أراضي .... و أراضي
    الخميس 4 أبريل / نيسان 2019 - 20:03
    د. هادي حسن عليوي
    وزع عبد الكريم قاسم رئيس وزراء العراق (1958 ـ 1963) الأراضي للفقراء من سكان الصرائف ، فقامت في بغداد مدينتا الثوره ومدينة الشعله .. كما وزع الأراضي على الموظفين ، فقامت أحياء : المعلمين والأطباء والمهندسين والمحامين والضباط والشرطه والبلديات وغيرها .. حتى إنه وزع أراضي للضباط الآمرين في منطقتي زيونه واليرموك ببغداد .. ممن لم يملكوا لا هم ولا أزواجهم دوراً سكنيه .. كذلك عمً التوزيع المحافظات العراقيه الأخرى .. 

    أثناء ذلك قدّم رئيس وأعضاء مجلس السياده .. الذي كان يقوم بمهام رئاسة الجمهوريه وهم : الفريق الركن نجيب الربيعي رئيساً .. والسيدين محمد مهدي كبه وخالد النقشبندي أعضاءً .. طلباً لوزارة الماليه لتخصيص قطع أراضي لتشييد مساكن لهم .. 
    وجدَ محمد حديد وزير الماليه آنذاك : ( إن تلبية هذا الطلب يعتبر نوعاً من المحاباة وإستغلالاً للمنصب ) .. وسيكون ـ إن نُفِّذَ سبباً ـ للطعن بجهاز الدولةِ كاملاً وبمجلس السياده .. ذهبَ الوزير الى عبد الكريم قاسم وأطلعهُ على الطلب وأبدى له تحفظه الشخصي عليه .. وإقترح على الزعيم عبد الكريم قاسم أن يطلب من رئيس وأعضاء مجلس السياده العدول عن طلبهم هذا .. وفعلاً تمَّ له ما أراد بعد لقاء قاسم بمجلس السياده وأغلق الموضوع .. ولم يحصل من يمثلون رئاسة الجمهوريه في زمن عبد الكريم قاسم على قطع أراضي سكن لهم ! . 

    الحقيقه إن حكومة صالح جبر العام 1948 هي أولُ حكومةٍ تتولى توزيع الأراضي في منطقة السعدون على سكان الصرائف ببغداد .. وهي أولُ مرةٍ تحدث في العراق .. فلم يسبق أن وزعت الأراضي للفقراء في العراق .. بل كانت الأراضي الأميريه توزع للشيوخ الذين تحولوا الى إقطاع .. وللأغنياء وكبار المسؤولين المدنيين والعسكريين سواءً في العهد العثماني أوفي العهد الملكي .. أما في العهد الجمهوري الأول لم يتوقف توزيع الأراضي عند حدود الفقراء بل شملت الموظفين والعسكريين ممن لا يملك ( لا هو ولا زوجته ) أرضاً أو بيتاً يسكن فيه . 

    أصبحت حالة توزيع الأراضي لصغار الموظفين لاحقاً حالة عامة .. وتشكلت جمعيات تعاونية للإسكان .. وتوسعت الحالة لتشمل في عهد صدام إقامة أحياء خاصه للوزراء ولقيادة حزب البعث وللأجهزة الأمنيه .. ووفرت في هذه الأحياء كل المستلزمات المطلوبه للمناطق السكنيه حتى الأمنيه . 

    بين النزاهةِ .. والإستحواذ :
    بعد العام 2003 إستلم كل المسؤولين والنواب والقاده العسكريون وحاشيتهم أراضي متميزه في بغداد والمحافظات .. وقرض عقاري 100 راتب .. علماً إن جميع هؤلاء يشغلون قصوراَ ودور الوزراء والمسؤولين في النظام السابق وبعضهم سجلها بإسمه .. وإشتروا قصوراً وفلل وعمارات في الأردن ومصر والإمارات وأثينا ولندن وكندا .. وفي أجمل الجزر الأوربيه عدا البساتين والمزارع .. وبنو قصوراً في بغداد .. واستحوذوا على قصور ودور وشقق الأجهزه الأمنيه لنظام صدام بالقوةِ والتزوير .. فعلى سبيل المثال لا الحصر : السيد بهاء الأعرجي نائب رئيس الوزراء سابقاً يملك نصف منطقة المحيط في الكاظميه .. إستولى عليها بطرق غير مشروعه كما أكدته تحقيقات هيأة النزاهةِ !!

    وفضح وزير الدفاع السابق خالد ألعبيدي خلال إستجوابه في الأول من آب 2016 في مجلس النواب النائبه عاليه نصيف بالإستحواذ وتسجيل 157 داراً من دور موظفي النظام السابق بإسمها وأسماء أقاربها .. وسلّم ملفات هذه الحالات الى هيأة النزاهةِ !! . 

    بالمقابل فإن توزيع الأراضي للآمرين العسكريين بعد ثورة 14 تموز 1958 إستمر بشكل إنسيابي .. بإستثناء حالتين لم يستلم إثنان من كبار الضباط هذه القطع .. فلم يقدم الزعيم الركن عبد الكريم قاسم طلب إستلام قطعة أرض الآمرين في مدينة اليرموك .. مؤكداً إنه لا تشمله الضوابط .. لأنه غير متزوج .. وهو رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحه .. وهو الذي يوزع الأراضي .. بل إنه تبرّع بقطعة الأرض التي ورثها من أبيه في مدينة الصويره ليُشيَّد عليها مدرسه ثانويه ما زالت قائمه حتى الآن .. أما الشخصيه الثانيه التي رفضت إستلام قطعة الأرض المخصصه للآمرين العسكريين فهو العقيد فاضل عباس المهداوي .. رئيس المحكمه العسكريه العليا الخاصه .. مؤكداً إن زوجته ورثت بيت أبيها .. فلا داعي لإستلام قطعة أرض !! . 

    ونسجل هنا إن كل المسؤولين المدنيين والآمرين العسكريين الذين تسلموا قرض العقاري لبناء قطع أراضيهم بعد ثورة 14 تموز 1958 كانوا يسددون قرض العقاري كل شهر دون إنقطاع .

    ونسجل بإمتياز إن كل المسؤولين بعد 2003 حتى اليوم .. لم يسددوا أية قسط من أقساط قرض أل 100 راتب لصندوق الإسكان حتى الآن!! .... ( يا سلام على مسؤولينا الحاليين ) .

    الإنتخابات .. والأراضي :
    وفي عراق اليوم تستغل الكتل السياسيه الدعايه الإنتخابيه لمجالس المحافظات والإنتخابات النيابيه أولاد الخايبه الذين يعيشون في بيوت الطين والتنك ( المتجاوزين ) .. ويبدو إن كلَّ الكتل متفقةٌ على عدم حل مشكلتهم وإسكانهم بشكل لائق .. فكل إنتخابات ينطبق عليهم المثل (هزي تمر يا نخله ) .. فالكتل السياسيه تعدهم بالتمليك .. أو يعدوهم بإسكانهم ببيوت أو شقق سكنيه .. وبعد سرقة أصواتهم وإنتهاء الإنتخابات.. الجماعه يلحسون كلامهم .. 

    في أيلول العام 2013 تم تسليم سندات تمليك قطع أراضي لبعض ولد الخابيه في محافظة ذي قار وغيرها وفرح المساكين .. لكن إتضح فيما بعد أن سندات التمليك التي منحت لهم غير قابله للتسجيل في دوائر التسجيل العقاري .. لأنها سندات لأراضي وهميه ( فضائيه ) !!
    ولم تتوقف الحكومتين (السابقه والحاليه) من توزيع أراضي فضائيه .. فقد إكتُشِفَ مؤخراً إن سندات الأراضي التي وزعت لأسر شهداء الحشد الشعبي في أوائل العام 2016 كانت أيضاً لأراضي فضائيه .
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit