عمر الكون ومعضلة الزمن 6
    الجمعة 1 مارس / أذار 2019 - 17:15
    د. جواد بشارة
    عندما نتوهم أن الحاضر  هو واقع حقيقي مستمر و لا ندرك أنه يتحول إلى ماضي خلال ثواني ويتجه نحو المستقبل باستمرار دون توقف ، ولا ندرك أن ذلك يحدث على الصعيد النفسي أو السيكولوجي  والشعوري فهذا يؤشر إلى حالة من غياب الإدراك والفهم أو الوعي الصحيح. فالعلم الفيزيائي بدأ قبل فترة وجيزة الإهتمام بمفهوم الزمن و" مروره " أو " تدفقه" المعنوي وليس الفيزيائي من خلال دراسة سيرورة عمل الدماغ البشري . فلو دار المرء بسرعة حول نفسه وتوقف فجأة فسوف يشعر بدوخان ويتكون لديه انطباع أو شعور بأن العالم يدور من حوله ولكن ما تراه عينيه خاطيء فحركة العالم حول الجسم وهم بصري  سببه دوران السائل في الأذن الداخلية ويمكن تطبيق ذلك على حالة إدراك التدفق الزمني. شيئان من عدم التناسق الزمني يخلقان الشعور بتدفق ومرور الزمن  وهما: أولاً: التمييز الثرموديناميكي بين الماضي والمستقبل، كما لاحظ الفيزيائيون فمفهوم الأنثروبي ( النظام) مرتبط بالمعلومات الموجودة في نظام ما. لذلك فإن تشكل الذاكرة هو سيرورة أحادية الإتجاه unidirectionnel فالذكريات الجديدة تضيف معلومة للمعلومة المخزونة عن طريق التراكم المعرفي والمعلوماتي ويزيد من مستوى الأنثروبي في الدماغ حينئذ نشعر بأننا ندرك هذا الاتجاه الأحادي كما لو إنه تدفق للزمن ومرور للوقت.  وثانياً هو ن إدراكنا للتدفق مرتبط ، بطريقة أو بأخرى، بالميكانيك الكمومي أو الكوانتي. فمنذ بواكير صياغة هذه النظرية الفيزيائية تقبل العلماء أن الزمن مدرج في سياقات هذه النظرية  على نحو متفرد مختلف عن المكان عكس ما طرحه آينشتين حول وحدة المكان والزمان في نسيج " الزمكان" فالدور الخاص للزمن هو أحد الأسباب التي جعلت توحيد الميكانيك الكمومي أو الكوانتي مع النسبية العامة صعب جداً إن لم نقل مستحيل. فمبدأ الريبة أو اللادقة لهيزينبيرغ يقول أن الطبيعة غير حتمية بذاتها وتوحي بأن المستقبل مفتوح والماضي أيضاً وإن هذه اللاحتمية تتجلى على مستوى أو نطاق ذري أو مجهري  وما دون ذري. فالخصائص المرئية أو المرصودة والمشاهدة التي تميز أي نظام فيزيائي هي غير محددة وغير دقيقة ولا حتمية من لحظة إلى أخرى . فعلى ل سبيل المثال، إن الإلكترون الذي يصطدم بذرة يمكنه أن يقفز إلى أي موضع أوأي اتجاه، ومن المستحيل التنبوء بمكانه مسبقاً، و لا معرفة مآل هذا الحدث إلا من خلال الإحتمالية. فاللاحتمية الكمومية أو الكوانتية توحي بأنه في أية حالة كمومية أو كوانتية خاصة يوجد عدد  لا محدود من الأزمنة المستقبلية البديلة  أو عدة "واقعات " كامنة قد يصل عددها إلى اللانهاية. فالميكانيك الكمومي أو الكوانتي يزودنا بالاحتمالات المتعلقة بكل حل ممكن الحدوث وبكل مخرج قابل للمشاهدة والرصد لكنه لايشير على الإطلاق لأي مستقل ممكن سيصبح عليه الواقع . ولكن عندما يقوم مراقب بشري بعمل قياس وحساب فسوف يخرج بنتيجة واحدة فقط. فالإلكترون المعرض للقياس والحساب سوف يتجه باتجاه واحد معلوم بعد قفزته . ففعل القياس والمشاهدة أو الرصد سوف يفرز واقعاً واحداً من بين عدد لامتناهي من الواقعات الممكنة. فبالنسبة للمراقب ، يغدو الممكن واقعاً والمستقبل المفتوح يغدو ماضياً ثابتاً مما ينطبق تماماً على ما نعرفه على أنه مرور أو تدفق الزمن . بعض العلماء الكلاسيكيين يعترض على هذه الفرضية لكن البعض الآخر ، ممن يعتقدون بصحة نظرية العوالم والأكوان المتعددة، يتقبلون هذا التفسير. ففعل الرصد والمراقبة ووعي المراقب الذي يقوم بعملية الحساب والرصد يدفع الواقع إلى الانشطار ويدفع الطبيعة لكي تقرر. وقد أعرب بعض الباحثين مثل روجيه بينروز ، الأستاذ في جامعة أوكسفورد، عن اعتقاده بأن الانطباع أو الشعور بمرور الزمن يمكن أن يكون مرتبطاً بالسيرورة الكمومية أو الكوانتية التي تحدث داخل الدماغ فهي مصدر مثل هذا الشعور.
    لم يعثر العلماء لحد الآن على عضو عضوي داخل دماغ الإنسان يكون مختصاً بالزمن كما هو الحال مع  القشرة البصرية في الدماغ المسؤولة عن الرؤية . ويمكن في المستقبل القريب أن يتوصل العلماء إلى حقيقة عمل ووظائف السيرورات الدماغية المسؤولة عن إدراكنا لمرور الوقت وجريان الزمن على المستوى الشعوري . حينئذ يمكن التفكير بصنع دواء لوقف هذا الإدراك . أما إذا تمكن العلم من إثبات عبثية مفهوم مرور و أو تدفق الزمن فلن يقلقنا بعد ذلك قلقنا وخشيتنا من المستقبل وألا ناسف على ما حصل لنا في الماضي و لا الخوف من الموت أو الولادة. و لا الانتظار أو الحنين حيث سيكونان من بين المفردات البشرية.
    هناك أيضاً ما يدعى بحالة نفاذ الصبر ، فلم يعد المرء يحتمل الانتظار أمام شباك التذاكر أو المعاملات الإدارية و لا الوقت الذي يحتاجه الكومبيوتر للانطلاق والعمل أو تنفيذ أمر أو عندما يكون الباص أو الميترو أو القطار متأخراً ، حتى أن البعض تشكل لديه نفور مرضي من الدخول إلى الإدارات الحكومية لإنجاز معاملاته خاصة في بلدان العالم الثالث حيث طوابير الانتظار طويلة ولاتطاق ، وهذا يشير إلى تسارع إيقاع الحياة والعمل والتواصل الآني بين الناس عن طريق الانترنت ووسائل الاتصال الاجتماعي لقد انتهى البريد العادي والرسائل التي كان ينتظرها العشاق بفارغ الصبر . من هنا يتساءل علماء الأعصاب عن تداعيات وانعكاسات مثل هذه التغييرات على نمط الحياة وعلى دماغ الإنسان. ومحاولة معرفة آليات العمليات العصبية والدماغية عندما نصل إلى مرحلة نفاذ الصبر وعدم تحمل الانتظار. ماهو الانتظار في الدماغ؟ إن مفهوم الاندفاع قد يساعدنا في فهم عدم تقبل وتحمل الانتظار فالاندفاع هو نزعة التنفيذ بسرعة وفوراً حتى بدون تفكير أو تأمل أو تروي وعدم مراعاة ما يمكن أن يترتب على هذا التسرع والاندفاع من نتائج وتبعات أو تداعيات على المدى القريب أو المتوسط أو البعيد، لأنه ترجمة نفسية  لعدم تحمل مرور الزمن ببطء على الصعيد السيكولوجي المحض . ومن وجهة نظر علم النفس، هناك نوعان من الاندفاع : الأول مرتبط بعملية السيطرة أو عدم السيطرة وعدم القدرة على كبح الاندفاع الآني والفعل الآلي الناجم عن رد الفعل الفوري ، والثاني مرتبط بالاندفاع الانفعالي والتحفيزي ، أي القدرة أو عدم الدرة على القيام باختيار زماني متداخل intertemporels، أي الاختيار بين عدة خيارات يترتب على كل منها تبعات مستقبلية آنية أو مؤجلة ولقد أخضعت تلك الاندفاعات إلى تجارب مختبرية وطبية عديدة لدراسة المناطق الدماغية المتعلقة بذلك . 

    يتبع

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit