مظاهرات ذو السترات الصفراء ومعوقات الانتفاضة -2-
    الجمعة 11 يناير / كانون الثاني 2019 - 05:07
    د. حامد السهيل
    الحالة العراقية
    نجحت حركة ذو السترات الصفراء ليس فقط فى اجبار الرئيس ماكرون والحكومة على سحب مشروع زيادة الضرائب على المحروقات وانما ايضا رفع الحد الادنى للاجور وتحسين نسبة التقاعد والعناية بالخدمات الاساسية فى حقل التعليم والصحة والمواصلات بالاضافة الى مشروع بناء السكن الاجتماعى من قبل الدولة....الخ. ان الدولة الفرنسية دولة مؤسسات ودستور وقضاء مستقل فوق الشبهات وبرلمان منتخب يشرع القوانين يتالف من احزاب الحكومة والمعارضة, هذا بالاضافى الى وسائل الاتصال الجماهيرية التى تحرص, وفقا لامكانيات الديمقراطية الغربية فى تغذية وتشكيل الرأى العام بظواهر وخلفيات الاحدات  من اسباب ونتأئج, وعلى اقل تقدير فان اى وزير او مسؤل وحتى رئيس الجمهوريه لا يسلم من من فضيحة مدوية وحتى الاستقالة فى حالة استغلال موقعه الرسمى لمصلحته الذاتية او للاحبة والاصدقاء, هذا بالاضافة الى درجة عالية من المسؤلية واخلاقيات عمل يحرص الكثير من المسؤلين الالتزام. ان الاستجابة السريعة للرئيس ماكرون وحكومته لطلبات المتظاهرين جاءت تحسبا من تطورات يمكن ان تتحول الى تطرف تشوه صورة المسؤلين وتبدى شكوكا فى اهليتها  واخلاقياتها. 
    على ان الاوضاع ليست مثالية وتدعو الى التفكير والوعى, ولكن تأخذ مسارها من خلال عملية التشريع وفق القوانين وبتاثير القوى الفاعلة الاكبر ومع كل هذه الضوابط والامكانيات يتمتع الشعب الفرنسى بتاريخ نضالى طويل وتطلع نحو الحرية والفكر والتظاهر والاجتماع بالاضافة الى تنظيماته الديمقراطية ووعيه الحاد. 
         مع كل هذه الاوليات والشروط التاريخية المؤثرة انطلقت تظاهرات ذو السترات الصفراء  بعد حوالى خمسون سنه( 1968 -2018) من حركة الطلبة والشباب التى انطلقت من الجامعات وامتدت الى شرائح واسعة فى المجتمع واستطاعت تقديم ماهية وقيمة جديدة للانسان, حريته وكرامته  فى اطار نظام اشتراكى اكثر انسانية وبعيدا عن تسلط  البيروقراطية واساليب البوليس والمخابرات وردم الشرخ الكبير بين الاغنياء والفقراء.
         لا يوجد وجه مقارنه بين دولة القانون والمؤسسات الفرنسية  وبين الحالة العراقية: ان حركة التظاهرات والاحتجاجات التى تبلورت فى مدينة البصرة وامتدت الى عدة مدن عراقية خاصة فى الجنوب فى  صيف 2018 ولازالت الاحتجاجات والمطالبة بضرورات الحياة من  البنى التحتية وفرص العمل واستنكار الفساد المالى والادارى المستشرى فى جميع مرافق مؤسسات الدولة, لم تجد لحد الان اى اجراءات فعلية للحد من الازمات وتنفيذ المطاليب المشروعة التى رفعها السكان. ان ما يدعو الى الخوف والقلق من ان مطاليب السكان ليست زياردة الاجور وتحسين ظروف العمل فقط  وانما تتعلق اولا باوليات الحياة وضروراتها, فرص عمل للعاطلين, ازمة السكن المستفحلة, التردى المريع لمستوى التعليم والخدمات الصحية, هذاعلى الرغم من انتشار اصابات التسمم جراء مياة الشرب المولوثة وانتشار الاصابات بالسرطان والتدهور الخطير فى مقومات البيئه الطبيعية التى اصبحت غير قابلة للعيش. ان السؤال الذى يفرض نفسه: لماذا لا تتحرك اجهزة الدولة والقيام بواجباتها, لماذا لا تعير اهتماما لمعاناة المواطنين واوضاعهم المعيشية الصعبة ومستقبلهم المجهول. 
           ان السكان قاموا فى مختلف المدن العراقية  منذ عام 2005 فى مظاهرات صاخبة واعتصامات والتى اخذت وتتجدد سنويا, الا ان الحكومة تتصرف وكأن ما يحصل فى الشوارع والميادين ليس من مهماتها وواجباتها, وكل وما يقومون به هو ابعاد المتظاهرين عن القلعة الخضراء, بقطع الشوارع والجسور واستخدام القوة والعنف لتفريق المتظاهرين, بالاضافة الى  اطلاق الوعود الكاذبة التى اصبحت كريهة وحقيرة ولا يصدق بها احد. ان كل هذه المظاهرات والاحتجاجات منذ اكثر من 10 سنوات والتى تبلورت فى الصيف الماضى 2018 الى انتفاضة وحركة شعبيه كبيرة لم يحصل تغيير ملحوظ نوعى فى مواقف وسياسة سلطة المحاصصة العراقية!! ترى كيف يمكن تفسير وتحليل مواقف وسلوك فرسان المحاصصة؟, وفى اطار هذا السؤال يفرض نفسه سؤال اخر: هل ان سلطة المحاصصة مجبرة على مواقفها ام انها مخيرة, بمعنى انها تستطيع ولكن لا تعير لذلك اهتماما. انه امر غريب حقا ان يتكلم ويستنكر جميع فرسان المحاصصه, بما فيهم وزراء وكبار المسؤلين عن الفساد المالى والادارى المستشرى فى مؤسسات الدولة كانه شىء لا يعنيهم والفاسدون اناس اخرون يعيشون فى قمر اخر, وهل تؤثر هذا المقولات اللفظية فى ابعاد الشبهات عنهم فى مجتمع وشعب متمرس فى قراءة مفردات النفاق والانتهازية والزحف والخيانة!!  ترى من هم الذين يمكن الركون اليهم فى محاربة هذا السرطان وحشرة الارضه الخطيرة؟ اليس هم الذين يحتلون قمة القرار السياسى والاقتصادى !! 
    فى وقفة نقدية لهيكلية فرسان المحاصصه وقيادى العملية السياسية  يظهر بوضوح ان غالبيتهم جاء بهم الامريكان بعد اجتيازهم لدورات مخصصه فى الايديولوجيا والفكر والعمل السياسى. كانوا يعيشون على حافة مجتمعات اللجؤ فى اوضاع تعيسة يسيطر عليها  البؤس المادى والسياسى والثقافى واللغوى, ونقلوا معهم الى هذه المجتمعات جميع الامراض الاجتماعية التى نشوا عليها, من المظلومية والتعصب الدينى والطائفى وامتلاكهم للحقيقة والتفويض الدينى, كذلك بالنسبة للطرف الاخر تصوراتهم النرجسية باحقيتهم الموضوعية والتاريخية للحكم والسلطة. لقد  كرسوا تجمعاتهم الاجتماعية كما تعودوا عليها مؤكدين على الشعائر الدينية والغيبيات والتطرف ونبذ وسحق الاخر, يحملهم شعورا بالاهلية والريادة والنرجسية كمناضلين ومطاردين واكفاء. على الرغم من اقامتهم فى هذه الدول سنين طويله وحصل العديد منهم على الجنسية, لم يعيروا اهتماما بمجتمعات اوربا الغربيه وامريكا, وفى حقيقة الامر كانوا رافضين لها وينظروا اليها كـ"بلاد الكفرة", وكانوا وما زالوا فى عداء دائم مع مقومات الحداثة ومنجزاتها. اما بلدان اللجؤ الشرقية فقد اكدت على مواقفهم وافكارهم والاحكام المسبقة التى ترعرعوا عليها  وارتبطوا فى النهاية معها بعلاقات تكاد ان تكون علاقات تبعية.  ان المساعدات الاجتماعية التى تمنحهم الدول الغربية مقدرة ومحسوبة لضمان حياة بسيطة, ولكن اغلبهم قد تجاوز القوانين المحلية واخذ يجتهد بالتحايل عليها بمختلف الاشكال والصور,  مثلا الادعاء بمرض عضال, الكابة وا لاضطرابات النفسية (الجنون او الخبل...الخ), او العمل الاسود غير المشروع متجاوزين قوانين الضرائب., وفى احسن الاحوال نشطوا فى فتح بسطات للخضار او بيع بطاقات التليفون المحمول او عمال فى مطاعم الاكلات السريعة. ان من الاشياء المثيرة والمقززه ان يستمر البعض من هؤلاء, وبعد ان حصلوا على مراكز مرموقة فى الدولة, مدراء عامون, وكلاء وزارات وعمداء جامعات فى استلام المساعدات الاجتماعية, مما اثار انتباة وسخط الاجهزه الرقابية فى هذه الدول التى قدمت الى العراق وبينت لهم ان هذه المساعدات هى الضرائب التى يدفعها العمال والمستخدمين وتقدم لهم كمساعدات انسانية, وهذا عمل منحرف يعاقب علية القانون. ان قضية وزير التجارة الاسبق والذى يسمى  "ناسك حزب الدعوة", هرب, تم تهريبه بعد ان سرق 2 مليار دولار وعاد الى لندن ثانية. وبما انه ناسك وشاطر فى التجارة والاستثمارات تقدم لشراء احد النوادى الانكليزية المعروفة لكرة القدم, وبالرغم من اغراء العطاء الذى قدمه, لم تتم الاحالة اليه وتمت مسائلته عن هذه الثورة الفجائية التى وصل اليها بعد ما كان يستلم المعونات الاجتماعية قبل بضعة سنين. ان نخبة المحاصصة الطائفية لاتختلف كثيرا عن  "ناسك حزب الدعوة ", انهم جميعا يشتركون فى نهب وسرقة ثروة العراق يدعمون بعضهم الاخر كمنهج ونظام للحفاظ على استمرارية وجودهم فى السلطة. 
    ان اوضاع نخبة المحاصصه من الناحية الوظيفية والمالية والمكانة الاجتماعية ليس له علاقة بما كانوعلية فى العراق او فى بلدان اللجؤ: كانواموظفين او مستخدمين فى الدرجات الدنيا فى السلم الادارى, لم يتمتعوا بخبرات وظيفية او تحصيل علمى جامعى ولم يكن لهم تاريخ اجتماعى ونضالى مؤثر وبحكم التدين واللقاءات فى الجوامع والحسينيات والتاكيد على الشعائر والزيارات الاسبوعية, فقد كانوا بشكل او بأخر افات طفيلية تعلمت وتدربت على "الاخذ "ومن "اين تؤكل الكتف". من هذه الخلفية والاجتهادات وعمليات التزوير التى استطاعوا بها التحايل على بلدان اللجؤ الغربية والمعاناة المادية تطورت لديهم طاقة اجرامية كبيرة متمثلة فى انانية مفرطة وتوجه نحو الذات للخلاص وردم الماضى الى غير رجعة وبسرعة كبيرة. ولم يبقى للشعوروالمسؤلية الوطنية موقع لديهم
          عندما دخل السيد المالكى العراق كانت احلامه وتوقعاته ان يحصل على وظيفة معقولة فى وزارة التربية, كمفتش تربوى فى الارياف, الا انه اصبح رئيس وزراء العراق لدورتين, ثمان سنوات عجاف عاشها الشعب العراقى. ان انطلاقة المالكى الصاروخية يمكن ان نقرأها فى الدفاتر الرخيصة لقصص وروايات الـ 10 قروش. لقد عاش 25 سنه فى (السيدة زينب) حياة بائسة كما رواها للتلفزيون. ان الالاف من حالات  موظفين صحيين, بقالين, سواق تكسى, اصحاب عمائم, ومجرمين وافاقين.وانصاف الرجال.....الخ يحتلون مناصب مهمه فى الدولة دون ان يكون لهم احقية بها. وطالما لم يكن لكبار النخبة تاريخ وتحصيل علمى مرموق وخبرة مهنية وعملية فان وجود حوالى 20الف شهادة مزوره لاشخاص فاعلين فى الدولة لا تدعوا الى العجب والاستغراب : من يحاسب من وهل هناك من يتحمل مسؤلية اجتماعية ووطنية؟ طالما قضايا الوطن وحياة الشعب ومستقبله ليست على جدول الاعمال. ان هذه النخبة التى تجاوزت كل الاعراف والاعتبارات الاخلاقية  وحرصوا واستخدموا مراكزهم للثراء الشخصى, قد  قوضوا الدولة وجعلوا منها شبح هلامى غير موجود بشكل فعلى ملموس وهذا يشمل اوضاع القوات المسلحة(الجيش) والشرطة ايضا, ولذلك  كان بالنسبة لمنظمة الارهاب داعش عملية بسيطة سهلة ان تحتل ثلث مساحة العراق دون مقاومة جادة قوية فعلا, كما استطاعوا الاستيلاء على خزين هائل من الاسلحة الذى قدرت قيمته بضعة مليارات من الدولارات. اليس خطيئة كبيرة ان ننتظر ونتوقع من هذه النخبة البائسه ان تنهض بالوطن وتؤمن له حياة كريمة . حينما تكون اوليات نخبة المحاصصة بهذه الخلفيات  والممارسات فان المحصلات منطقية جدا:عدم بناء مدرسة او مستشفى وفتح شارع جديد  واهمال متعمد للزراعة والصناعة والخدمات  وجيش من العاطلين عن العملوشوارع ينشط فيها المتسولين.                                           
          ان اساليب المظاهرات والاحتجاجات كان لها تأثير ايجابى كبير فى بلورة رأى عام يكشف ويفضح نوايا واساليب هذه النخبة الفاسدة وقد كان هذا ضروريا فى كسر حاجز الخوف والشعور بالقوة والوحدة الوطنية, الا انها لم تفرض نفسها على نخبة المحاصصة بما يحملها على التفكير واعادة التفكير فى سياستها اللاوطنية ولذلك لم تنشط لتلبية مطاليب المتظاهرين فى جميع المدن العراقية انه امر مسلم به, بعد 15 عاما من اللامبالاة سوف يستمروا على ما كانوا علية, وسوف  لن يقوموا باى عملية اصلاح وبناء. اننا يجب ان نعيد النظر والتفكير فى ابتكار وسائل وعمليات جديدة ونوعية لها تأثير مباشر على نخبة المحاصصة, عمليات اعتصامية والعمل على القيام بالاضراب العام وتعطيل حركة المواصلات والنقل, بالاضافة الى تبنى حملات للعمل التطوعى تفضح النخبة وتحسب للمقاومة. فى هذا الاطار يجب التفكير جديا فى بلورة اطار تنظيمى مرن يعطى للنشاطات الشعبية  ابعادها المحلية والوطنية . ان العفوية التى انطلقت منهاحركة الاحتجاجات والمظاهرات كانت ضرورية ومهمه جدا, ولكن اصبح ضروريا الانتقال بها الى مستوى فكرى وايديولوجى وتنظيمى اكثر نضوجا وفاعلية.  

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit