه بحكومة الظل .

    ان هذا التصور كان ليخلق انعطافة تاريخية في طبيعة النظام  السياسي المعاصر للعراق ، و يجعل عجلة الديمقراطية تسير بالطريق الصحيح بعد انحرافها على مدى 15 سنة ، و نكون بذلك امام حكومة مسؤولة و معارضة قوية ، تصحح تشوهات اثّرت حتى على نسيج المجتمع و فككته.  لكن ، ما ان توجهت بعض الكتل لتشكيل جبهة الكتلة الاكبر ، و حيّدت اطراف اخرى معينة ، حتى دبَّ الخلاف و انحسرت الشعارات و بان وجه الشراكة و المحاصصة و التوافقية القبيح من جديد ، فلن يتم تقبل الذهاب الى المعارضة حتى من الاحزاب التي حصلت على مقعد واحد ، و اصبحت تزاحم الكتل الكبيرة في بورصة الانضمام لايّها من اجل ترجيح الكفة !

    ان هذا التناحر بين الكتل و الاحزاب من اجل الظفر بتشكيل الحكومة و ارغام الاخرين على الذهاب الى المعارضة ، هو ليس من اجل قطف ثمار السلطة فقط ، بل هو ايضا انما يعبر عن طبيعة الصراع الامريكي - الايراني المحتدم و لكن بأدوات عراقية ، فذهاب اي طرف لتشكيل الحكومة دون الطرف الاخر ، انما يعني انتصار احد المحاور الخارجية على الثاني ، و هذا ما لن يحدث و لن ترضى به مطلقا اي من الدولتين ( امريكا و ايران ) ، لذلك فان مسالة امكانية الذهاب للمعارضة انما هي ممكنة فقط من قبل ( سائرون ) و التي تؤمن بقدرتها على التأثير حتى بوجودها في جبهة المعارضة مع انها الكتلة الاكبر ، اضافة الى انها غير مدعومة خارجيا من جميع الاطراف .

    هذا يعني ان جبهتي الصراع الاخرى التي تسعى لتشكيل الحكومة و التي تعبّر كل منها عن توجهات دولة بعينها ، لن يقبل اي منهما بالذهاب للمعارضة،  و ترك الساحة امام الطرف الاخر للوصول الى السلطة و التعبير عن وجهة نظر الدولة الخارجية الداعمة له و الراضخ لها ! فلو استطاع محور النصر بقيادة العبادي تكوين الكتلة الاكبر و تشكيل الحكومة بعيدا عن الفتح ، هذا يعني ان ايران التي تختنق الان جرّاء انسحاب ترامب من الاتفاق النووي ، ستحتضر و يصعب عليها التنفس بعد الان من خلال رئتها الغربية ، فتنحسر على مستوى الداخل اقتصاديا ، و ينقطع وصالها مع دول محور المقاومة ( سوريا ) تحديدا ، و يخف الى حد كبير تأثيرها السياسي على العراق ، و يتم تقزيم و السيطرة على الفصائل المسلحة ، حتى ترويضها و القضاء عليها و سحب السلاح من يدها ، و هذا هو الخسران الاعظم لإيران و بمثابة رصاصة الرحمة على النظام الاسلامي فيها .

    لذلك ستعمد ايران و بشتى الوسائل و الطرق الى وضع المعوقات و المعرقلات و عظيم المشكلات بوجه هذا المحور الذي سيؤذن بخرابها و اندحارها و انحسار مشروع تصدير الثورة ان رأى النور ، فرأينا ردة الفعل الاولى كانت قد انطلقت من خلال الامين العام لمنظمة بدر هادي العامري و التي صرّح فيها بأن الحكومة التي تتشكل بعيدا عن الفتح  ستفشل خلال شهرين ، بل ذهب الى ابعد من ذلك عندما وصفها بالعميلة و هذا تصعيد خطير و يحمل في طياته تهديد و وعيد لمن يعمد الى حكومة ، هو ليس فيها طرفا بأنها ستكون مستهدفة و لن تستطع الصمود لأربع سنوات ، تبع هذا التصريح ، بيان صادر عن مجموعة من الفصائل المسلحة التي ايضا تتوعد و تهدد بإسقاط اي حكومة ستأتي من طرف المحور الامريكي على حسب وصفهم و وجهت الانذار بالتحديد للقائمين على حزب الدعوة و هو انذار شديد اللهجة و تصعيد ينذر بإقتتال داخلي فيما لو اقدم العبادي في خطواته و قراراته التي تقليم اظافر هذه الفصائل ، و التي يسعى من خلالها وفقا لرؤيتهم الى كسب ود امريكا و الظفر برئاسة الوزراء لولاية ثانية .
    اما فيما لو استطاع محور الفتح بقيادة العامري تكوين الكتلة الاكبر ، هذا يعني ان العراق سيصبح بالفعل هو الحديقة الخلفية لإيران و امتداد لإمبراطوريتا الفارسية كما قال احد المسؤولين الايرانيين ، نرى حينها ان ايران لن تتأثر بقرارات ترامب بعد الان و ستخرج من الازمة الاقتصادية بكل سهولة و ستخسر الرهان امريكا بالقضاء على النظام الايراني داخليا بتأجيج الشارع ضده و دعم التظاهرات و الاحتجاجات المناهضة ، اضافة الى ذلك ستجد امريكا نفسها ، غير مرحب بها في العراق و تكون قواعدها مستهدفة مما يضطرها الى الانسحاب بخذلان و انكسار ، و هذا سيجعل الهلال الشيعي في اقوى مراحله و اشدها قدرة ، فيشتد الصراع من جديد في سوريا بقوة و يتعاظم في اليمن و يصل التأثير الى لبنان التي قد تشهد ساحتها صراعا اقليميا كما السابق في القرن الماضي و لكن بنكهة ( ايرانية - سعودية ) ، كل هذه التبعات المتوقع حصولها فيما لو استطاع محور الفتح تشكيل الحكومة ، تجعل امريكا و باستخدام مختلف الادوات  ترغيبا و ترهيبا لمنع وصول الفتح للسلطة حتى لو دعاها هذا الامر الى اطالة عمر الحكومة الحالية الى سنتين و من ثم اجراء انتخابات جديدة في العام 2020 و هذا امر وارد الحدوث .

    في ظل صراع هذين المحورين و عدم وصولهما الى حل وسط ، سيدخل العراق في حالة من الفوضى و انعدام الامن و الاستقرار ، و ليس ببعيد ان يدخل العراق في متاهة المجاعة و انعدام الامن الغذائي ، ذلك ان الصراع اليوم هو في الساحة الشيعية تحديدا ، و نحن نعلم ان الثقل الاعظم من ميزانية الدولة انما تعتمد على واردات النفط و الذي يستخرج بمعظمه من هذه المحافظات  ، فما يحدث في البصرة من تظاهرات سلمية عفوية تطالب بالخدمات و تندد بالفساد ، من قبل شباب واعٍ ، يشغله و يتملكه حب الوطن و المحافظة عليه ، نرى ان هناك فئة استغلت هذا الغضب الشعبي فعمدت الى التحطيم و حرق المباني و تدمير المنشآت و المؤسسات الحكومية ، ان هذا الجمع المنحرف و المدفوع داخليا او خارجيا و الذي استغل ثورة الشباب الغاضب ، يسعى الى ايصال رسالة مفادها ان عدم قبول طرف سياسي معين في تكوين الكتلة الاكبر لتشكيل الحكومة ، يعني ان الفوضى ستعم و قد تمتد الى ابعد من محافظة البصرة ، و قد يصل الحال الى تهديد الشركات النفطية و اغلاق الموانئ ، و الذي سيؤدي واقعا الى ايقاف تصدير النفط و تعطيل الملاحة ، بمعنى ان العراق و الذي يعتمد في اقتصاده الريعي على ما تنتجه ارض البصرة ، سيعاني من انسداد شريانه الاقتصادي و لن تنفعه بعد ذلك القسطرة ! ممن يؤدي الى امكانية حدوث اقتتال داخلي و مرور العراق بمجاعة !! .

    لذا ، و بحكم قدرة طرفي الصراع على احداث تأثير فعلي و فاعل و مؤثر يصل الى حد دمار العراق من خلال الادوات التي يمتلكونها ، فليس هناك من خيار اخر ، سوى العودة الى المحاصصة و التوافقية بحيث تتكون الكتلة الاكبر من محوري ( النصر و الفتح ) و التي من خلالهما يتم تشكيل الحكومة ، و بهذا يبقى التوازن في السيطرة على تبعية العراق و انتقاص سيادته موزعا بين امريكا و ايران ، دون مقدرة اي من الطرفين على النجاح في لعبته الصفرية التي تعدم وجود الاخر  ! ، و في ظل امكانية حدوث هكذا خطوة تكرس الطائفية و المكوناتية من جديد ، هذا يعني ان ( سائرون ) قد تركن الى المعارضة ايمانا منها بأن المشاركة في هكذا حكومة انما هو خيانة للشعب و الوطن ، بذلك يبقى بصيص الامل بتغيير و لو طفيف من خلال مراقبة المعارضة لأداء الحكومة القادمة .

    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit