هو من لا يصدق بما يقولون
    الأحد 10 فبراير / شباط 2019 - 16:14
    أ. د. محمد الدعمي
    كاتب ومؤلف وباحث أكاديمي/أريزونا
    عندما يرفض القائد الأعلى، في أية دولة في العالم، أن يصدّق أو بخبر أو بما يقوله مساعدوه ومعاونوه من كبار الوزراء ورؤساء الأجهزة الأمنية والسيادية، يتضاعف الخوف لديهم ولدى الجمهور عامة من انفراده، بل ومن تحوله إلى "دكتاتور” منفرد يصيغ كل القرارات بنفسه، زد على ذلك ما يؤول إليه حال هؤلاء الذين يعاونونه على اتخاذ القرارات المهمة من شعور بالهوان وعدم التقدير.
    والحق، فإن هذين الرأيين هما اللذان ينتشران اليوم بين فئات الجمهور الأميركي، بقدر تعلق الأمر بالرئيس "الظاهرة”، دونالد ترامب. إذ إن الأميركان وجدوا الأمر مقبولا وممكن التمرير عندما أعلن ترامب، مرشحا للرئاسة، بأن ما يشاع عبر العالم حول ازدياد حرارة الأرض وحول الخشية مما ستؤول إليه هذه الزيادة من كوارث طبيعية تهدد مصير الكوكب كلية. إلا أن ما حدث قبل بضعة أيام عندما رفض الرئيس ترامب أن يصدق ما نقله إليه معاونوه الاستخباريون حول الأوضاع في الشقيقة سوريا والعراق وكوريا الشمالية، زيادة على عدة "تحقيقات مولر” الشهيرة حول تعاون حملته الانتخابية مع موسكو، تلك التحقيقات التي عدّها "حملة اصطياد ساحرات”، يزيد من المخاوف المذكورة في أعلاه، أي من "الانفرادية” المفرطة.
    بل، إن طريقة تعامله مع قادة الوكالات الاستخبارية، ومنها المخابرات المركزية CIA ومكتب التحقيقات الفيدرالي FBI، بدت مهينة بعض الشيء خصوصا عندما أجلسهم جميعا أمام منضدته بالبيت الأبيض وكأنهم "تلاميذ” صغار في صف دراسي، ناهيك عن نصحهم على "تويتر” بالعودة "إلى المدارس”.
    الرئيس ترامب لا يصدق ما قيل له عن التزام إيران بالاتفاق النووي الذي أبرم مع إدارة الرئيس السابق، أوباما، مزيدا من اتهاماته لها بالخروقات، ومعلنا بأنها ليست "روضة أطفال”، كما أنه يرفض تقارير وكالة المخابرات المركزية التي تفيد بأن النظام الكوري الشمالي إنما يلعب مطاردات "توم وجيري” مع الولايات المتحدة، وأن التقارب مع الرئيس الكوري، كيم إيل يونج، يشبه اللعب بالنار. إلا أن للمرء أن يفترض بأن رفضه التصديق بما نقله إليه قادة الاستخبارات إنما يراد منه مناورة مهمة، بل وخطيرة، خصوصا بقدر تعلق الأمر بالشرق الأوسط، بدليل أنه أعلن، بعدئذ، أن القوات الأميركية لن تغادر العراق، مكررا هذا الإعلان بعد يوم واحد، في مقابلته مع برنامج "واجه الأمه”، موسعا من إيضاح أسبابه لبقاء القوات الأميركية في العراق بما يفيد بأنه لا يريد من هذه القوات فقط توجيه ضربات عسكرية لإيران عند الحاجة، ولكنه يريد لها أن تبقى عصى غليظة في قلب الشرق الأوسط يلوح بها "لحماية إسرائيل”، وللردع في أية لحظة تظهر فيها الحاجة لحماية المصالح الأميركية، محيلا بقاءه العسكري في العراق إلى "فنار” دائم المراقبة، محتفظا لأميركا باليد العليا عبر الإقليم الغني والمضطرب بأكمله. هذه هي المرة الأولى، منذ نهاية العصر الذهبي للامبراطوريات الأوروبية التي نشهد بها بقاءً عسكريا ثابتا رسميا في واحدة من أهم دول الشرق الأوسط من أجل التلويح بالعصا الغليظة!
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit