تجربة التنمية التونسية وأزمتها الإقتصادية في السياق السياسي
    الأربعاء 9 يناير / كانون الثاني 2019 - 22:46
    د. أحمد أبريهي علي
    ركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية
     تحاول هذه المقالة معرفة الخصائص الرئيسة لإقتصاد تونس ونموه في السياق الذي قاد الى الأزمة الحالية، والمتمثلة في المديونية الداخلية والدين الأجنبي، نتيجة لتراكم عجز الموازنة العامة وميزان المدفوعات الخارجية. ولا شك في الصعوبات الجمة التي تكتنف محاولات الخروج من الأزمة، وخاصة ما تتضمنه التدابير المطلوبة من المؤسسات المالية الدولية. إذ يتعذر الجمع بين التقشف، متعدد الأوجه، وانتعاش الإقتصاد لرفع النمو، وتحسين المعيشة، واسترضاء الفقراء والعاطلين عن العمل. ولذا، لا بديل عن كسب الثقة في مستقبل واعد وتماسك اجتماعي سياسي يعاضده ضمان الحد الأدنى الضروري لمعيشة الأسر الفقيرة وغير القادرة على الكسب. واكتشاف حزمة سياسات ملائمة لاستعادة النمو الاقتصادي وتسريعه، وتغيير نمط التنمية، لتفادي الأزمات ومواصلة التصنيع والازدهار. 
    ملامح المسار الإقتصادي والسياسي من الاستقلال الى الثورة:
     استقلت تونس عن فرنسا عام 1956 واصبحت في العام التالي جمهورية رئيسها الحبيب بورقيبة، واهتمت بالفراغ الإداري بعد خروج الفرنسيين فجعلت من اولوياتها بناء إدارة وطنية فعالة. واعتمدت في المرحلة الأولى، نموذج التنمية بقيادة القطاع العام، فاستطاعت تحقيق معدلات نمو مرتفعة مع تصنيع وتنويع، الى جانب تطوير الطرق والموانئ وخدمات الكهرباء ومياه الشرب، والارتقاء بالتعليم ونشره... والتمكن من مقومات الحضارة عموما. ومما ساعد على ذلك الإدارة الحكومية الكفوءة، آنفا، بل كانت متميزة في دول المنطقة وعالم الدول النامية.
     ثم برزت صعوبات إقتصادية واحتجاجات لتحسين المعيشة وفرص العمل والعدالة في الأعوام 1969 و 1977 و 1980 أربكت الأداء الإقتصادي لبعض الوقت. وفي المرة الأخيرة استمرت اجواء التوتر السياسي لحين اتخاذ إجراءات لتهدئة الغاضبين واسترضائهم وإجازة لبعض الحركات السياسية التي توصف بالليبرالية عام 1981. وايضا، جربت الحكومة آنذاك ما يسمى التعديلات الهيكلية والإصلاح الإقتصادي. 
     وفي عام 1984 وعلى اثر زيادات الأسعار اندلعت "انتفاضة الخبز" خاصة في الجنوب وطالب الشباب بفرص عمل، وتوسعت على نطاق البلاد والعاصمة، وتكاثرت حوادث العنف، ثم تدخل الجيش بعد مواجهات مع الشرطة، وقتلى وجرحى. وتزامنت تلك الاضطرابات مع موسم جفاف، وعموما كانت المناطق الفقيرة ساخطة، واتهمت الحكومة، من جانبها، جهات خارجية بالتدخل لإشاعة عدم الاستقرار. 
     وبعد الانتفاضة خففت الحكومة من وطأة سياساتها التقشفية، مع بعض الانفتاح السياسي، بيد ان معدل التضخم بقي مرتفعا والدَين الخارجي بحوالي 46 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، ونفقات خدمة الدَين عالية. وقد زعزعت تلك المشكلات الإقتصادية نظام الحكم، وفي السابع من نوفمبر، تشرين الثاني، 1987 نُحّيَ بورقيبة عن السلطة، وأصبح بن علي رئيسا للجمهورية بتدبير من داخل المجموعة الحاكمة. 
    لقد وعد العهد الجديد بديمقراطية اوسع وأعطيت فسحة من الحرية للراي الآخر في الصحافة، واستبدل الحزب الاشتراكي الدستوري بالتجمع الديمقراطي الدستوري، وتعديلات تفيد التوجه نحو ليبرالية في نظام الإقتصاد. ثم تبنت الحكومة في التسعينات برنامجا لتسريع الخصخصة؛ وتشجيع الاستثمار الأجنبي؛ واتفاقية مع الاتحاد الأوربي؛ والمصادقة على اتفاقية الغات وعضوية منظمة التجارة العالمية. 
     جاء التحول عن نموذج القيادة الحكومية للتنمية، نحو مزيد من الليبرالية والانفتاح، على اساس ان النموذج السابق قدم انجازات كبيرة في المرحلة الابتدائية، لكنه يتسم بضعف التنافسية، ويسمح بالميول الريعية والتطفل، والمحسوبية والفساد ويعيق تطوير الكفاءة... وهذه المبررات شائعة في الدراسات المؤيدة للتحول منذ نهاية السبعينات. ولا يستبعد ان زخم الخصخصة والانفتاح، الذي عبر عنه "توافق واشنطن" فيما بعد، قد وجد سبيله الى تونس مثل الكثير من الدول. بينما يرى آخرون ان التحول عن النموذج الأول كان سببا لارتفاع البطالة واتساع تباين المناطق والقطاعات في التطور والانتفاع من التنمية. ويرى أنصار التحول إنه ساعد على ازدهار الأنشطة المتجهة للتصدير. لكن البيانات أظهرت صعودا سريعا للصادرات نهاية السبعينات، اي ان سياسة دعم الصادرات باشرتها تونس قبل التحول. 
     بيد ان الاختيار بين الدولة والقطاع الخاص، والسوق والتخطيط، لا يختزل تعقيدات مسار التنمية. فإلى جانب الانفتاح والاندماج حاولت الحكومة، قبل الثورة، فعلا النهوض بالقطاع الصناعي، والاستثمار في النقل والمواصلات وبقية انشطة البناء التحتي، وتوسيع قطاع الخدمات وإنعاش السياحة. وربما أثر سلبا، فيما بعد، هذا الانتشار الواسع وعدم التركيز على الإنتاج السلعي لمدة كافية من الزمن، فاصطدم الإقتصاد بقيد الموارد وعدم التناسب بين القاعدة الأساسية للإنتاج وبقية الأنشطة ثم الانزلاق الى الأزمة. 
     واستطاع النظام السياسي، في عهد بن علي، الانتفاع من دعم مؤسسات واوساط متنفذة في الغرب عبر توظيف الأشكال الليبرالية، وعلى انه نموذج للديمقراطية نادر في العالم العربي... وحقق نجاحات في التنمية البشرية المستدامة، وساعد على ترسيخ قيم المجتمع المدني المعاصر والعلمانية، إلى ان استفاق العالم نهاية عام 2010 ليجد تونس ثائرة، وعلى خلفية بطالة وفقر ومشكلات في توزيع ثمار التنمية. وشهدت السنوات الخمس التي سبقت ثورة عام 2011 احتجاجات محلية لتحسين مستوى المعيشة. والهمت ثورة تونس حركات الاحتجاج والزخم الشعبي لتغيير التشكيلات الحاكمة فيما سمي ثورات الربيع العربي. 
     افصحت جمهورية تونس عن استعداد واضح للتنمية الإقتصادية وتجارب جادة في تبني خطط وسياسات للتطوير، كما ارى. لكنها لازالت في الشريحة الدنيا من فئة البلدان متوسطة الدخل، مع تفاوت في التوزيع بين الأسر والمناطق، وفقر وبطالة، وتطلعات محبطة نحو مستويات رفاه اعلى. ولقد اخفى زخم النمو في التسعينات وما بعدها التفاوت في مستويات الرفاه والتطور بين المناطق، واستأثر الساحل الشمالي بالجزء الأكبر من الاستثمار الحكومي. وايضا، يشعر اهل الجنوب، والداخل، أن مناطقهم غنية بثرواتها لكنهم لا ينتفعون منها مثل غيرهم، وحتى في المناطق عالية النمو والمتطورة هناك بطالة وفئات لا تكسب سوى القليل من الدخل. ومن ملاحظة مجريات الحراك السياسي يستنتج ان دور تلك السلبيات لا يستهان به في صناعة الحدث السياسي. 
     لم يكن الرئيس بورقيبة علمانيا وحسب بل اراد ادماج المجتمع التونسي في الثقافة الأوربية وطابعها الفرنسي بوجه خاص، وقد تفسر قوة الإسلام السياسي واحتدام نزاعه مع النظام، من بين عوامل اخرى، لهذا السبب التأسيسي. بينما تصالح بن علي مع التدين وقيم المجتمع الإسلامي لكنه لم ينجح في الاستجابة لمطلب تداول السلطة والتعددية السياسية. كان نشاط المعارضة يدور حول تحسين المعيشة وعدالة التوزيع والانتقال الى ديمقراطية كاملة وحريات واسعة. وتوجد الكثير من الدلائل على اهمية الديمقراطية في المجتمع التونسي، ويتقبل الإسلام السياسي، الى الآن، قواعد التنافس السلمي على السلطة، وعبر صناديق الاقتراع، وينسجم مع دولة مدنية تعرف حدودها. ومع ذلك برزت بعد ثورة 2011 سمات انقسام مجتمعي بين الإسلام السياسي والقوى الأخرى ذات الأيديولوجيات الوضعية. وتوجد جيوب في ثنايا المجتمع التونسي انتجت تطرفا وارهابا بحاجة الى فهم عميق من اجل الحاضر والمستقبل. 
    النمو وتغيرات بنية الإنتاج والتصنيع:
     يقدر الناتج المحلي بالأسعار الجارية للسنوات 2015 – 2018 بمليارات الدنانير التونسية:
    84.7؛ 89.6؛ 96.7؛ 106.2 على التوالي، ومتوسط الناتج المحلي للفرد 3737 دولار عام 2016. ولأن سعر صرف العملة الأجنبية قد ارتفع الى 2.95 دينار تونسي للدولار في، ديسمبر، كانون الأول عام 2018 فعندما يحول متوسط الناتج الى الدولار يبدو وكأنه قد تراجع بينما هو لم ينخفض عند حسابه بالأسعار الثابتة. 
     كان نمو الناتج المحلي الإجمالي 4.59 بالمائة سنويا للمدة 1966 – 2016، ومعدل النمو هذا يقارب متوسط الأداء التنموي للدول النامية في الفئة التي ينتمي اليها الإقتصاد التونسي أو اعلى قليلا، لكنه دون معدله في الشريحة العليا من البلدان متوسطة الدخل والتي يتحرك الإقتصاد التونسي للالتحاق بها. ولم ينتقل إقتصاد تونس الى نمط التصنيع والنمو المعروف في شرق وجنوب شرق آسيا. وانخفض النمو خلال السنوات 2006 - 2016 الى 2.99 بالمائة، بينما كان في العشر سنوات الأولى 6.75 بالمائة سنويا. ولا ينسجم الميل لتناقص النمو الإقتصادي مع مرحلة تونس في التطور.
     تفيد المؤشرات العينية للإنتاج ان الإقتصاد صار الى ركود منذ نهاية عام 2010، إذ يقدر الإنتاج الصناعي في ابريل، نيسان،عام 2018 بدلالة الرقم القياسي للإنتاج الصناعي 98.6 بالمائة من مستوى عام 2010، ولذلك صلة وثيقة بعدم الاستقرار السياسي منذ بداية الثورة.
     تراجعت الأهمية النسبية للزراعة في توليد الناتج من 21.5 بالمائة عام 1972 الى ما لا يزيد عن 10.2 بالمائة منذ عام 2000. وتشكل الزراعة رافدا مهما للدخل في المناطق الداخلية، ولذا اسهم تراجعها النسبي في تعميق التفاوت لأن الأنشطة الإقتصادية الأكثر ديناميكية وحداثة تركزت في الساحل والشرق.
     كانت الصناعة حرفية بسيطة، قبل الاستقلال، وتعتمد معالجة المواد الأولية الزراعية، فأخذت الحكومة على عاتقها تأسيس صناعة تقوم على الحجم الكبير والشركات في اطار قيادة القطاع العام للنهضة الإقتصادية. وباشرتها بالتأميم والاهتمام بإرساء اسس الصناعة الثقيلة. واعتمدت، مثل غالبية الدول النامية وقتها، استراتيجية تعويض المستوردات. وفي نهاية الستينات حاولت تونس المزاوجة بين تعويض المستوردات ودعم الصادرات ودور اكبر للقطاع الخاص مع ابقاء الصناعات الثقيلة والكهرباء وما اليها بيد القطاع العام. وبالفعل توسع القطاع الخاص في صناعات بسيطة في التكنولوجيا واطئة الكثافة الرأسمالية. في النصف الأول من الثمانينات تراجع النمو وظهرت مشكلات إقتصادية مع مديونية خارجية تطلبت مفاوضات لإعادة جدولتها. وايضا، تبنت الحكومة برنامجا لأجراء تعديلات منها: تخفيف القيود الكمية على المستوردات، وخفض التعرفة الكمركية، وتخفيض قيمة الدينار التونسي؛ وإنقاص الضريبة على الدخل، وفرض ضريبة القيمة المضافة؛ وتشجيع القطاع الخاص في الأنشطة ذات التوجه التصديري. 
    وفيما بعد في المرحلة الثانية اهتمت سياسة التصنيع بالتصدير ونجحت الى حد كبير. وبلغت الصناعة التحويلية ذروتها عام 1995 في الثقل النسبي، تقريبا 19 بالمائة من الناتج المحلي. وفي حين كانت سلع المنسوجات والجلود والمنتجات الغذائية تهيمن على صادرات الصناعة التحويلية، حتى مطلع التسعينات، استطاعت تونس بعد ذلك من تطوير قدرات تصدير في الصناعات الميكانيكية والكهربائية والكيمياويات والألكترونيات. وبذلك اسهمت الصناعة التحويلية كثيرا في التنويع وهو من الأهداف الرئيسة في استراتيجية التنمية اضافة على حجم الصادرات. لكن الإقتصاد التونسي شهد تذبذبا وانتكاسات طال الصادرات الصناعية وسواها. 
    يمكن وصف الإقتصاد التونسي بالتنوع بدليل مكونات سلة الصادرات، ويدل نجاح تونس في التصنيع وجود بيئة اعمال ملائمة للاستثمار، وتوافر عناصر الدولة التنموية، فهل ستنجح الأحزاب السياسة في البناء على هذه الإيجابيات. 
     في السنوات 1966 – 1989 في ثلاث منها فقط ازدادت مساهمة الزراعة والصناعة التحويلية في توليد الناتج عن 30 بالمائة، وللسنوات 1990 – 1996 ايضا بلغت اكثر من 30 بالمائة من الناتج وبعدها دون 30 بالمائة، وفي عام 2010 إنخفضت مساهمة الزراعة والصناعة التحويلية مجتمعتين الى 24.1 بالمائة وهي الأوطا، وافصح هذا الانخفاض عن ضيق قاعدة الإنتاج السلعي قياسا بمرحلة تطور الإقتصاد. ومن الدلالات الأخرى ايضا ارتفاع نسبة البطالة، لأن الأنشطة الخدمية تعجز عن مواصلة النمو المرتفع، وتوليد المزيد من فرص العمل، عندما يتعثر الإنتاج السلعي فهو الحامل للأنشطة الخدمية. 
    في العقد الأول من القرن الحالي تسارع نمو الخدمات متجاوزا نمو الناتج المحلي الإجمالي، وتزايدت اهمية الأنشطة عالية التكنولوجيا، وشارك راس المال الأجنبي، على اشكال مختلفة، بمئات المنشئات التونسية. ويلاحظ في عام 2007 ان 31 بالمائة من الاستثمار الأجنبي المباشر في الصناعات الميكانيكية والكهربائية والألكترونية و 19 بالمائة في النسيج والملابس ومثلها في الكيمياويات والمطاط.
     وفي هذه البيئة عالية الانفتاح التجاري والمالي والاندماج مع الخارج، ودور اوسع للأنشطة الخدمية والسياحية، إزداد الإحساس بالتفاوت ووطأة البطالة والفقر والانشغال بالعدالة التوزيعية. وتتهم قيادات في الدولة وجهازها البيروقراطي بالزبائنية والانتفاع غير المشروع من مواقع النفوذ وتحيز التنمية لفئات ومناطق بعينها وان هذا التحيز صار مؤسسيا وبنويا.
     من تحليل بيانات تونس يتضح ان متوسط نسبة تكوين راس المال الثابت الى الناتج المحلي الإجمالي 24.5 بالمائة في المدة 1966 – 2016. وللسنوات 1966 – 1976 بلغت تلك النسبة 22.45 وللعشر سنوات الأخيرة من مدة الدراسة كانت 22.21 بالمائة. ويعبر مؤشر تكوين راس المال الثابت عن الجهد الاستثماري لتنمية مجموع الأصول الثابتة في الإقتصاد الوطني. بينما يظهر من جهة أخرى ان اجمالي الادخار الوطني من الناتج المحلي الإجمالي 12 بالمائة عام 2017، اي ان الادخار قاصر عن تمويل الاستثمار بمقدار 10 بالمائة من الناتج المحلي. وهذه الفجوة هي مقدار العجز في ميزان المدفوعات الجارية، ما يدل على ان اصل العجز الخارجي هو ضعف القدرة على الادخار نتيجة لضغط الطلب الاستهلاكي، وذلك كله بالمقاييس النسبية. 
     لقد افاد التحليل ضعف الارتباط بين الجهد الاستثماري والنمو ولا يعني هذا، بالطبع، انتفاء العلاقة السببية بل عدم التلازم الزمني، إذ لا يمكن تطوير الطاقات الإنتاجية دون الاستثمار. وربما يفسر هذا النمط بقوة العوامل المحددة للطلب الكلي في التشغيل والإنتاج: ومنها الأنفاق الحكومي، وتحويلات العاملين في الخارج والاستثمار الأجنبي، اضافة على الصادرات واسعارها. لكن العلاقة بين الزراعة والصناعة التحويلية والنمو الإقتصادي كانت واضحة ودلالتها الإحصائية مستقرة. 
     كلمة حول التشغيل وتوزيع الدخل: 
     إزداد سكان تونس من 4.6 مليون نسمة عام 1966 الى 11.4 مليون نسمة عام 2016، والمعدل السنوي لنموه 1.87 بالمائة للمدة 1966 – 2016. وقد تناقص على نحو واضح من 2.23 بالمائة للعشر سنوات الأولى الى 1.13 بالمائة للعشر سنوات الأخيرة. وبالمجمل هذه خاصية ايجابية وتجاري النمط العالمي.
    واستمرت معدلات البطالة مرتفعة في تونس، اكثر من 13 بالمائة، منذ مطلع التسعينات، مع تناقص معدل نمو السكان، ما يفيد ان التحولات التكنولوجية والتنظيمية كانت تستدعي نموا إقتصاديا اسرع لتوليد فرص عمل كافية. وتقدر بطالة الشباب دون الثلاثين بضعف المعدل العام للبطالة وعام 2008 اصبحت ضعف ما كانت عليه عام 1984 وهي سنة مضطربة ايضا.
    وبقيت الأنشطة واطئة الإنتاجية، وفي القطاع غير المنظم خاصة، تستوعب نسبة مهمة من القوى العاملة وهذه اجورها واطئة والدخل المكتسب منها عموما لا يكفي لمتطلبات المعيشة بالمستوى المقبول. وذلك الى جانب قطاع اكثر حداثة ومرتفع الإنتاجية والأجور، وهي من سمات الثنائية Duality المعروفة في العالم النامي وتختلف الدول في سرعة الخروج منها.
     ومثل اغلب الدول النامية، ومنها العراق، يعجز الطلب على القوى العاملة، في حجمه، وبنيته المهنية والمستوى التعليمي، عن استيعاب مخرجات التعليم العالي وهي ظاهرة بطالة الخريجين. وعندما تضاف البطالة الى حجم العاملين في الأنشطة واطئة الإنتاجية تتضاءل صورة الإنجازات التنموية لدى اوساط اجتماعية عريضة في تونس.
    عند تبويب الإقتصاد في ثلاث قطاعات تكون حصة الزراعة من القوى العاملة 13.7 بالمائة؛ و42.6 بالمائة يعملون في الصناعة بالمعنى الواسع: التعدين والمقالع والصناعة التحويلية والبناء والتشييد والكهرباء والماء؛ وفي باقي الإقتصاد، انشطة الخدمات، 43.7 بالمائة، لكن حصة القطاع الثالث 63.6 بالمائة من الناتج المحلي. فالقطاعات السلعية تستوعب 56.3 بالمائة من مجموع القوى العاملة لكن حصتها من الدخل 36.4 بالمائة.
    حسب التقارير الرسمية 15.2 بالمائة من السكان دون خط الفقر الوطني عام 2015، وكانت هذه النسبة 23.1 عام 2005، ويستلم 8 بالمائة من السكان اعانات نقدية، ويخشى من زيادة الفقراء في بيئة التعثر الإقتصادي، ومع ارتفاع الأسعار وعدم كفاية الإعانات تواجه الحكومة ضغوطا سياسية كبيرة. 
    بدولارات عام 2011 (متعادلة القوة الشرائية دوليا PPP) نسبة الذين يعيشون دون 5.5 دولار للفرد من مجموع السكان 65.1 بالمائة عام 1985، وفي عام 2000 نسبتهم 48.6 بالمائة وفي عام 2010 انخفضت هذه النسبة الى 30.3 بالمائة. علما ان 5.5 دولار للفرد تناسب الدول متوسطة الدخل في الشريحة العليا وتونس في الشريحة الدنيا. 
    اما بمقياس 1.9 دولار للفرد وهو الذي يناسب الدول الفقيرة، واطئة الدخل، فقد كانت نسبة السكان دون هذا المستوى 13.9 بالمائة عام 1985 وفي عام 2000 اصبحت 5.3 بالمائة وانخفضت عام 2010 الى 2 بالمائة. 
     لا يفسر النمو الإقتصادي، مرتفعا او منخفضا، توزيع الدخل في تونس فليس ثمة تلازم بينهما، ومن الصعب الاتفاق على اثر ايجابي للتفاوت في توزيع الدخل على النمو الإقتصادي، حتى ولو بين التحليل الإحصائي مثل هذه العلاقة. لأن التحليل الإحصائي ايضا لا يؤكد سببية تتجه من التفاوات الى الادخار والاستثمار. ان عدم التماثل بين المناطق وفئات المجتمع في سرعة التطور والانتفاع من ثمار التنمية يعود الى نمط التنمية ذاته بأبعاده القطاعية والتنظيمية والتكنولوجية اضافة على برامج الأستثمار الحكومي والاشتغال في الحكومة والقطاع العام وسياسات الضرائب والإعانات. 
     العجز المزدوج والمديونية: 
     يستحوذ الأنفاق الحكومي على 30.3 بالمائة من الناتج المحلي عام 2017 بينما الإيرادات والمنح 24.2 بالمائة، وبذلك يكون العجز اكثر من 6 بالمائة نسبة الى الناتج المحلي وهو كبير. بيد ان المالية العامة في تونس توافرت على مقومات الرصانة إذ تسهم الإيرادات الضريبية بحوالي 93 بالمائة من مجموع الإيرادات عام 2017، والإيرادات تشكل 81.4 بالمائة من مجموع النفقات. هذا مقارنة مع العديد من الدول ومنها النفطية على وجه الخصوص التي لا تشكل الإيرادات الضريبية سوى نسبة ضئيلة من مجموع موارد تمويل الأنفاق العام فيها. ولذا، ورغم المديونية الداخلية التي تقترب من 70 بالمائة من الناتج والتي تزيد على 230 بالمائة من الأنفاق السنوي في الموازنة العامة، مع ذلك يمكن تدوير الدين العام وخفضه تدريجيا لبقائه في نطاق الاستدامة. 
     لكن الأكثر اهمية في هذه الأزمة هو الدين الخارجي بحوالي 86 بالمائة من الناتج المحلي عام 2018 وينخفض قليلا في السنوات القادمة. ان الدين الخارجي نتيجة لتراكم العجز الكبير في ميزان المدفوعات الخارجية الجارية وصل ذروته عام 2017 بنسبة 10.5 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. كما ان الاحتياطيات الدولية الرسمية في حدود 6 مليار دولار عام 2017 تعادل ربع الاستيرادات السنوية تقريبا، ولذا لا تكفي لامتصاص عجز الحساب الجاري فتلجأ الحكومة الى الاقتراض من الخارج وترتفع مخاطر عدم القدرة على التعامل مع الدين الخارجي.
     وكشف تحليل إحصائي في دراسة اجراها اساتذة من تونس، زاغدودي خميس Zaghdoudi , Khemais وزملائه، منشورة بالإنكليزية عام 2016، عن علاقة سلبية بين الدين الخارجي والنمو الإقتصادي. وهو استنتاج يتفق مع التصور النظري، إذ يدفع الاقتراض من الخارج الى تأجيل تكيف الإقتصاد مع المستويات المتاحة من موارد العملة الأجنبية واساءة التصرف بالموارد بوهم الوفرة. وعند اقتراب المديونية الخارجية من مستوى الخطر تتّخذ إجراءات قسرية لمعالجتها تعرقل تشغيل الطاقات الإنتاجية وتَضيع معها فرص في التنمية.
     وصل إقتصاد تونس الى مأزق المديونية الخارجية نتيجة العجز التجاري المزمن والذي رافق تجربة التنمية التونسية. وتعَد تونس من الأمثلة البارزة على تسارع الانفتاح التجاري حتى ارتفعت الأستيرادات من السلع والخدمات الى ما يعادل 59.2 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2008، وهي ذروة الانفتاح، ثم تراجعت الى 51.6 بالمائة و 51 بالمائة عامي 2015 و2016 ربما تحت ضغط قيد العملة الأجنبية. بينما كانت 12.7 بالمائة من الناتج عام 1969 وتحركت نحو 42 بالمائة من الناتج عام 1979.
    كان النمو السنوي للاستيرادات والصادرات، وكلاهما من السلع والخدمات، 9.7 بالمائة و 9.07 بالمائة على التوالي، ونتيجة لذلك تتسع الفجوة بالأرقام المطلقة. ان السياحة مشمولة في صادرات الخدمات وتقدر ايراداتها 2.8 مليار دولار في السنة، وفق احدث البيانات، وتعادل تقريبا خمس العجز التجاري. ولا تكفي لتعويض عدم قدرة الصادرات السلعية على ملاحقة نمو الاستيرادات. ومنذ عام 1975 وحتى آخر سنة توفرت عنها بيانات كان الإقتصاد يعمل مع عجز الميزان التجاري عدا عام 1988. وبلغ المتوسط السنوي للعجز شاملا للمدة بأكملها بما فيها سنوات الفائض 8.35 بالمائة من الصادرات. 
    وفي عام 2017 تمثل الصادرات 68.8 بالمائة من الاستيرادات والعجز التجاري 15.6 مليار دينار تونسي. وبلغ متراكم العجز بالدولار الأمريكي وبالأسعار الجارية ما يعادل 308 بالمائة من صادرات السلع والخدمات عام 2017. 
     تتسم اسعار الصادرات والاستيرادات بالتذبذب دون زيادة في الاتجاه العام قبل عام 2000، ثم ارتفعت الى 207 بالمائة و 184 بالمائة على التوالي عام 2011، قياسا بمستوياتهما لعام 2000، وتراجعت الى 163 بالمائة و 142 بالمائة عام 2016. ولذا كانت حركة اسعار التجارة الخارجية ونسب التبادل التجاري ايجابية داعمة لتحسين الميزان التجاري. وعادة ما تتعرض الدول النامية وخاصة مصدري المواد الأولية من الزراعة والتعدين الى صدمات خارجية من تقلبات اسواق واسعار صادراتها لكن تونس ليست من هذه الفئة. 
    يشار في التقارير التي تناولت العجز الخارجي في تونس الى ان عدم الاستقرار منذ بداية الثورة من بين الأسباب، وكذلك الأزمة الليبية. صحيح هذه العوامل وغيرها ادت الى تفاقم العجز لكن مراجعة مسار التجارة الخارجية، آنفا، بين ان عجز الميزان التجاري مزمنا في تونس منذ عام 1975. 
     لقد اسهمت تحويلات العاملين في امتصاص جزء من ذلك العجز والباقي يظهر في عجز الحساب الجاري الخارجي، الذي بلغ بالمتوسط السنوي 8.48 بالمائة من الناتج المحلي للمدة 2011 – 2016 وكان من قبل لا يتعدى 5 بالمائة من الناتج. ويسهم صافي الاستثمار الأجنبي في تعويض جزء منه. ويقدر الاستثمار الأجنبي، المباشر وفي الأصول المالية التونسية، 2 بالمائة من الناتج المحلي عام 2017، ويأمل الصندوق ارتفاع هذه النسبة الى 3.4 بالمائة عام 2023. بينما اشارت تقارير صحفية عام 2016 الى احتمال انسحاب بعض الشركات الأجنبية المستثمرة نتيجة الاضطراب. 
    برنامج التعاون مع صندوق النقد الدولي لمعالجة الأزمة:
     نشرت مجموعة البنك الدولي دراسة لتقييم الأداء الإقتصادي التونسي قبل عام 2011 في مايو، أيار 2014، بعنوان الثورة التي لم تكتمل بعد " The Unfinished Revolution " فسرت المشكلة بانحراف النظام الإقتصادي في تونس عن النموذج المثالي لنظام الإقتصاد الحر وآليات عمل الأسواق بمنافسة تامة، وذلك بسبب تدخلات الدولة وقيودها وضوابطها الرقابية التي شوهت الأسعار وأدت الى اساءة تخصيص الموارد، والاستثمار، بما في ذلك التحيز نحو الأنشطة واطئة الإنتاجية وزبائنية وخروقات فساد... وهذه وصفة جاهزة لتفسير التعثر الإقتصادي في العالم النامي. واضافة على الصندوق، سيأتي، للبنك الدولي برنامج في تونس ومشاريع بكلفة 2.21 مليار دولار، ويرتبط هذا البرنامج مع تعديلات في نظام الإدارة الإقتصادية واعادة تقسيم للعمل بين القطاع العام والفضاء الخاص... وهكذا.
    عقد صندوق النقد الدولي في العشرين من مايو، أيار، 2016 اتفاقية مع تونس امدها اربع سنوات لتنفيذ حزمة إجرآءات في المالية العامة وسياسات الإقتصاد الكلي. وذلك ضمن برنامج من متطلباته تقييد الأنفاق الذي يتضمن: تقليص اعانات الطاقة، وتجميد الأجور في القطاع العام، والتشجيع على انسحاب طوعي لبعض منتسبي الجهاز الحكومي...، وتدابير إضافية منها اعادة هيكلة المصارف الحكومية والتي لها الدور الأكبر في حجم الائتمان. ويأتي هذا البرنامج، كما يفهم الصندوق، للسيطرة على التضخم وتقليص عجز الموازنة العامة وميزان المدفوعات الخارجية. ويقدم الصندوق خلالها قرضا، بمبلغ 2.9 مليار دولار، على دفعات بعد مراجعات وتقييم للتأكد من التزام الحكومة بالإجراءات والسياسات المتفق عليها. 
     ومن الأهداف الأساسية للبرنامج استقرار الدين العام عند حجم قابل للاستدامة، وخاصة الدين الخارجي، وفي نفس الوقت رفع الاحتياطيات الدولية للبنك المركزي. وتبلغ نسبة الدين العام الى الناتج اكثر من 70 بالمائة وتنخفض قليلا، بحسب البرنامج، حتى عام 2023 بالتدابير الصعبة، آنفا، منها: خفض التحويلات للرواتب التقاعدية، والاقتصار على زيادات طفيفة في مجمل الأجور لمنتسبي الدولة، وزيادة اسعار الطاقة لامتصاص الزيادة المحتملة في اسعار النفط، والتشدد في الرقابة على شركات القطاع العام للتأكد من نفقاتها وايراداتها لتكون ضمن المسار المطلوب، والعمل على زيادة ايرادات الموازنة الحكومية. كما يشجع البرنامج المتفق عليه مغادرة آلاف المنتسبين من الجهاز الحكومي، ويأمل الصندوق بان التضخم الذي يقلص القوة الشرائية للأجور يدفع المزيد من منتسبي الدولة لمغادرتها. وقد لا يكون هذا التوقع صحيحا لأن الأمر يتوقف على مدى توفر فرص بديلة لكسب الدخل وهي ضئيلة نظرا لمعدلات البطالة المرتفعة. 
     وفي السياسة النقدية يطلب الصندوق بالحفاظ على مرونة سعر الصرف ويقصد السماح لارتفاع سعر صرف العملة الاجنبية. ولذا، ان يعمل مزاد العملة الأجنبية في البنك المركزي على اساس تنافسي مع الغاء القيود على التحويل الخارجي. كما يلوم الصندوق البنك المركزي التونسي على ابقاء اسعار الفائدة منخفضة، دون معدل التضخم، لأن معدل الفائدة الحقيقي اصبح سالبا، ويتوقع انخفاض الودائع لهذا السبب مقابل زيادة الاحتفاظ بالعملة. لكن الاحتفاظ بالعملة لا يمثل بديلا افضل للجمهور قدر تعلق الأمر بسعر الفائدة. وينطلق الصندوق، عادة، من إفتراض العلاقة العكسية بين رفع سعر الفائدة والتضخم، ولذلك يعول على السياسة النقدية في السيطرة على التضخم. 
     ان متوسط سعر الفائدة في سوق النقد 7.25 بالمائة وسعر الفائدة على الودائع الادخارية 5 بالمائة من بيانات البنك المركزي التونسي عام 2018. ويصر الصندوق على رفع سعر الفائدة الإسمي فوق معدل التضخم بقارق واضح ليكون سعر الفائدة الحقيقي للأمد القصير موجبا، عبر رفع سعر فائدة البنك المركزي وسعر الفائدة في سوق النقد كي يتجاوزا معدل التضخم بفارق واضح. لقد بلغ النمو السنوي لمجموع الائتمان في الإقتصاد التونسي 12.7 بالمائة عام 2017، ويظهر من الجداول في تقرير الصندوق، آنفا، من بين الأهداف خفض نمو الائتمان الى اقل من نصف هذا المعدل عام 2023، ويضيف هذا التوجه عاملا آخر لتقييد نمو الطلب الكلي.
     ملاحظة حول سياسات وإجراءات معالجة الأزمة:
     بفهم من منشورات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ان برامج تعاونهم مع تونس لخفض العجز، والسيطرة على مسار المديونية، تأتي ضمن سياق توجه نحو مزيد من الليبرالية في سوق الصرف والمصارف واسعار الفائدة وغيرها، وتقليص الدور الإقتصادي للقطاع العام والاقتراب اكثر ما يمكن من النموذج النظري لنظام الإقتصاد الحر بالتوصيف النيوكلاسيكي.
    ان العبء الاجتماعي والسياسي لمجموع هذه التدابير لا يستهان به رغم وصفها بالتدرج والتأنّي، لكن استمرار العجز وتراكمه في مديونية متنامية سريعا، كما سيتضح، ضَيّقَ مساحة الاختيار امام الإدارة الإقتصادية. 
     ويوصف هذا الطراز من برامج التعديل بالتشدد كونه يرفع اسعار سلع اساسية؛ ويخضع الأنفاق الحكومي الى ضوابط صارمة؛ ويحاول زيادة الإيرادات الحكومية؛ وفي نفس الوقت يرفع اسعار الفائدة؛ ويسمح بتدهور قيمة العملة الوطنية، من اجل دعم الصادرات وتحسين ميزان المدفوعات عبر خفض المستوردات. 
     وتأتي هذه الإجراءات مع تصاعد المطالبات بتحسين الأجور وترقية مستوى المعيشة والعناية بالفقراء... ولهذا من المتوقع بروز توتر بين آونة وأخرى. ولقد ظهرت قوة المعارضة السياسية للإجراءات التقشفية وخاصة في موضوع اسعار الطاقة، ومطالب منتسبي الخدمة العامة، والتقاعد، الى جانب الشكوى من البطالة وبالذات بطالة الشباب الخريجين وهي موجودة اصلا قبل الاتفاق مع الصندوق. 
     ولذا تصبح حماية ذوي الدخل المنخفض او الذين لا يستطيعون اكتساب موارد عيشهم في غاية الأهمية. مع ضرورة تقصي امكانات تخفيف حدة الأزمة، ومحاولة اكتشاف سبل لتحريك قطاعات الإنتاج السلعي بسياسات تونسية دون حبس الإقتصاد بوصفة الصندوق. وقد يتسبب التشدد في ارباك الشركات العامة، وهي عادة مستقلة ماليا لكن بعضها تحتاج اعانات لعدم كفاية ايراداتها الذاتية لتغطية النفقات. ومنها في الكهرباء والغاز، وخدمات اخرى ضرورية. 
     لا يخفى على المتابعين ان تجربة تونس في السنوات الأخيرة، ومشكلات إقتصادها، نمطية تتكرر في العديد من الدول النامية والمتمثلة خاصة في: محدودية القاعدة الإنتاجية وضعف القدرة على توليد ما يكفي من فرص العمل المنتِجة؛ وعدم مواكبة موارد الصادرات للطلب المتزايد على المستوردات؛ وصعوبة زيادة الإيرادات الضريبية لمواجهة نمو الأنفاق الحكومي؛ كما ان قطاع المصارف واسواق المال ليست بالعمق الذي يسمح باستيعاب الدين الحكومي المتزايد لتمويل العجز. ولذا فإن القراءة المتأنية لبنية الإقتصاد التونسي وادائه تكشف عن نمط من ازمات الإقتصاد النامي في بداية المرحلة المتوسطة من مستوى الدخل والتطور. 
     ان سياسات خفض العجز ليست اختيارية في تونس وليس سهلا على الإدارة الإقتصادية تجنب آثارها السلبية على معيشة الأسرة وادامة الخدمات العامة التي لا بد ان يصيبها بعض التشدد في الأنفاق الحكومي. وقد تبين، آنفا، ان التقشف يؤدي الى خفض الطلب الكلي وتثبيط النشاط الإقتصادي الذي يحركه الطلب عادة. كما ان الكثير من انشطة الإنتاج والاستثمار تعتمد على مدخلات مستوردة سوف تواجه مشكلة ارتفاع سعر صرف العملة الأجنبية. وهنا يتوقف الانتفاع من خفض قيمة العملة الوطنية اسميا على بقاء التضخم دون نسب الخفض، كي ينخفض سعر الصرف الحقيقي للدينار التونسي لتقليص المستوردات وزيادة الصادرات. وانعكاسه في الأخيرة يتطلب مدة زمنية كافية لاستجابة القرارات الاستثمارية لبنية الأسعار الجديدة. 
    ويتوقف النجاح في الخروج من الأزمة على تعاون سياسي عريض وسياسة إقتصادية اوسع في نطاقها، وموضوعاتها وادواتها، من البرنامج المتفق عليه مع صندوق النقد الدولي. 
    * الدكتور أحمد ابريهي علي، نائب محافظ البنك المركزي العراقي سابقا
    مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2018
    www.fcdrs.com
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit