كتاب مقالة في السفالة للدكتور فالح مهدي
    الجمعة 25 يناير / كانون الثاني 2019 - 16:44
    د. جواد بشارة
    صدر للباحث العراقي  المقيم في باريس الدكتور فالح مهدي كتاب يعد من أكثر الكتب إثارة للسجال  والنقاش الفكري والسياسي ، بعنوان طريف " مقالة في السفالة ، نقد الحاضر العراقي" عن دار سطور. وهو محاولة لقراءة الوضع الاجتماعي والسياسي للعراق المعاصر على ضوء نظرية المكان وتأثيره من الناحية الأنثروبولوجية والسيوسيولوجية،و التي عرضها المؤلف في كتابه السابق المهم " نقد العقل الدائري" . عنوان الكتاب يدفع لتساؤلات كثيرة رغم أن الكاتب حرص على توضيح اختياره لمفردة السفالة وما معنى السافل لغوياً وقاموسياً في اللغة العربية والفرنسية والإنجليزية. ومفادها أن السافل ، وهم كثر في المجتمع العراقي الحالي وأغلب السياسيين تنطبق عليهم هذه الصفة، هو الوغد والمنحط وعديم الشرف ونقيض العلو والرفعة والعلية والتسامي . ويبدو أن الباحث  تعمد أن يكون لعنوان كتابه مفهوماً سياسياً وآيديولوجياً. وهو لايطمح أن يكون كتابه سرداً لتاريخ العراق المعاصر وإنما عملية تشخيص للداء، وهو ليس أكثر من محاولة  تنظيرية لفهم سلوك الدونية  والسفالة التي تحكمت في مسيرة العديد من الشعوب ومنها الشعب العراقي، على حد تعبير المؤلف، وهي حالة موجودة في كل المجتمعات، بما فيها المجتمعات المتقدمة والديموقراطية فهناك من هو رخيص ودوني فيها ومع ذلك يتحكم بمصائر ملايين البشر كما كان الحال مع هتلر في ألمانيا النازية .
    [[article_title_text]]

    لقد عرض الكاتب مقاربة مهمة لمفهوم العنف الذي يقف وراء شيوع ظاهر السفالة، بالمعنى الذي أراده المؤلف، في المجتمعات باعتبار العنف نشاط " حيواني" فاعل ومؤثر في السلوك البشري إذا ماتوفرت له التربة الملائمة التي تحتضنه وتغذيه لكي يهمين على حياة المجتمع ويقتل ما فيه من قيم ومباديء أخلاقية إيجابية.

    حكاية العنف في العراق طويلة ومعقدة إلا أن الباحث ركز على تفاقم ظاهرة العنف البربري منذ انقلاب شباط الدموي عام 1963 والذي قام به حزب البعث  الفاشي وجزء من منظومة العسكر في الجيش العراقي آنذاك. وبالفعل غاص الدكتور فالح مهدي في مفهوم ومعنى العنف وتحكمه بمصير بلدان كاملة  لا سيما العراق الذي حكم بالحديد والنار خاصة في زمن الطاغية صدام حسين الذي حول العراق إلى دولة رعاع حيث تعاقبت عليه المحن النكبات والحروب ووسمته الكوارث فما يكاد يخرج من كارثة  حتى يدخل في أخرى أشد وقعاً وتدميراً وعنفاً، وكأن لهذا البلد قدر مكتوب في أن يعيش وسط دوامة من العنف  والقتل والتهجير والحروب والمعاناة.

    بعد المقدمة توغل الباحث في مفهوم العنف من كافة جوانبه لا سيما اللغوية والقاموسية  وباللغات الثلاثة التي يتقنها وهي العربية والفرنسية والإنجليزية، وتوصل إلى أن العنف مظهر من مظاهر الحياة رغم طابعه التدميري حتى لو كان يمارس بإسم القانون والشرع،  وذلك عبر تاريخ البشرية منذ الحضارات القديمة إلى اليوم.  والجانب  الشرس لظاهرة العنف هو " العدوان" الذي هو أخطر  تجليات العنف  كما جاء في أدبيات علم النفس التحليلي . وهناك عدة أنواع للعنف " فهناك العنف الرمزي ، والعنف الاقتصادي  والعنف المرضي والعنف الطبيعي الذي يحدث جراء كوارث طبيعية كالفيضانات والأعاصير والصواعق والبراكين والعواصف الخ.. بعبارة أخرى إن للعنف زمن يمتد منذ فجر التاريخ ، ولقد مرة حلقات العنف بفترات متميز من تاريخ البشرية كالحربين العالميتين  وإبادة الجيش التركي لمليون أرمني  والحقبة الستالينية الرهيبة التي تميزت بالقسوة والبطش باعتبارها شكل من أشكال من العنف الرسمي من قبل النظام الحاكم في الاتحاد السوفياتي والذي تسبب بموت ملايين الأوكرانيين جوعاً ،وقتل اليابانيين لآلاف الصينيين  وإبادة  النظام الصيني للآلاف الفلاحين   جوعاً وآلاف المثقفين في الثورة الثقافية وإبادة مليون شيوعي في أندونيسيا عام 1965 وإبادة مليون بنغلاديشي على يد الجيش الباكستاني سنة 1971 وإبادة نظام الخمير الحمر في كمبودياً بين 1975 و 1979 لمليون وسبعمائة مواطن كمبودي تحت يافطة معاداة الثورة وأخيرا يصل المؤلف إلى انقلاب 8 شباط السود سنة 1963 في العراق بمساندة وتوجيه ودعم المخابرات المركزية الأمريكية ما أدى إلى مقتل وإبادة وتعذيب آلاف الشيوعيين  والوطنيين من العراقيين ممن لم يؤيد الانقلاب الفاشي الدموي. وهناك سياسة الحصار والتجويع والعقوبات  التي فرضتها الحكومة البريطانية ضد شعوب بأكملها كما حصل للشعب الايرلندي سنة 1840 وضد الهند عندما امتنعت بريطانياً المحتلة للهند عن تقديم المساندة والدعم للفلاحين الهنود بين 1896 و 1902 ما أدى موت الملايين من الهنود جوعاً . وهذه تعتبر من الإبادات الجماعية. وللعنف تاريخ اسود حتى في فترة ما قبل التاريخ  الذي تميز بالعدوانية الحيوانية كما سماها المؤلف. ولم ينس  الباحث أن يعرج على عنف الأديان وارتكابها للمجازر باسم الله والدين. وفي الوقت الحاضر يجد العنف تربة خصبة في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي  ووسائل الاتصال الجماهيرية  وكلها مشتركة في ترويج العنف كالصحف والتلفزيونات والسينما والراديو الخ..ومن رحم العنف نشأة ظاهرة الإرهاب كوسيلة للترهيب  والوصول إلى الحكم والسلطة حيث تمت مصادرة القوانين والتشريعات ، وتم تقويض مشروع الدولة من قبل حكام  طغاة وقساة سلطويين أمسكوا بالسلطة بالحديد والنار وطوعوا المؤسسات العسكرية والأمنية لخدمة أهوائهم ونزعاتهم العدوانية وهناك أسماء لامعة في هذا المجال كصدام حسين وحافظ الأسد ومعمر القذافي  والمؤسسة العسكرية في الجزائر الخ.. وهؤلاء مارسوا إرهاب الدولة بشتى الوسائل .ارتبط العنف أيضاً بإشكالية الهوية  وبزوغ الدولة القومية وتوسع وامتداد الدوائر الهوياتية ، وتجسدها بالهويات العرقية والمذهبية والطائفية والعشائرية .ففي كل المجتمعات، الرأسمالية ، والاشتراكية أو الماركسية هناك ممارسات عنفية، كما يوجد ما اسماه المؤلف بــ " العنف فلسفياً " منذ الحقبة الإغريقية ومقاربات الفلاسفة الإغريق لهذا المفهوم ودور القوة في الدمار الذي يحدثه العنف ، وكذلك في الفلسفات المعاصرة ، في الغرب والشرق.

    وفي إطار الموقف الفلسفي من العنف يستشهد المؤلف بموقف الفيلسوف الفرنسي باسكال ( 1623-1662) كما عبر عنه في كتابه " الفكر" وقال فيه :" أي وهم هذا الإنسان؟، أية حداثة؟، أي مسخ؟ ، أي فوضى؟ " حيث كان يرتبا بالسلوك البشري  وينسب له قول :" من شدة خيبة أملي بالإنسان فضلت رفقة الكلاب". وهو نفس الموقف الذي أبداه الروائي الروسي الكبير دوستيوفسكي الذي لا يطمئن لسلوك الإنسان.

    العمود الفقري للكتاب هو العراق المعلول كما وصفه الباحث، وهو ليس وصف للتاريخ السياسي للعراق فلقد كتب آخرون مايغني عن الاستفاضة والتكرار من أمثال حنا بطاطو وفالح عبد الجبار وعلي الوردي وسيار الجميل وعقيل الناصري ويوسف محسن وغيرهم ومن زوايا مختلفة وقراءات ومقاربات ثرية ومتميزة عن العراق المعاصر ، كانت وما تزال مهمة لكل قارئ وباحث في هذا المضمار.

    ينتقل  المؤلف من التاريخ إلى الجغرافيا حيث أشار إلى ملاحظة ذات مغزى وهي إن العراق حكم من 1963 إلى 2003 من قبل أشخاص ينحدرون من نفس المنطقة التي كانت تسمى في العهد العثماني " سنجق الدليم" ولقد طغت في إدارة البلاد المعالم البدوية والعشائرية منذ عهد أحمد حسن البكر وصدام حسين وأصبحت السلطة ملك للعشيرة والعائلة وفق العرف القبائلي والعشائري السائد حيث تراجع الحس المدني  وتدهور وخضع لما اسماه الباحث بــ " التصحر الثقافي"  الذي طغى على العراق طيلة أربعة عقود.

    هناك مراحل طبعت العراق المعاصر بسمتها وببصماتها وبطابعها، منذ العهد العثماني إلى اليوم. فبعد سقوط بغداد سنة 1258 سيطر الحكم المغولي والتركي على كامل أرجاء المنطقة وبضمنها العراق  ( عدا المغرب) وكانت الأقوام الرحل هي التي هيمنت وحكمت . ففي فترة " عثمنة " العراق حسب تعبير الكاتب، بين 1533 و 1920 تهاوى العراق وقسم إلى ثلاث ولايات تابعة للإمبراطورية العثمانية هي بغداد، والبصرة ، والموصل. ومنذ ذلك الوقت دخل العراق في جحور الظلام ودبت فيه شرنقة الخراب،  ابتداءاً من سقوط الحكم العباسي حيث تكالبت عليه أقوام متخلفة عنيف وشرسة من المغول والتركمان حيث فتكت بكل ما فيه من خير وجمال وأوغلت في التخلف والقسوة  والبطش والعنف المجاني حتى انتشر فيه الفساد  والخنوع والخمول والتكلس، حيث عزل العراق عن ركب الحضارة والتمدن وغرق في الجهل والخرافة والأمية والتخلف. فالاحتلال العثماني ألغى العراق من خارطة الدول الحضارية ذات التاريخ المجيد ثقافياً وفكرياً واقتصادياً لمدة تزيد على الأربعة قرون كانت سوداء معتمة ومظلمة. فالعراق سقط في براثن " العثمنة"وسادت فيه ثقافة الخرافات والجن والعفاريت، وهيمنة القيم البدوية ، والغرب ولج عالم الحداثة والتطور من أوسع الأبواب ، ولقد شخص علي الوردي  انتشار ظاهرة " الشقاوات" في المجتمع العراق سواء في الفترة العثمانية أو الاحتلال الإنجليزي حتى أواسط الخمسينات من القرن الماضي . فالشقي  مجرم وخارج على القانون من وجهة نظر السلطة، وبطل من وجهة نظر أبناء محلته ومجتمعه فهو لص وقاتل ويبتز الأغنياء ويفرض الأتاوات مقابل الحماية التي يوفرها لمن يحتاجها منه ، وهو لا يختلف عن البدوي الذي يدافع عن قبيلته في الحق والباطل رغم الاختلافات الكثيرة بين سلوك الشخصيتين ، وكلاههما يعكس ضعف الدولة وفقدان الأمن المجتمعي، إذ اقتصر عمل السلطة الحاكمة على جمع الضرائب بالقوة والعنف والتعسف وإرسالها إلى الباب العالي في عاصمة الإمبراطورية العثمانية اسطنبول. لكنها غائبة عن توفير الأمن أو الخدمات الاجتماعية و لا تهتم بأية مشروعات إصلاحية ، كما أشار المؤلف.

    يرسم الكاتب صورة شبه وردية عن العهد الملكي بين 1921 و 1958 وإنه حقق الكثير من الإنجازات الحضارية الحديثة في التعليم ووسائل النقل وفي نظام القيم والعادات ودخول معالم الثقافة العصرية الحديثة وظهور كتاب وباحثين وأدباء وشعراء كبار مثل الجواهري  والسياب ونازل الملائكة وعبد الوهاب البياتي ، إلى جانب أسماء متألقة مثل جواد علي وعلي الوردي وعلي جواد الطاهر وعبد العزيز الدوري  وعبد الجبار عبد الله على سبيل المثال لا الحصر، لكنه نسي أن تلك الحقبة اتسمت بهيمنة  الإقطاعيين والباشوات واحتكارهم للثروة والقوة والسلطة ومعاملة الفلاحين كعبيد بقسوة  وانتشار الفقر والفاقة والعوز .

    ويعتبر المؤلف أن الاحتلال البريطاني للعراق أدخل هذا البلد في حركة التاريخ  وحيويته ويمثل إعادة ولادة العراق المعاصر، وحقق المستعمر البريطاني ، كما يذكر المؤلف، عدد من الإصلاحات المدنية والمجتمعية في مجال العمران وبناء السدود والجسور والمدارس والمستشفيات الأمر الذي لم تفعله الإمبراطورية العثمانية طيلة أربعة قرون من سيطرتها على العراق وباقي دول المنطقة.

    كانت المواطنة غائبة في المجتمع العراقي والولاء هو للدين والمذهب والطائفة والعشيرة  والثقافة السائدة قائمة على الأسطورة والدين وبعيدة عن العلم والفكر والمعرفة الحديثة ،باستثناء اليهود  ومن بعدهم المسيحيين الذين كان لهم تماس مع العالم الخارجي وتمكن بعضهم من الولوج إلى قلب المعاصرة  والتحدث بلغات أجنبية . فالملكية برأي المؤلف قدمت للعراق خدمات جليلة ووضعته على عتبة التاريخ والعالم المعاصر ، وإن نوري السعيد قد أدى خدمات وفوائد جمة للعراق رغم كونه تابع لسيده البريطاني لكن ذلك لم يمنعه من إنجاز عدد كبير من المشاريع العمرانية ، التي لم يذكرها المؤلف ولم يعط عنها بعض الأمثلة، وكذلك له دور في تطور الثقافة والعلم حيث تم، في عهده، إرسال بعثات تخصصية للدول الغربية أهلت الكثير من الباحثين الجادين لم يشهد العراق أمثالهم لمدة أكثر من ألف عام. ثم يعرج المؤلف إلى فترة الخمسينات من القرن العشرين وتفاقم الصراع بين المعسكرين الرأسمالي والشيوعي  المتمثلين بالولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الأوروبيين الغربيين  والإتحاد السوفياتي وحلفاؤه الأوربيين الشرقيين، ويؤكد المؤلف دون تقديم أي دليل على ذلك، أن الحزب الشيوعي العراقي زج نفسه في أتون ذلك الصراع الدولي ما يعكس عدم نضجه مقارنة بالحزب الوطني الديموقراطي ، وإن أخطاء الحزب الشيوعي ساهمت بظهور وتنامي التيار القومي بجناحيه البعثي والناصري وإصرار هذا الأخير وحماسه لتحقيق الوحدة العربية ما أدى إلى حدوث كوارث في العراق. وبرأيي فإن هذا الطرح يتسم بالتعجل والتسرع في إطلاق الأحكام ويحتاج لمزيد  من التمحيص والتدقيق التاريخي والتمعن في أسرار وحيثيات تلك الفترة أكثر لكي نخرج برؤية موضوعية غير متحيزة وغير ظالمة لهذا الطرف أو ذاك.

    لقد صدمني الباحث وهو يكيل المديح لنوري السعيد الذي قدم الكثير للعراق، وعدم صموده أثناء تصديه " للصراع الطبقي الذي كان يردده الحزب الشيوعي كالببغاء ، بل يكاد أن يتأسف على سقوط النظام الملكي ووصف  التغيير الثوري بأنه انقلاب عسكري حدث في 14 تموز عام 1958 على يد حفنة من الضباط ،ولم يرغب بتسمية ما حصل من تغيير جذري في بنية المجتمع العراقي " بثورة 14 تموز " التي قادها الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم. ويقارن بين ماحصل لملك مصر فارق من توقير واحترام من قبل المجموعة العسكرية التي أسقطته بزعامة جمال عبد الناصر وتأدية الضباط العسكريين له التحية العسكرية وتوديعه بــ 21 طلقة مدفعين تكريماً له وهو يغادر على ظهر يخته الملكي المحروسة  بينما تعرضت العائلة المالكة في العراق للقتل والسحل والإبادة والتنكيل رغم رفعها للرايات البيضاء والقرآن وانتهت العائلة بمجزرة دموية وأبيدت على نحو بربري بعيد عن قيم الشرف ، وأنا أستخدم عبارات المؤلف لكني لا أتفق معه بما قاله فهل يعرف من هو المسؤول عن هذه الجريمة؟هل هو الحزب الشيوعي العراقي؟ هل هو الزعيم عبد الكريم قاسم قائدة الثورة؟  ومن الذي أمر بتنفيذها؟ لم يذكر المؤلف ذلك والحال إن الجناح القومجي البعثي  العارفي في الجيش هو الذي يقف وراء هذه البربرية وليس الحزب الشيوعي ولا الزعيم قاسم.

    ثم يذهب الكاتب إلى ابعد من ذلك وهو يصف العهد الجمهوري بــ " حكم الأقلية" ويمثل هذا العهد الممتد من 1958 إلى 2003 برأي الكاتب  البداية الفعلية للدمار الذي شهده العراق و لا زالت آثاره فاعلة . وأود أن أسأل المؤلف هل هذا هو كل ما رآه من العهد الجمهوري. وهل نسي أنه بفضل إنجازات هذا العهد، على الأقل في سنواته الأولى، أنه أتاح له ولأمثاله وأمثالي نحن الفقراء والمهمشين الحصول على التعليم المجاني والمساواة في كل شيء مع أبناء البرجوازية والأغنياء وما وفره لنا جميعاً من فرص لا تعد ولا تحصى من مساكن وتعليم وتشجيع على الإبداع ؟ قسم الباحث  الدكتور فالح مهدي العهد الجمهوري إلى ثلاث فترات الأولى محصورة بين 1958 و 1963 أي أربع سنوات وهو فترة ممعنة في القصر كما وصفها المؤلف ومع ذلك قام الزعيم عبد الكريم قاسم بالتخطيط والعمل على إنجاز عدد هائل من المشاريع العمرانية والتربوية والثقافية بمساعدة عدد من المتمكنين والمخلصين والكفاءأت المخلصة فهل هذا ينطبق على ما نعرفه من سياسات الطغمة العسكرية الإنقلابية، وهل خروج العراق بقرار من الزعيم قاسم من حلف بغداد السيء الصيت  سياسة غير حكيمة؟ ويعترف الكاتب أن غرض الحلف  وهدفه الوحيد هو " الوقوف ضد المد الشيوعي" فهل هذه خصلة إيجابية تحسب للعهد الملكي ؟ وهل إنتشار الفكر الماركسي  والبرامج المجتمعية الشيوعية ظاهرة سلبية ومد ينبغي صده ومكافحته؟ فهل يوجد " قائد انقلاب عسكري واحد في العالم لديه سلوك مثل سلوك الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم الذي وصفه المؤلف نفسه بأنه تميز بحبه للفقراء ومحاولة الرفع من شأنهم. وإحدى أهم محاولاته بناء مدن الثورة في كل أنحاء العراق للفقراء والكسبة ، وتشييد دور الإسكان للموظفين الصغار من الفراشين والمضمدين والكناسين وعمال البلديات والمعلمين الصغار الخ.. فهو بحق رجل نبيل بتعبير المؤلف نفسه لكن سوء حظه أوقعه في ظروف شائكة  بالغة التعقيد ، ويقول الكاتب عنه أنه رجل عديم الخبرة بالسياسة فهو رجل عسكري تقلد منصباً سياسياً لم يمارسه من قبل وكان معه شخص كارثي عسكري طائفي مقيت هو عبد السلام عارف الذي حاول عدة مرات أن يقتل الزعيم أو يغتاله  ومع ذلك عفا عن الزعيم النبيل ولم يصفيه جسدياً رغم حكم المحكمة العسكرية " محكمة الثورة"  عليه بالإعدام ومحاولة اغتيال أخرى تعرض لها الزعيم قاسم على يد عصابة من البعثيين من بينهم آخر رؤساء العراق البعثي قبل إطاحة النظام على يد الأمريكيين وهو صدام حسين الذي اعترف بنفسه في أواخر أيامه أن قاسم رجل وطني نزيه ومستقيم لم يرتكب جرائم وسرقات ، وبموته انتهت " أهم تجربة في تاريخ العراق منذ أكثر من ألف عام" بالتعبير النصي للمؤلف . ويورد الكاتب نصاً بالغ الدلالة على دناءة عبد السلام عارف فقال حرفياً مستنداً لنتيجة توصل إليها الباحث حنا بطاطو:" هناك إجماع على نزق عبد السلام عارف وسذاجته . فقد ذكر مصطفى علي ، الذي كان وزيرا للعدل في حكومة عبد الكريم قاسم، رأياً يلخص الدمار الذي تعرض له العراق على يد عبد السلام عارف حين قال : " قاسم جاء بثورة عظيمة ، ولكن جاء بفنائها معها ، جاء بعبد السلام عارف" بل إن جمال عبد الناصر نفسه أعتبر عبد السلام عارف طفلاً والسبب يعود إلى حديث الرئيس عبد الناصر عندما التقى بعبد السلام عارف في دمشق في 19 تموز 1958 واشتكى له من قاسم، نقلاً عن فاضل الجمالي ' وزير الخارجية في العهد الملكي) فأجابه عبد السلام عارف بلهجة شديدة بعد أن رمى السكين والملعقة من يده بشدة على المنضدة وقال لعبد الناصر : هل تريد أن اقتله؟ طلقة بعشرين فلس"... والحال إن عبد السلام عارف برأي المؤلف أيضاً هو أحد الكوارث في تاريخ العراق المعاصر  فهو نزق ، انفعالي، طائفي فهو أول من أطلق على الشيعة العراقيين ، وهم الأكثرية من السكان، صفة " الرافضة" حيث أماط اللثام عن وجهه الطائفي القبيح، نصيبه من الثقافة والتعليم متدني جداً، محدود الذكاء، وينتقل من فكر إلى أخرى تختلف عنها كلياً دون أية صعوبة". ولم يفت المؤلف الإشارة إلى دور جمال عبد الناصر التخريبي في العراق ولعبه دوراً غير مشرف وإجهاضه لمشروع بناء الدولة العراقية الحديثة.

    يعود الكاتب إلى نغمة تعنيف الحزب الشيوعي العراقي ويتهم قيادته بأنها بعيدة عن الواقع العراقي فهل كان الشهيد سلام عادل بعيداً عن هموم المواطن العراقي  واحتياجاته لا سيما فئات الفقراء والكسبة والعمال والفلاحين إذ اعتبر المؤلف ذلك خطأ لأن البلد ليس فيه صناعات وليس فيه رأس مال متطور وبدل أن يكون في الطليعة بين الأحزاب  والحركات السياسية الفاعلة  اعتمد على سياسة تأييد ومساندة الاتحاد السوفياتي واعتبر ستالين أب الشعوب المظلومة وأصبح طرفاً في الحرب الباردة الدائرة بين المعسكرين وهذه قراءة ليست دقيقة لا للواقع العراقي ولا لدور الحزب الشيوعي في صراع المعسكرين  ولم يقف ذلك عائقاً أمام شعبية الحزب الشيوعي وقيادته لجماهير الكادحين وتأثيره في الشارع العراقي، كنت أتمنى من الباحث أن يتحلى بموضوعية أكبر ويطلع على أدبيات الحزب الشيوعي وتقييمه لتلك الفترة . يقول الدكتور فالح مهدي:" لقد ساهم الشيوعيون في تضخيم شخصية عبد الكريم قاسم، كما يقول المؤلف ، وكانوا وراء شعار " الزعيم الأوحد" فهل نسي الكاتب أن عبد الكريم قاسم كان قد زج بالشيوعيين قبل غيرهم في السجون وترك القومجيين أحراراً يتحركون في وضح النهار؟ ثم يقول عن الزعيم قاسم أنه كان على قدر كبير من السذاجة والغموض وهذا تجني على شخص الزعيم فخلافه مع عارف يدل على معرفته بشخصية هذا الأخير وليس جهله به وبأنه لا يعرف شيئاً عن دواخل ذلك الرجل المختلف عنه في كل شيء، لكن مشكلته إنه كان طيباً ومسالماً حتى مع خصومه وأعدائه وعبارته الشهية " عفا الله عما سلف" لدليل على طيبته واستقامته ورجاحة عقله.

    مر الكاتب بسرعة على فترة الأخوين عارف خاصة فترة عبد الرحمن عارف حيث سادت فترة من السلام المجتمعي رغم كون الرئيس عبد الرحمن عارف ليس رجل دولة، وقد انتعش الأدب والفن في فترته القصيرة رغم غياب المشاريع العمرانية والتنموية .

    ثم ولج إلى فترة حكم البعث ووصفها بــ " البعثنة  أو التوحش البعثي بين 1968 و 2003. وإنها البداية الفعلية لدمار العراق في العصر الراهن، أي بعد أن غدا العراق دولة معترف بها عالمياً. فمرحلة " البعثنة" أو تبعيث المجتمع عنوة وبالقوة والقسر لا تختلف في نتائجها السلبية والتدميرية عن مرحلة " العثمنة" . كانت بداية الانحدار بانقلاب شباط الدموي الأسود الفاشي الذي خططت له وكالة المخابرات الأمريكية السي ىي أ سنة 1963 وكان الشطر القومي من الجيش العراقي وحزب البعث هم الأداة المنفذة وكانت البداية الكارثية التي لم تستمر أكثر من تسعة أشهر قتل خلالها الآلاف، ونفذت عصابة البعث والحرس القومي حينها تصفيات جسدية بربرية وعمليات تعذيب تقشعر منها الأبدان بحق الشيوعيين والوطنيين الشرفاء والقوى السياسية المناصرة لهم ، وهو النهج الذي سارت عليه الولايات المتحدة وذراعها الرهيب المتمثل بوكالة المخابرات المركزية لتصفية الشيوعيين أينما كانوا في أفريقيا وأمريكا اللاتينية والعالم العربي. ثم أعاد البعث وجزء من القوات المسلحة الموالية تنفيذ سيناريو الانقلاب العسكري ضد عبد الرحمن عارف سنة 1968 وكان يمثل  نهاية الدولة العراقية وسقوطها وتشييد النظام الفاشي الدكتاتوري الدموي ، وعلى الأخص بين عام 1979 و 2003 وهي الفترة التي اعتلى فيها صدام حسين سدة الحكم باعتباره الرجل الأول بعد أن كان يحتل لمدة عقد كامل موقع الرجل الثاني ، وأصبح رئيساً للجمهورية بعد أن نحى بالقوة الجنرال العجوز أحمد حسن البكر وقام بتصفية رفاقه في الحزب الحاكم ممن نافسوه أو اعترضوا على زعامته المطلقة للدولة والحزب ، وكانت الفترة الأكثر ظلاماً في تاريخ العراق المعاصر كله، وهي امتداد لفترات مظلمة كثيرة وسمت تاريخ العراق في الماضي والحاضر منذ الحجاج بن يوسف  الثقفي المريض السادي والمماليك والعثمانيين ، إلا أن فترة صدام حسين هي الأشد قسوة وظلامية  حيث تمركزت السلطة بيد العشيرة والعائلة التي ينتمي لها صدام حسين .

    تأسست الدولة العراقية الحديثة في عشرينات القرن الماضي بإرادة من المستعمر البريطاني وأدواته في المنطقة  من الإقطاعيين ورؤساء العشائر وبعض فئات الجيش الوليد لكن العراق لم ينجح في تأسيس مجتمع مدني ناضج وحديث بل ظل المجتمع العراقي مكبلاً بالانتماءات العشائرية والدينية والمذهبية والطائفية والعرقية ، أي ظل جزءاً من مجتمعات ما قبل الحداثة. على غرار عدد من دول ما سمي بالعالم الثالث ، عدا تجربة الهند فلقد نجح الرواد من قادة الاستقلال في خلق مجتمع مدني متطور وتبني مفهوم الدولة العلمانية وأقاموا نظاماً ديموقراطياً حقيقياً رغم التحديات والفقر وصمدت الهند  لتفرض نفسها كدولة متقدمة بين الأمم المتحضرة في العالم المعاصر. فيما بقي العراق مكبلاً بمجموعة من الأمراض البنيوية التي أعاقت تقدمه وسيادة القيم القبلية والعشائرية والبداوة فيه  وتفشي الجهل والخرافة والأمية التي وصلت إلى نسبة 90% من الفلاحين  وتجاوزت الــ 75 % من مجموع الشعب العراقي. فبالكاد بدأت بوادر تشكيل مجتمع مدني حديث وعلماني في زمن قاسم حتى أجهضت التجربة وتراجعت مع انقلاب 8 شباط الأسود الدموي والبربري واستمرت بالتدهور والتقهقر سيما بعد انقلاب تموز عام 1968 وكان نظاماً أكثر منهجية وخبثاً وقسوة وبطشاً وقدرة على التدمير، فتلاشى مفهوم الدولة الحديثة وحل محله مفهوم الدولة المافيوية وأغلب من حكم العراق من عام 1963 إلى يومنا هذا  هم أشخاص غير أكفاء  وبعيدين عن عالم المعرفة والذكاء والشرف حيث تمت تصفية أو إبعاد الشرفاء والكفوئين بأشد الأساليب القمعية. ولقد نجح نظام صدام حسين في تحقيق السقوط الفعلي  لكل قيم الشرف والأخلاق منذ العام 1968 ووضع في مواضع القيادة أناس سفلة من أولاد الشوارع واللقطاء وعديمي الشرف  المستعدين لتنفيذ أخس المهمات واستخدام الوسائل الدموية والقمعية واللجوء إلى أسلوب التصفيات الجسدية والاغتيالات  وتعذيب الخصوم حتى الموت في المعتقلات الرهيبة. وكان أفضل من وصف فترة صدام حسين الرهيبة هو الكاتب المبدع زهير الجزائري في كتباه الموسوم " المستبد"  وواصل   زهير الجزائري في توثيق تلك الحقبة الرهيبة في كتابه " أنا وهم" إلى جانب كتاب عن سيرة صدام الحقيقية كتبه إبراهيم الزبيدي لأن هذا الأخير كان مقرباً من صدام وصديق طفولته في تكريت . لقد اتسمت طفولة صدام حسين بمزيج من العنف العائلي والعنف المجتمعي لذلك بات العنف جزءاً جوهرياً في شخصيته وكان العنف والقتل وسفك الدماء وسيلته لإثبات وجوده كما قال الدكتور فالح مهدي. فلقد كان العنف جزءاً من بنائه الذهني والنفسي فاستخدمه منذ بواكير حياته عندما قام بقتل أحد أقربائه وكان شيوعياً  وشارك في محاولة اغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم سنة 1959. ولقد ركز على هذا الجانب باحثون كبار مثل حنا بطاطو والمفكر الراحل فالح عبد الجبار الذي ذكر في معرض تحليله بهذا الصدد قائلاً:" كان للبلدات الريفية دور فريد في العسكر والسياسة العراقية.. فمن الجنوب العراقي جاء يساريون بارزون وراديكاليون بعثيون، أما الذين جاءوا من الغرب والشمال ( العراقيين)السنيين فكانوا زعماء للإخوان المسلمين  المحافظين ، وللعروبيين والناصريين، وبعض المحافظين من الضباط الأحرار ذوي الميول القومية " ، حيث يلاحظ أن معظم القادة القوميين ينحدرون من غرب العراق ومن مناطق ريفية بعيدة عن التحضر وكانوا يحتقرون أهل الجنوب والوسط ويعتبرونهم " شيعة وشروكية متخلفين" . لقد تمكن صدام حسين من الإمساك بدفة الحكم عن طريق الاستخدام المفرط للقوة والتنكيل والعنف المجاني وأدواته التنفيذية هم أفراد عائلته وأقاربه وعشيرته ولم يتوان عن منح رجل شبه أمي لا يعرف القراءة والكتابة تقريباً ولم يكمل مرحلة الدراسة الابتدائية رتبة فريق ركن في الجيش وعينه وزيراً للدفاع  فكان صدام حسين بمثابة الوحش المفترس أو السفاح المريض البسيكوبات. ثم يتعمق المؤلف الدكتور فالح مهدي في مفهوم المفترس من وجهة نظر علم النفس ويعرض لنا السمات الأساسية للمفترس سواء أكان حيواناً أو بشراً.

    فالإنسان المفترس لديه قدر على الثرثرة بدلاً من الفصاحة والطلاقة، ونرجسية مستفحلة وحب للذات مبالغ فيه،  وبرودة مشاعر، ويخلو من الحس العميق المتمثل بالتعاطف مع الآخرين والقدرة على أن يتخيل نفسه في مكانهم، وهو بالطبع شخصية شريرة  والشر متأصل فيه ، تجد فاعليتها في احتقار الآخر، و هو شخصية غير اجتماعية ولا يثق بأحد ويشك بالجميع ، حتى أقرب المقربين إليه، وهو لا يندم ولا يعتذر عما قام به من أفعل وممارسات مشينة ، وهو اندفاعي  غير قادر على التخطيط السليم، فهو سيكوباتي وإنسان مضطرب العقل مصاب بلوثة السيكوباثية أو داء الصفاقة كما وصفه علي الوردي، فهناك ضعف في تناسق ذاته  و لا يبالي بما فعل في الماضي أو ما سوف يحدث في المستقبل و لايستحي من أفعاله ، وكلها صفات تنطبق على صدام حسين . واستعرض الكاتب  طفولة صدام حسين وتأثيرها على بناء شخصيته وكان مجبولاً على ممارسة العنف وفعل الشر ولم يتردد في قتل قريبه سعدون حمود ببرودة دم لا لشيء إلا لأنه ينتمي للحزب الشيوعي، وتحريض من خاله القميء خير الله طلفاح، فهو مريض نفسياً ومليء بالعقد التي تجذرت في نفسه منذ طفولته الباكرة، وتحول،  عندما امتلك السلطة المطلقة، إلى شخص مفترس ، حتى إنه تمكن من افتراس العراق برمته على حد تعبير المؤلف.

    ولاستكمال اللوحة المأساوية للعراق  يركز المؤلف الدكتور فالح مهدي على المرحلة الحالية التي يمر بها العراق في فصل بعنوان " الاحتلال الأمريكي وسقوط العراق" ويستشهد بمقطع من التمهيد الذي كتبه الكاتب فارس كمال نظمي في كتابه " أطلال دولة ... رماد مجتمع " والذي لخص فيه ما حدث ويحدث بعد عام 2003 وسقوط نظام البعث على يد الأمريكيين واحتلالهم للعراق :" إنه أوان تتهرئ الحياة اليومية في أي مجتمع بشري، حد انفراط العقد الاجتماعي، واندثار المعايير الجامعة، وانحطاط الوعي بالذات المشتركة، وتهشم الذاكرة الوطنية، وتفنن الهاجس المستقبلي ، وزوال الذائقة الجمالية، وازدراء الجدوى من أي فضيلة، وازدهار ولع التنكيل بالآخر، وهيمنة العدمية السلوكية... حين ذاك تختفي الغايات كلها، ويصير الوجود العاقل محض فوضى بيولوجية لاستقواء اللحظة على الزمن، ولاحتفاء الخواء بالألم  ولتجذر الموت في كل حياة"  وهذا وصف مأساوي متشائم لما يحصل في عراق مابعد 2003 . ويمثل أيضاً الانتقال من رثاثة " البعثنة" إلى رثاثة  النرجسية الثقافية الإسلامية بشقيها الشيعي والسني، القائمة على مخيلة ماضوية ، لا تعير اهتماماً بالحاضر ، ومريضة. لقد توهمت الغالبية الساحقة من الشعب العراقي ، بما فيهم جزء كبير من مثقفي البلاد ومبدعيها،  أن أمريكا جاءت لتحريرهم من ربقة النظام العبودي والاستبدادي الذي أقامه صدام حسين وإنها جاءت لتنتشلهم من الفقر والعوز الذي عانوا منه طيلة تلك الفترة اللئيم التي تمتد من سنوات الثمانيات إلى 2003 وهي متخمة بالمآسي والحروب العبثية المدمرة  والتي اتسمت بفاشية تحولت مع مرور الزمن إلى صيغة مافيوية للحكم بقيادة القائد الضرورة  الذي جاء به الأمريكيون ودعموه في حربه ضد إيران ومن ثم أغروه بغزو الكويت ومن ثم أخرجوه منها بالقوة وفرضوا على الشعب العراق الحصار والمقاطعة والعقوبات التي دفع ثمنها غالياً وعاش الحرمان والجوع والمرض بسبب الأمريكان وحلفائهم الأوروبيين والعرب. وضعوا للعراق عام 2005 دستوراً ملغماً ومتناقضاً كتبه أناس بعيدين عن الشأن القانوني وعديمي الخبرة في مجال القانون وكتابة الدساتير ، وهيمنة الطائفية والإثنية في المجتمع بدلاً من مفهوم المواطنة ، وفرض نظام المحاصصة الطائفية. وها نحن اليوم وبعد مرور ستة عشر عاماً على التغيير  عن طريق الحرب والاحتلال من 2003 إلى 2019 ، ما زلنا نعيش حالة التراجع  المأساوي والفوضى العارمة التي حولت العراق إلى دولة فاشلة. وأخيراً فهذا الكتاب يرسم لوحة متشابكة وعميقة لعراق مريض تسوده الفوضى  والفساد وتموت فيه المواطنة وينتشر فيه العنف  والتقهقر ، وبمنهجية علمية وتعمق في المفاهيم النظرية  وتعدد المصادر وثرائها،  والنظرة الثاقبة للواقع العراقي في مختلف مراحله ، في محالة لفهم الأسباب  والتداعيات دون تقديم الحلول والمقترحات للخروج من هذا الواقع المأساوي. إنها عملية تشخيص سليمة لجسد مريض ومعلول إسمه العراق ، من قبل مفكر وباحث موسوعي وأكاديمي كبير من طراز الدكتور فالح مهدي . 
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit