شيء من اللغة.. شيء من اللغة
    الثلاثاء 11 سبتمبر / أيلول 2018 - 15:23
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    سألني الأستاذ مصطفى إبراهيم من مصر عن: الفرق في القول بين: امرأة منقبة وامرأة منتقبة، قائلا: (لأن الشائع عندنا في مصر نقول منقبة بدون التاء وأعتقد أنه خطأ). والأستاذ مصطفى متخصص في اللغة الإنكليزية، ويبدو أنه ذو إحساس لغوي يستوعب فقدان العلاقة بين النقاب ومعنى الجذر (نقب).
    وأوضح أن الحديث هنا لغوي لا علاقة له باختلاف الناس بشأن النقاب هل هو واجب أم مستحسن أم محرم أم ممنوع.. إلى آخره.
    أما لفظة (النقاب) فلم تظهر في النصوص المكتوبة باللغة العربية إلا بعد ثلاثمائة سنة من ظهور الإسلام، حين قام أحد الأحبار بترجمة بعض التوراة للغة العربية. وحسب اللهجات العبرية فإن عدة كلمات عبرية مثل (אנחנו// נפגשים/ و/ הצעיף) وغيرها ترجموها بالنقاب والحجاب والبرقع، لكن أولى الترجمات كانت النقاب.
    والنص التوراتي عن امرأة غطت شعرها حين رأت النبي داوود. والنقاب حسب وصف التوراة شفاف بحيث تغزل الناظر إلى واضعته بجمال عينيها وحمرة خديها كاحمرار الرمان، ورقة شفتيها... إلخ.. (ولأني لست بحاجة لنقل الوصف كاملا أحيلكم إلى ص 987، من الكتاب المقدس، نشيد الإنشاد، الإصحاح الرابع، طبعة دار الكتاب المقدس، بلا تاريخ).
    أما الجذر (نقب) فدال على ثقب الأشياء. على فرق بين ثقب، ونقب. لنفترض أن لديك ورقة قام طفل بفتح ثقوب بها، فإذا كانت الثقوب واسعة، فتقول: ورقة مُثَقّبَة، وإذا كانت الثقوب صغيرة، فالورقة مُنَقّبَة. وكلتا اللفظتين بضم الميم وفتح الثاء في الأولى، والنون في الثانية، وتشديد القاف. وتقول: رأيت الورقة مثقبّة إذا فوجئت بتثقيبها، وكذلك تقول: رأيتها منقّبة: إذا كانت فيها نقوب أو نُقب، لا ثقوب.
    ونقبت الجدار: ثقبته ثقوبا صغيرة. ومنه التنقيب، أي البحث بدقة بالغة. وقوله، تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ) ونقرّب معناه باللغة الحديثة: أي فتشوا الأرض بدقة مليمترا مليمترا فلن تجدوا مفرا. ومثله ما شاع من قول الناس: التنقيب عن النفط مثلا، فهو لا يجري اعتباطا بل بدقة من موضع لآخر. فإذا وجدوا أثرا ثقبوا الأرض، بالمثقاب المعروف في استخراج النفط.
    وثمة لفظة المَنْقَبة، بفتح الميم وسكون النون وفتح القاف والباء، وهي الصفة الحميدة المميزة، وجمعها مناقب، الدالة على الفضائل. كما تقول مناقب آل فلان فهي من البحث الدقيق في صفاتهم بدقة وأناة، من صفة لأخرى، ومن لحظة لأخرى، والتنقيب هنا معنوي، لا يتم بمنقاب ولا مثقاب. ولا تستعمل اللفظة في الهجاء والتقريع والذم. فلا تقول: ومن مناقب بني فلان البخل والجبن، إلا على سبيل الاستهزاء بنقيض المنطوق، تماما كما قال الحطيئة:
    دع المكارم لا ترحل لبُغيتهاواقعد فإنك أنت الطاعمُ الكاسي
    فظاهره لا ذم فيه، وباطنه أقصى الذم لمن يقعد عن طلب المكارم، وكلّ همّه ملءُ معدته وجمال ثيابه. لذلك عقب عليه المهجوّ الزبرقان بن بدر: (أو ما تبلغ مروءتي إلا أن آكل وألبس)؟
    ومعلوم أن الأزياء تعود للبيئة، فتجنبا لرمال الصحار، أو رغبة في عدم انكشاف الشخصية، استعمل الناس اللثام، وهو للرجل والمرأة، وانفردت المرأة بالخمار، الذي يغطي وجهها أو جانبا منه. وورد في الشاهد اللغوي المشهور:
    هنّ الحرائرُ لا ربّاتُ أخمرةٍسود المحاجرِ لا يقرأن بالسُّوَرِ
    كما تغنى بصاحبة الخمار شاعر آخر فقال:
    قل للمليحة في الخمار الأسودِماذا صنعتِ براهبٍ متعبِّدِ
    قد كان شمّرَ للصلاة ثيابــــهحتى وقفتِ له بباب المسجدِ
    ردّي عليه صلاته وصيامهلا تقتليهِ بحقّ دينِ محمّدِ
    ولا نقول لها مُتَخَمِّرَة ولا مُخَمَّرَة، بل ذات خمار. وعلى هذا فلا أرى النقاب سليم المعنى ولا وصف واضعته بأنها منقبة أو منتقبة، لأنهما من (نقب) على ما بيناه. ومن الأجدر لغويا أن يسمى خمارا، وصاحبته: ذات خمار، فهذه اللفظة من التغطية وستر الأشياء.
    © 2005 - 2018 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit