"معجم المفردات المندائية في العامية العراقية"
    الجمعة 1 فبراير / شباط 2019 - 23:20
    موسى الخميسي
    جريدة الشرق الاوسط
    منظمة اليونسكو تعتمد عام 2019 عاما دوليا للغات الشعوب الاصلية
    اول مبادرة عربية يطلقها باحث عراقي بكتاب
    "معجم المفردات المندائية في العامية العراقية

     تأتي مبادرة منظمة الأمم المتحدة لإعتماد عام 2019 عاما دوليا للغات الشعوب الأصيلة التي مكنتها قدراتها من إبتكار لغتها الخاصة في زمن، لكن العصر الراهن لم يمكنها من المحافظة عليها لأسباب عديدة تتعلق بالعولمة أو الإنحسار أو غلبة اللغات الأخرى. وتأتي هذه المبادرة التي أوكلت مهمتها لمنظمة اليونسكو من أجل التنبيه للحفاظ على لغات السكان الأصليين في بلدان وجودهم والعمل على المحافظة عليها ورعايتها وتنشيطها.      وفي ضوء هذه الدعوة فإن الأمم المتحدة أوصت الدول والمنظمات والجهات الأكاديمية بضرورة دعم السكان الأصليين في المحافظة على لغاتهم وتشجيع النشاطات التي من شأنها ديمومتها وتعليمها للنشء الجديد وتوثيق كل ما يتعلق بها وبتراثها.

    وفي البلدان العربية هنالك عدد من لغات الشعوب الأصيلة التي بعضها معرض لخطر الإنقراض. وما يؤسف له حقا أنه لم يتم التنبه لموضوعها والإهتمام بها على الرغم من الإهتمام الدولي المعروف.

    الباحث والكاتب الدكتورالعراقي قيس مغشغش السعدي، والذي نشط  بالعديد من الفعاليات الثقافية بهذا الخصوص، قدم مناشدة للجهات المسؤولة في العراق، ومخاطبة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في تونس، بالاهتمام باللغة المندائية، ذات الاصول الارامية. وهي لغة طائفة الصابئة المندائيين في العراق وجنوب ايران، والتي تعد من أبرز اللغات المعرضة لخطر الإنقراض، ذلك أن المتحدثين فيها لا يتجاوز حسب اعتقاد المؤلف، عددهم اليوم 100 فردا، كما أن تحدثها داخل الأسرة قد توقف منذ عشرات السنين. وما حافظ على بقائها أنها اللغة التي مازالت تستخدم في طقوسهم الدينية وتنسخ بها كتبهم الدينية. والإهتمام بها ليس من أجل المندائيين أنفسهم، بل لأنها لغة العراقيين الأوائل وبعض إرثهم، وقد ظلت تحفظ صيغهم القواعدية وأساليب بناء ولفظ وإشتقاقات الكلمات التي ما تزال ميزة العامية العراقية لحد اليوم وستبقى .                                                         يقول مؤلف الموسوعة الدكتور السعدي عن هذه اللغة :" كان تسجيلها في أطلس اليونسكو للغات المهددة بالإنقراض لعام 2006 بسعي مني شخصيا، كما قمت بالكثير من النشاطات مساهمة في الحفاظ على هذه اللغة، تمثلت بوضع أول كتاب تعليمي منهجي لها، ثم وضع قرص تعليمي للنطق والتلفظ، كما قمت بوضع قاموس مندائي عربي وبالعكس، وقاموس آخر مندائي إنكليزي وبالعكس، وعملت على تصميم أكثر من حرف طباعي لغرض تسهيل عملية الطبع باستخدام الكومبيوتر، وقمت بإبراز الخط المندائي بأعمال فنية مشابهة لأعمال الخط العربي، وكتبت العديد من المقالات بخصوصها مطالبا الجهات الدولية والعراقية للإهتمام بها، كما تابعت مئات المفردات التي مازالت شائعة في اللسان العراقي وثبّت عائديتها للغة المندائية كفرع نقي من الآرامية الشرقية وعملت على إصدار كل ذلك بهذا الكتاب الموسوم معجم المفردات المندائية في العامية العراقية".

     بعد السومرية التي كان مركز تأسسها وقيام حضارتها في" أور" جنوب العراق، وبعد حضارة "أكد" التي شملت أرض الرافدين وما قام على إثرها من حضارات وبخاصة الآشورية في نينوى شمال العراق وبابل في وسط وجنوب العراق وإعتمادهما للغة الآرامية فيما عرف بالآرامية الشرقية، الشمالية منها لدى الآشوريين والجنوبية لدى البابليين، فإن هاتين اللهجتين هما أساس الألفاظ الشائعة في اللغة العامية المحكية في العراق إضافة الى الألفاظ الدخيلة التي جاءت مع المحتلين والمستعمرين.

    كثيرا ما نسمع تأثر الناس باللغة العامية المحكية أكثر من اللغة العربية الفصحى على الرغم مما للعربية الفصحى من مقومات اللغة الكاملة المتكاملة والثراء الذي لا تضاهيها فيه لغة أخرى. ولا يتعب المرء نفسه في إيجاد أسباب ذلك التأثر، فهو ناجم عن قدرة المفردة واللفظ على تحريك المشاعر والأحاسيس والوجدان بما يجعل النفس متفاعلة مع الكلام . واللغة المندائية، لغة الصابئة المندائيين، وهي من اعتمد هذه اللغة وظل يستخدمها فحافظ عليها نقية خالصة من أية ألفاظ دخيلة بحكم أن المندائيين اعتمدوها لغة تدوين كتبهم الدينية التي قدسوها وحافظوا عليها بشكل متزمت حتى صارت اليوم مرجع الأكاديميين الذين يسعون للوقوف من خلالها على اللغة الآرامية بفرعها الشرقي. ولأن بيئة المندائيين المعهودة هي الجنوب العراقي، فمن الطبيعي أنهم ظلوا يتكلمونها في هذه البيئة. ولسعة انتشارهم في العصور الغابرة ودرجة تأثيرهم في المنطقة ، فقد سادت اللغة التي يتكلمونها وصارت لغة المجتمع خاصة وأنها تتأسس على سومرية حضارة العراق. وإذ انحسر كيان المندائيين فقد ظلت لغتهم الآرامية الشرقية لصق اللسان الحاكي. ومع تنبيه الأكاديميين وبخاصة المستشرقين الى أهمية اللغة المندائية في هذا الخصوص، إلا أن الأمر ظل من وجهة نظر الجميع على أنه تشابه وتقارب في بعض الألفاظ  . لذا حينما دخلت اللغة العربية الى البلدان التي كانت لغتها الأساس اللغة الآرامية لم يجد الجانبان صعوبة في هذا الدخول، مما سهل عملية انتشار اللغة العربية كونها لغة الدين الحنيف الذي سعى المبشرون الى نشر تعاليمه وطقوسه بلغة القرآن العربية الفصيحة . ومع أن العامة صاروا يقرأون القرآن بلغته ويتناقلون الأحاديث النبوية بلغتها، لكنهم يتخاطبون باللغة الأقرب الى فهم العامة. فإن لم يستطع شيخ أو عجوز أو فرد بسيط الفهم والإدراك أو متواضع المستوى التعليمي أن يفهم مقاصد ومعاني اللغة المتقدمة للقرآن الكريم، التي ما زالت تستعصي على مثقفين الى الوقت الحاضر، فإنهم يلجأون الى توضيح ذلك بالمفردات المألوفة والمعروفة المعنى لدى الجميع. وكأنهم بذلك يترجمون الكلمة الى اللفظ الشائع والمستخدم أصلا باللغة التي هي الشائعة. فإن كان هذا أمر شرح وإيضاح القرآن الكريم فما بالك بالشارع والبيت.                                                               

    يقول الدكتور السعدي " من لا يقول من العراقيين "أكو، ماكو" حتى صار سمة اللهجة العراقية، والثابت قاموسيا أن مرجعية هاتين المفردتين من اللغة المندائية، لغة العراقيين القدماء التي ظل الصابئة المندائيون محافظين عليها وإلى اليوم وهكذا فيما سيقرأ القارئ مئات المفردات التي تم تثبيت طريقة ورودها في العامية العراقية ومن ثم لفظها بالمندائية ومعناها العربي والإنكليزي وشرح عائديتها وكيفية ورودها أصلا في الإستخدام مع الأمثلة بشكل أكاديمي. وإن جاء ورود المفردات في الأمثال والأشعار والأغاني القديمة قمت بذكر ذلك تعزيزا وبما يجعل مادة الكتاب مشوقة من هذه الناحية أيضا".

    يؤكد الكاتب بان اللغة المندائية باعتبارها الفرع النقي للغة الارامية الشرقية، والتي كانت سائدة في وسط وجنوب العراق، هي شهادة في المعنى وشهادة في الوجود، فهي حسب رأي المؤلف ، يتداولها اللسان العراقي عامة وعدد من شعوب الدول العربية المجاورة، والتي ترد في اللغة العربية ولا تتأس عليها. كما انها من بقايا لغات سكان وادي الرافدين قبل ان تعتمد وتشيع اللغة العربية على لسانهم، بعد الفتح العربي، بعضها سومري وآخر اكدي آرامي، طمس التعرف على اصولها واستخداماتها السابقة، وصار من يحاول معرفة مرجع هذه الكلمات كباحث الآثار الذي يبحث وينقب، فلا فرق بين التنقيب في الارض العراقية بحثا عن آثار حضارتها، والتنقيب في اللغة العامية العراقية بحثا عن اصول مفرداتها للوقوف على المعاني الاولى لمقاصد هذه الكلمات التي مازالت متداولة والتي غدت تفهم بمدلوها لا بأصولها . يقول المؤلف " وفي كل ذلك وجدت نفسي كمنقب الآثار الذي يبحث عن اللقى الثمينة المدفونة بين المفردات التي علاها غبار الزمن فمُسحت بعض أحرفها ودُمج الآخر وربما طـُمست إلاّ من حرف أو نغمة. ولا شك أن مثل هذا العمل تكتنفه صعوبات جمة، ذلك أن الباحث فيه ليس أمام تدوين لمفردات اللغة العامية المحكية ومن ثم البحث في أصول هذه المفردات وألفاظها بحسب ما متوافر من تلك الكلمات أبجديا، بل هو إزاء الذي مازال محكيا في اللغة العامية وذا مرجعية في اللغة المندائية كوريث للآرامية الشرقية. فالأمر يتطلب المتابعة لما بين اللغة المندائية واللغة العامية من مفردات وألفاظ ومعاني والعكس. وهذا ما لم يتم تناوله سابقا".                                                                                       نرى أن على البلدان العربية ضرورة الإهتمام بلغات الشعوب الأصيلة في بلدانها وأن تتجاوب مع مبادرة الأمم المتحدة وتتعاون مع منظمة اليونسكو في هذا الخصوص وتسند المبادارت التي من شأنها أن تدعم تدوين وتنشيط هذه اللغات في الوطن العربي عامة، كما ندعو كل المخلصين وجميع المؤسسات الرسمية المختصة في دولة العراق، أن تعمل بشكل فعلي وسريع على دعم لغات الاقليات العراقية الاخرى جنبا الى جنب اللغة المندائية لأنها مهددة تماما بالإنقراض وهي من الإرث الحي الذي تميزت به ارض وادي الرافدين، والتي مازالت تحفظ أصول المئات من المفردات التي يتحدث بها الشعب العراقي ومرجعيتها سومرية وأكدية بامتياز.

    ويأتي كتاب" معجم المفردات المندائية في العامية العراقية" الذي تبنت إصداره مؤسسة مسارات للتنمية الثقافية والإعلامية ودار الرافدين للطباعة والنشر توافقا مع قرار الإمم المتحدة ليكون أول إصدار بهذه المناسبة، بأمل أن يتم التنبه لموضوعة لغات الشعوب الأصيلة في الوطن العربي وتقديم الرعاية الرسمية والأكاديمية لها.

    رومــا : موسى الخميسي
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit