الكائن والمكوَّن البشري!!
    الأربعاء 9 يناير / كانون الثاني 2019 - 07:40
    د. صادق السامرائي
    الكائن ما هو قائم في الشيئ أيا كانت حالته , كالعناصر الموجودة في المادة , وإن شئت يمكن القول بأن الكائن ما مسطور في الجدول الدوري للعناصر , وهي المكوّن الأساسي لجميع الموجودات في الكون الفسيح , إذ بتفاعلها تتكون حالات وصيرورات لا تحصى ولا تُعد.
    وبمعنى آخر أن العناصر عندما تتوفر لها الظروف الموضوعية الملائمة تنشط وتتفاعل للوصول إلى نتيجة معينة ذات قوام متميز , فهي صيرورة مما هو كائن.
    والمكوَّن ما يتم تصنيعه منها بتوفير ظروف محكومة بنتائج معلومة , وهذا يؤدي إلى ما نسميه بالتصنيع , الذي أيضا لا يُحصى ولا يُعد , وبذات العناصر التي يمكنها أن تتكوّن أو تُصنّع.
    وهذا الواقع التفاعلي القائم في الوجود الكوني ومنه الأرضي,  ينطبق على كافة الحالات القائمة ما بين الموجودات الكائنة في بقعة جغرافية ما , مرهونة بزمنها وظروفها النفسية والفكرية والسلوكية.
    فالبشر عناصر كائنة يمكنها أن تتكوَّن أو تُصنّع وفقا لآليات مدروسة وتقنيات محسوبة النتائج والنوعيات والكميات , فلو فرضنا أن البشر عنصر , ومجموع البشر عناصر فأن تفاعلاتها ستنتج حالات متنوعة وفقا للظروف المتحكمة فيها وبها.
    ولهذا فأن السلوك البشري يمكن تطويعه وتشكيله وفقا للإرادات الفاعلة فيه , والساعية إلى تدجينه وتسخيره لغاياتها المرسومة أو المطلوبة الإنجاز والتحقيق.
    ومن هنا فأن الواقع المعاصر يكون محفوفا بالمخاطر ومعبئا بالويلات والتداعيات , التي يُساق البشر إليها طواعية وبإرادته التي تم تأهيلها لإنجاز الهدف .
    ومن أهم العوامل التي تفعل فعلها الشنيع بالسلوك هي المعتقدات بأنواعها , لأنها توفر الطاقة  الهائلة لتذويب البصائر وإعادة صياغتها أو صبها في قوالب مرغوبة ذات أهداف محسوبة , ولكي يكون ذلك يوضع البشر في تجمعات ذات طقوس تكرارية مفعمة بالتأجيج العاطفي والشحن الإنفعالي الكفيل بتأمين الإذابة وإعادة الصب والصياغة , فتتكون حالات ذات نتائج قد تتعارض وجوهر الكائن لكنها قد كوّنت كائنا جديدا لا يمت بصلة إلى ما كان.
    وبهذا فأن الوجود البشري حالة سائلة سائبة يمكن وضعها في أوعية وقوالب تأخذها إلى حيث تقتضي المصالح والتطلعات الإمتلاكية للإرادات الفردية والجماعية.
    وبمعنى آخر أن البشر بلا خيار ويمكن تسييره إلى حيث يريد مالكه أو مستعبده أيا كان صنفه , ولهذا تجد العمائم ذات سلطات قاهرة , وترى البشر ينقاد إليها كالقطيع , لأنه قد بلغ حالة التدجين والتخنيع والإستعباد الذي سلبه عقله وإرادته , وحوّله إلى موجود مطيع معطل العقل ومنحرف الحواس ومضلل الإدراك والتبصر.
    ومن هنا فأن العقل ممنوع من العمل والنفوس تكون مطلقة والعواطف متسيدة , فتضيع قيمة البشر ويفقد حقوقه الإنسانية لأنه , لم يَعُد كائنا وإنما مكوَّنا أو مصنعا في أفران الضلال والبهتان الأبيد!!

    د-صادق السامرائي
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit