(الشارع الإلكتروني) بين الحاكم والمحكوم
    السبت 9 فبراير / شباط 2019 - 05:04
    د. محمد فلحي
    أستاذ جامعي في الإعلام
    يستند النظام الديمقراطي على ركائز عدّة من أهمها التواصل بين الحاكمين والمحكومين،فهناك عقد مشترك يربط بينهما وفق آليات الانتخاب والتمثيل السياسي،وقد تزامنت تجربة العراق الديمقراطية،في مطلع القرن الحادي والعشرين ،مع ثورة تقنيات المعلومات التي يشهدها العالم كله،حيث سقطت حواجز المنع و الرقابة،وسهلت مواقع التواصل الاجتماعي عملية الاتصال الانساني،وفتحت الأبواب والنوافذ المغلقة،في هيكل النظام السياسي والإداري،فأصبح صوت الناس مسموعاَ،لحظة بلحظة،من قبل القادة والمسؤولين، الذين يحتمون سابقاً في قلاع حمراء أو مناطق خضراء موصدة!

    نبض الشارع يقاس اليوم عبر فيس بوك وتويتر ويوتيوب وغيرها من المواقع الإلكترونية،وهذا (الشارع الإلكتروني) لا يقل ضجيجاً عن زحام الشارع الحقيقي،بل قد يتقدم  الأول على الثاني ويسبقه ويمهد لحركته ويعمل على توجيهه وتحشيده وتحريضه وتغطيته،كما حصل في ما سمي بثورات الربيع العربي قبل أعوام،عندما تحركت الحشود المليونية في الشارع وفق توجهات تغطيات الفضائيات وتبليغات مجموعات مواقع التواصل الاجتماعي!

     هناك حالة من الإدمان الجماهيري في التطلع من خلال مواقع التواصل الإلكترونية،على صورة الوطن ومعاناة الناس، في ظل ظاهرة إعلامية شعبية،غير مسبوقة، مفتوحة أمام الجميع، بدون استثناء،وأن الرقابة فيها ضمير الكاتب نفسه، فقد أصبحت تدوينات الناس أكثر تأثيراً في مخاطبة الحاكم وإيصال أصوات المظلومين،وباتت تلك الكتابات، التي تفتقد أحياناً لحرفية الفن الصحفي،وتفتقر للسلامة اللغوية والصياغة السليمة، أسرع وصولاً إلى الحق والحقيقة، من الكثير من المؤسسات التقليدية الحكومية والأهلية الضخمة،التي ضاع خطابها وسط طبول الحرب النفسية، وضجيج القدح والمدح، في حفلات التسقيط والتضليل المستمرة!

      لعل ما يلفت النظر،في تلك الكتابات الإلكترونية الشعبية أن الكثير منها يدور حول قضايا شخصية وعامة، لم يجد أصحابها وسيلة لعرضها على بعض المسؤولين سوى اللجوء إلى المواقع الإكترونية،وبالأخص الفيس بوك، من أجل الوصول إلى أنظار أولئك المسؤولين المغلقة أبوابهم في اغلب الاحيان!

      ما دمنا نعيش في ظل نظام ديمقراطي برلماني،كما يفترض، مثل بقية الأمم المتحضرة، فإن المنصب  ينبغي أن يكون مسؤلية وليس امتيازاً، وإن من ابرز دلائل فشل  المسؤول، مهما كان موقعه، كثرة الشكاوى والتظلمات المنشورة عن دائرته، فصوت الناس، الذي يشق عنان السماء- وقد يتحول في لحظات اليأس إلى غضب مدمر- أصدق أنباءاً من كل التصريحات والادعاءات والشعارات!

    إذا كان نشر قضايا الناس في وسائل الإعلام الجديدة،وبخاصة مواقع التواصل الاجتماعي، لم يعد مشكلة بسبب كثرتها وتنوعها- أقصد كثرة القضايا، وتنوع وسائل الإعلام الإكترونية!- فإن مدى الاستجابة من قبل المسؤولين وكيفية تعاملهم مع القضايا الشخصية والعامة المنشورة، تظل هي المشكلة الحقيقية،وخلال متابعتي لما ينشر من الشكاوى لاحظت ثمة فرق في ذلك كثير، فهناك مسؤول مخلص شريف لكنه لا يعلم أحياناً، فيستعين بالمكتب الإعلامي لكي يعلم ما يدور في دائرته وحولها وخارجها،ومن ثم يحرص على متابعة وسائل النشر التقليدية والإكترونية، ومعالجة مشاكل الناس ومنحهم حقوقهم المشروعة،وقد يبادر إلى أن يكون فوق صلاحيات وقيود المنصب، في اتخاذ قرار إنساني، من أجل إنصاف مواطن مظلوم أو تلبية حاجة إنسان ملهوف، لأن رحمة المسؤول ورؤيته الإنسانية قد تكون في بعض المواقف أوسع  من قسوة القانون وجموده، وإذا ما ضاقت نصوص القانون عن استيعاب مصالح الناس، فعلى المسؤول أن يتحرك لطلب تغيير القانون أو تشريع غيره،من قبل الجهة التشريعية المعنية،وفق رؤية حضارية، تتناغم مع حاجات المجتمع وضرورات الحياة!

     وهناك نموذج آخر مختلف تماماً من المسؤولين الذين أصابهم الجمود الإداري، فأصبحوا يعانون من تيبس المشاعر الإنسانية، لذا نجدهم يتخندقون في مكاتبهم، ويتمترسون وراء بوابات محكمة،تاركين مفاتيح أبوابهم بيد ثلة من السكرتارية والمعاونين والحماية والمكاتب التي تسمى بـ(الإعلامية) وأغلبهم من غير المتخصصين في الإعلام والعلاقات العامة،فلا يصل إلى أنظار المسؤول إلا ما يريد هؤلاء الموظفين تمريره!

    ولكي يأخذ الأمر صيغة موضوعية، بدلاً من هذه الانطباعات الشخصية، وفي ضوء التخصص الأكاديمي، اقترح على طلبة الدراسات العليا في كلية الإعلام أو أية جهة معنية بالبحث الإعلامي،وضع مشروع بحث علمي أو رسالة أكاديمية تتناول جرد وتحليل شكاوى المواطنين المنشورة في مواقع التواصل الاجتماعي،خلال فترة زمنية محددة، للخروج بنتائج دقيقة ومحددة عن أسماء الوزارات والدوائر التي تدور حولها تلك الشكاوى،والموضوعات والقضايا المطروحة، وكيفية الاستجابة والرد من قبل المسؤولين على تلك المنشورات،ومدى الجدية في معالجة مشاكل الناس،والتفاعل الحقيقي مع همومهم، من خلال جداول إحصائية ورسوم بيانية،تكشف عن نجاح أو فشل المسؤولين ودوائرهم ومكاتبهم الإعلامية، وتجعلهم تحت الرقابة والمسائلة القانونية،من قبل مجلس الوزراء ومجلس النواب وهيئة النزاهة، وهذه الطريقة العلمية ينبغي أن تكون محايدة وموضوعية ومنزهة من أية أغراض شخصية، وهي إحدى الطرق المعروفة في تحليل المضمون الإعلامي وقياس الرأي العام..لعلها تكون ذات فائدة إذا كنا ديمقراطيين حقاً وحقيقة!!

    "الصباح"
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit