قبسات نورانية من الأمام موسى بن جعفر(عليه السلام) / 3
    الأثنين 8 أبريل / نيسان 2019 - 16:22
    عبود مزهر الكرخي
    من الملاحظ ومن خلال قراءتي للعديد من المصادر توحي بأن الأمام ضعيف وخانع ولا يقف بوجه الظلم والحكام من بنو العباس  وأنهم مستسلمون لهذا القدر ولا يجادلون ولا يقفون من أجل الحق وهذا يشمل أغلب ائمتنا المعصومين مع الحكام الطواغيت من بنو أمية وبنو العباس والحقيقة غير ذلك فأئمتنا المعصومين كانت لهم الكثير من المواقف الشجاعة التي تشهد بقولهم الحق وعدم الرضوخ أو مداهنة الباطل والخضوع للحاكم الجائر مهما كانت سلطته لأنه كان يحفظ مكانة ومنزلة الإمامة وشخصية الأمام في نظر كل الناس وبالأخص الشيعة أما مسألة الحكم والخلافة فهي بنظر الأمام المعصوم هي مسألة دنيوية وهي لاتشكل عظيم الأمر بالنسبة للإمامة وحفظ جوهرها الأصيل والمتألق وعدم التفريط به، وذلك لأنها مسألة ربانية تتعلق بالوصاية وحمل مواريث الأنبياء والأوصياء وكذلك علم الأولين والآخرين وخزائن السموات والرض وهذا ليس بالشيء الهين والقليل وهذا ما أشار اليه القرآن العظيم بقول الله سبحانه وتعالى { إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا }(1).

    لأنه حمل مثل هذه الأمور الربانية يحتاج إلى أوصياء في الأرض يكونوا على قدر هذه المهمة الجسيمة ويتم اختيارهم من قبل الله سبحانه وتعالى يتم فيها اصطفاء رباني لهؤلاء العباد الصالحين وهم عباد مكرمون والذي يورثهم الكتاب والانبياء مصداقاً لقوله الله في محكم كتابه { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ }(2).

    وذكروا في تعريف الخلافة أنّها: الرئاسة العامّة في التصدّي لإقامة الدين بإحياء العلوم الدينية وإقامة أركان الإسلام، والقيام بالجهاد وما يتعلّق به من ترتيب الجيوش والفرض للمقاتلة وإعطائهم من الفيء، والقيام بالقضاء وإقامة الحدود ورفع المظالم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نيابة عن النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم)(3). ومن هنا فأن المراد من الخلافة هو الحكم الظاهري ورئاسة الحكومة وبالتالي أدارة مرافق الدولة وهذا لمن بقوم مقام النبي وحتى لو لم ينصه النبي. ولكن عند مذهب الأمامية لا تكون إلا بنص من النبي(ص)لما لها ومعرفة حقيقتها في أن هذا الحكم عن النبي(ص)في جميع شؤونه وبالتالي تكون خلافة من الله أي يكون امام عادل يحكم هذه البلاد.

    ولهذا جاء زعم باقي الفرق بعدم صلاحية الأمير للحكم وأن الله لايستخلف أحد لأنه ممنوع. ولكن لو رجعنا إلى القرآن الكريم بكون داود(عليه السلام) خليفة الله، وأنّه قد وصف بهذا في القرآن العظيم(4)ولكن الانحراف عن هذا المفهوم جاء لتصحيح مسيرة الخلفاء الثلاثة وعملوا من اجل ذلك في أثبات صحة نظريتهم وخلافتهم بالشورى حتى اعتبروا جزء من ذلك. ولو كان هذا الكلام صحيح كيف تم ترك الخليفة الأول والثاني بدون هذه الوصية ولم ينصبوا رئيساً للحكم ولهذا كانت هذه النظرية هي نظرية وغير قابلة للتطابق مع مفاهيم الإسلام والدين المحمدي الصحيح

    أمّا الإمامة فهي الخلافة الإلهية التي تكون متمّمة لوظائف النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإدامتها، عدا الوحي, فكلّ وظيفة من وظائف الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، من: هداية البشر، وإرشادهم وسوقهم إلى ما فيه الصلاح والسعادة في الدارين، وتدبير شؤونهم، وإقامة العدل، ورفع الظلم والعدوان، وحفظ الشرع، وبيان الكتاب، ورفع الاختلاف وتزكية الناس وتربيتهم، وغير ذلك.. كلّها ثابتة للإمام، فما أوجب إدراج النبوّة في أُصول الدين هو بعينه الذي أوجب إدراج الإمامة بالمعنى المذكور فيها(5).

    ويشهد لكون الإمامة من أُصول الدين: أنّ منزلة الإمام كمنزلة النبيّ في حفظ الشرع، ووجوب اتّباعه، والحاجة إليه، ورياسته العامّة، بلا فرق.

    وقد وافق على أنّها من أُصول الدين جماعة من مخالفي الإمامية، كالقاضي البيضاوي(6).

    فالإمامة ليست مجرّد زعامة اجتماعية وسياسية, فلو كانت كذلك لكان الإنصاف أنّها من فروع الدين كسائر الواجبات الشرعية من الصوم والصلاة وغيرها، ولكن الشيعة لا يكتفون بمجرّد هذا المعنى، بل هي عندهم لطف إلهي كالنبوّة، فتكون أصلاً لا فرعاً.

    ويمكن الاستدلال لذلك مضافاً إلى ما ذكر بقوله تعالى: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغ مَا أُنزِلَ إِلَيكَ مِن رَبِّكَ وَإِن لَم تَفعَل فَمَا بَلَّغتَ رِسَالَتَهُ }(7).

    ؛ فإنّ الآية بعد كونها نازلة في الإمامة والولاية عند أواخر حياة الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم)، دلّت على أنّها أصل من أُصول الدين؛ إذ الإمامة، على ما تدلّ عليه الآية المباركة، أمر لو لم يكن كان كأن لم يكن شيء من الرسالة والنبوّة، فهذه الآية تنادي بأعلى صوت: أنّ الإمامة من الأجزاء الرئيسية الحياتية للرسالة والنبوّة، فكيف لا تكون من أُصول الدين؟

    وأيضاً يمكن الاستدلال بقوله تعالى في سورة المائدة، التي كانت آخر سورة نزلت على النبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم): { اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسلامَ دِيناً }(8).

    ؛ فإنّ الآية، كما نصّت عليه الروايات، نزلت في الإمامة والولاية لعليّ(عليه السلام)، ويؤيّده: عدم صلاحية شيء آخر عند نزولها لهذا التأكيد، فالآية جعلت الإمامة مكمّلة للدين ومتمّمة للنعمة، فما يكون من مكمّلات الدين ومتمّماته كيف لا يكون من أُصول الدين وأساسه؟

    هذا مضافاً إلى الحديث النبوي المستفيض عند الفريقين، أنّه قال رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم): (من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية)، وهذا الحديث يدلّ على أنّ معرفة الإمام إن حصلت ثبت الدين، وإلاّ فلا دين له إلاّ دين جاهلي(9).

    ولنعد الى موضوعنا لنبين صلابة الامام في الامور الخاصة في الدين وعدم حيوده عن الحق لنستعرض بعض الروايات.

    صلابة موقف الأمام :

    ومن الروايات التي تشير إلى ذلك. المهدي موسى بن جعفر رأى المهدي في النوم علي بن أبي طالب وهو يقول: يا محمد { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ }.(10)

    ، قال الربيع: فأرسل إلي ليلا فراعني ذلك، فجئته فإذا هو يقرأ هذه الآية ـ وكان أحسن الناس صوتاً ـ وقال: علي بموسى بن جعفر. فجئته به فعانقه واجلسه إلى جانبه وقال: يا أبا الحسن اني رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في النوم يقرأ علي كذا، فتؤمنني ان تخرج علي أو على أحد من ولدي؟ فقال: الله لا فعلت ذلك ولا هو من شأني، قال: صدقت، يا ربيع اعطه ثلاثة آلاف دينار ورده إلى أهله إلى المدينة، قال الربيع: فأحكمت امره ليلا، فلما أصبح إلاّ وهو في الطريق خوف العوائق. وهذا يدلل على المنزلة الآلهية التي اختص بها الأمام وأنه يسير ويعيش بعين الله رحمته.

    وعلى يده عليه السلام تاب بشر الحافي(11). لأنه عليه السلام اجتاز على داره ببغداد، فسمع الملاهي وأصوات الغناء والقصب تخرج من تلك الدار، فخرجت جارية وبيدها قمامة البقل، فرمت بهافي الدرب: فقال لها: يا جارية! صاحب هذه الدار حر أم عبد؟ فقالت: بل حر فقال:

    صدقت، لو كان عبدا خاف من مولاه!.

    فلما دخلت قال مولاها وهو على مائدة السكر: ما أبطأك علينا؟ فقالت وعندما سمع ما نقلته من قول الإمام : "صدقت لـو كان عبداً لـخاف من مولاه" اهتز هزةً عنيفة أيقظـتة من غفلـته ، وأيقظته من نومته ، نومة الغفلـة عن الله ، ثم سأل بشر الجارية عن الوجهة التي توجه إلـيها الإمام (عليه السلام) فأخبرته فانطلق يعدو خلفـه ، حتى أنه نسي أن ينتعل حذاءه ، وكان في الطريـق يحدث نفسـه بأن هذا الرجل هو الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام ) .

    وفعلاً لـحق بـالإمام واعتذر وبكى ثم هوى على يد الإمام يقبلـها وكان لسـان حاله يقول : سيدي أريـد من هذه الساعة أن أصبـح عبداً ولـكن عبداً لله ، لا أريد هذه الحرية المذلـة التي تأسر الإنســانية فّي ، وتطلق العنان للـشهوة الحيوانـية ، لا أريد حرية السعي وراء الجاه والمنصـب ، لا أريد حرية الخوض في مستنقع الذنـوب وأغدوا أسيـراً لـها لا أريد أن تؤسر فيّ الفطرة السليـمة والعقل السليم ، من هذه الساعة أريد أن أصبح عبداً لله ولله وحده ، حراً تجاه غيره .

    وتاب بشـر على يد الإمام الكاظم (عليه السلام) ومنذ تلك اللحظـة هجر الذنوب ونـأى عنها وأتلف كل وسائل الحرام ، واقبل على الطاعة والعبادة ، حتى أصبح من زهاد أهل زمانـه(12) .

    كان موقف الإمام موسى (عليه السلام) من الطاغية هارون موقفاً سلبياً تمثلت فيه صرامة الحق وصلابة العدل، فقد حرم على شيعته التعاون مع السلطة الحاكمة بأي وجه من الوجوه، فكره لصاحبه صفوان الجمال أن يكري جماله لهارون مع أنها تكرى لحج بيت الله الحرام، فاضطر صفوان لبيع جماله، ففهم هارون، فملئ قلبه بالحقد على صفوان وهمَّ بقتله، وكذلك منع زياد بن أبي سلمة من وظيفته وقد شاعت في الأوساط الإسلامية فتوى الإمام بحرمة الولاية من قبل هارون وأضرابه من الحكام الجائرين، فأوغر ذلك قلب هارون وساءه إلى أبعد الحدود(13).

    إن الإمام (عليه السلام) لم يصانع هارون ولم يتسامح معه فكان موقفه معه صريحاً واضحاً فق دخل عليه في بعض قصوره المشيدة الجميلة التي لم يُر مثلها في بغداد ولا في غيرها، فانبرى إليه هارون وقد أسكرته نشوة الحكم قائلاً:

    ما هذه الدار؟

    فأجابه الإمام غير معتن بسلطانه وجبروته قائلاً له:

    هذه دار الفاسقين، قال الله تعالى { سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ }(14).

    ومشت الرعدة في جسم هارون، واستولت عليه موجة من الاستياء فقال للإمام: دار من هي؟

    - هي لشيعتنا فترة، ولغيرهم فتنة.

    - ما بال صاحب الدار لا يأخذها.

    - أخذت منه عامرة ولا يأخذها إلا معمورة.

    - أين شيعتك؟

    فتلا الإمام (عليه السلام) قوله تعالى: { لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ }(15).

    فثار هارون، وقال بصوت يقطر غضباً:

    أنحن كفار؟

     لا،ولكن كما قال الله تعالى:{ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ }(16)

    فغضب هارون وأغلظ في كلامه على الإمام(17).

    إن موقف الإمام (عليه السلام) كان مع هارون موقفاً لا لين فيه، فإنه يراه غاصباً لمنصب الخلافة ومختلساً للسلطة والحكم.

    إلى هنا ينتهي بنا الحديث عن بيان بعض الأسباب التي دعت الرشيد إلى اعتقال الإمام (عليه السلام)، وكيف كان الأمام موسى الكاظم لا يقبل بالباطل ولا يهادنه وكانت كل تلك الأسباب هي التي أدت إلى غضب هارون العباسي والتحين لقتله ودس السم اليه عن طريق اللعين السندي بن شاهك. وكان هذا الفعل المجرم هو يدخل في خانة اشقى الاشقياء ممن عقروا ناقة صالح أو من فلق هام الرأس الشريف لأمير المؤمنين فهم هؤلاء كل افعالهم مجرمة وتدخل في هذا ألأطار.

    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    المصادر :

    1 ـ [الأحزاب : 72].

    2 ـ [فاطر : 32].

    3 ـ انظر: إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء (أردو) 1: 13 المقصد الأوّل، الفصل الأوّل.

    4 ـ  قوله تعالى في سورة ص الآية (26): ((يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرضِ...))، انظر: جامع البيان للطبري 23: 180 الحديث (22947)، وغيره.

    5 ـ  انظر: بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية 2: 15 عقيدتنا في الإمامة.

    6 ـ  انظر: دلائل الصدق 4: 308 - 312 مباحث الإمامة، المبحث الأوّل، الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي 2: 295 الكتاب الثاني: في السنة، الباب الثاني: في الأخبار، الفصل الثاني: في ما علم كذبه.

    7 ـ [ المائدة : 67 ].

    8 ـ [ المائدة : 3 ].

    9 ـ  انظر: بداية المعارف الإلهية في شرح عقائد الإمامية 2: 15 عقيدتنا في الإمامة.

    10 ـ [محمد : 22].

    11 ـ هو بشر بن الحارث الحافي، أورد أبو نعيم الأصبهاني ترجمته في " حلية الأولياء " وقال عنه: ومنهم من حباه الحق بجزيل الفواتح، وحماه عن وبيل الفوادح، أبو نصر بشر بن الحارث الحافي، المكتفي بكفاية الكافي، أكتفي فأشتفي.

    12 ـ منهاج الكرامة في معرفة الإمامة تأليف الحسن بن يوسف بن المطهر (العلامة الحلي). تحقيق الأستاذ عبد الرحيم مبارك. ص 59. من منشورات المكتبة العقائدية في مركز الابحاث العقائدية.

    13 ـ راجع كتاب الكشي، رجال الكشّي ج 2 ص 740 ح 828 .

    14 ـ [الأعراف : 146].

    15 ـ [البينة : 1].

    16 ـ [إبراهيم : 28].

    17 - البحار: ج11 ص270 - 272.

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit