رأينا في العدل/ الجزء الثاني
    الأثنين 8 أبريل / نيسان 2019 - 16:29
    آية الله الشيخ إياد الركابي
    مفهوم  العدل  عند   الشيعة  :
    لقد  أخطأت  الشيعة   حينما  أعتبرت  - العدل   -  أحد  أصول  الدين  ،   حين أرتكبت  مخالفة معرفية  ومجازفة غير محمودة  حين أعلنت عن ذلك  وتمسكت  به     ،  ففي التعريف  الأولي  لأصول الدين  نكتشف  إنها  موضوعة عامة    ،   لا تتحرك  وفقاً  لما يعتبره  الفقيه  أو  الكلامي  ،  إنما ينطلق  من نظرة  عامة  للدين  بوصفه   العام  نظرة   شمولية  للحياة والكون   ،  وفي   أن  ما   ذهب  إليه  الشيعة   في تعريفهم  للدين وماهيته   ثمة مغالطة  مفهومية  ومعرفية   ،   وفي ذلك  إنما  ننطلق   من   تعريف  الكتاب المجيد  للدين  ،  الذي يعطينا  تعريفاً مغايراً   لما هو سائد  في أدب المتكلمين وأهل الفرق  ،   فالدين  عند  الله  و في الكتاب المجيد  هو  (  الإسلام  )  ،  وقد أشار إلى هذا المعنى  قوله  تعالى :  -  [  إن الدين عند الله الإسلام .. ] -   آل عمران  19   ،  ثم عرف  الكتاب  المجيد   لنا   الإسلام  على  إنه   عبارة  عن  (   الإيمان بالله  والإيمان باليوم الأخر والعمل  )    ،   كما في قوله   تعالى   :  -  [  إن الذين آمنوا والذين  هادُوا والنصارى والصابئين  من  :  (  آمن  بالله  واليوم الآخر  وعمل صالحا  )  ، فلهم  أجرهم  عند ربهم ولا خوف عليهم ولا يحزنون  ] -  البقرة  62   ،   هذا  هو إذن  دين  الله  الذي  هو  الإسلام  ،    وهذه هي أصوله وقواعده ومايقوم عليها   ،  وهذا ليس أخبارا  وحسب  بل وتعليلا كذلك     .
    الكتاب  المجيد   يقول  :  -  إن   أصول الدين  الإسلامي   المعتبرة  وقواعده  الثابتة    هي  :    (   التوحيد   والمعاد  والعمل الصالح   )  -   ،  وبهذا  القول  ينتفي  المعنى  الذي  ذهبت إليه الشيعة  في  إعتبار  العدل والإمامة   والنبوة  من أصول الدين    ،   كما  تنتفي  الأدلة  التي  أعتمدتها  في هذا المجال    لأنها   لا  تستقيم  ولا تنسجم   وهذا  المعنى    ،   يقودنا  هذا   للإقرار  بالقول  :  -  بإن  ما ذهب إليه  العلامه  الحلي  في هذا الباب  كذلك   ليس صحيحاً  -  ،   فقوله    : -   إن  العدل  أصل عظيم  تقوم عليه   قواعد  الدين  والأحكام  مطلقاً  -   ليس صحيحاً    ،   لأنه  في ذلك  يخلط  بين المعنى الأصيل  للعدل  وبين المعنى الإشتقاقي  له   ،  والتوهم   الذي  قاده  لذلك    أساسه   إفتراض  ذهني  ورد  على  النحو الأتي   :  -   في إعتبار  العدل  هو  الرابط   أو الصلة   بين التوحيد  والنبوة  -   ،  وهذا  الإفتراض  الذهني   هو إفتراض   ظني  لا يقوم على دليل  ولا يستند إلى منطق     ،   ذلك  إن   موضوعة  التوحيد شيء    وموضوعة  النبوة شيء   أخر   ،  ولا دليل دال  على أن  صحة إعتبار  الأول  مترتبة  على  صحة  وجود الثاني   .
    ثم إن  هذا  الإفتراض  لازمه  نفي    صفة  الدليل  العقلي   و إلغائه   ،    كما  إنه   يستلزم   من جهة أخرى  أن يكون العدل  شرطاً  مسبقاً  في صحة التوحيد  والإيمان بالتوحيد    ،   وجعل  ذلك  لازماً  من لوازمه  أو مقتضا من مقتضياته      .
    وإذا كان ذلك كذلك     :   فهل   التوحيد والتصديق به   دليله النقل  أم  العقل     ؟      ،  وأيهما أسبق في الإعتبار و الوجود  النقل أم العقل  ؟   ، أقول  :   بحسب  مقولات  أهل  المنطق   يكون  النقل    متأخر  رتبة  ودرجة   عن  العقل  في الوجود والإعتبار    ،  وإلى ذلك وردت الإشارة  من الإمام علي  وهو يبين  السر  من  بعثة الأنبياء قال   :  (  ليثيروا للناس  دفائن العقول  )    ،  فثورة  العقل  وردت  في سياق النص  للإشارة  لما هو آت    ،  ويكون  العقل  بهذا اللحاظ   هو القادر وحده  على تحريك  ما في  النقل  ليكون ممكنا  سواء   بواسطة  الفعل المباشر  أو الفعل  غير المباشر   .
      وكما أن التوحيد يلزمه  الدليل العقلي  ،  كذلك تكون النبوة  لازمها  الدليل العقلي  سواء  في إثباتها أو في  التصديق بها    ،  وهذا   يُظهرُ سابقية العقل على النقل    ،   ومن هنا  نفهم  صحة ماذهب إليه  أهل الفلسفة  بقولهم    : -  و النبوة  تحتاج  في إثباتها  لدليل منفصل   -  ،   وهم يعنون   بذلك   الدليل العقلي          .
       نعم   يكون   الدليل العقلي  بمثابة  الأرضية  التي  من خلالها يتم    القبول  أو التصديق  أو الرفض  ،   
    ولا يعني  هذا إن  إلتزامنا بالدليل  العقلي  ينفي  الحاجة  للأدلة  المضافة   ،  بل  على العكس  فكل دليل تال  يكون بمثابة وسيلة إيضاح  ،    وهذا القيد  التوضيحي  أتينا به في حضرة البعثة النبوية لخاتم الأنبياء   محمد  ،   والتي   أنتفت   معها  الحاجة  إلى  المعجزة الحسية  أو التجربة العيانية     ،  تلك  التي أدت دوراً إيضاحياً لا بأس به في  المراحل السابقة   من  بعثة الأنبياء     ،   ولكن  هذا النوع  من أدوات الإيضاح  لم تعد  تلبي  الحاجة   ،   في ظل حركة النقلة  التي حصلت  للعقل الإنساني  ،   وفيها  دخلت    -  النبوة  -  مرحلة  التحول أو الإنتقال   من  حال  التجربة إلى  حال  الإدراك العقلي المجرد  ،    ولهذا  السبب الموضوعي   قلنا    :  -   إن  ما  قال به   العلامة الحلي  لا أساس  موضوعي له   ،  ولا  ندري من أين  أتت نظرية الصلة المزعومة  والتي  تمسك بها   ؟    -  ،    ثم إسقاطات  هذه النظرية وتواليها   على العلاقة    بين  التوحيد  والنبوة ومن ثم  على العلاقة  بين النبوة والإمامة    ،  وهذا  كما هو ظاهر  إتجاه  في الفكر مرفوض  ويناقض ما عليه مبادئ العقل  ومسلماته   ،     ثم إنه  ببساطة   يبطل   معنى  الإيمان بالتوحيد  العلمي العقلي   والذي  تميل إليه في الغالب معظم المدارس الفكرية  في العالم       ..
    نعم  لقد بينا في بحث  سابق  عن  طبيعة  النبوة  وكونها   : -   شأنا مستقلا  مرتبطا  بمُراد الله  وحده   -    ،  وبأنها   في الأصل الأولي تقوم  على   -  الإصطفاء -  من قبل الله   ،  وهي معرفة   يقينية  تتم بواسطة  الوحي     .
    وقد  وقع   خلطا   في المفاهيم  لدى   عامة المسلمين  بين  النبوة  والرسالة  وبين النبي والرسول  ،    ولهذا ترآهم  لا يميزون في ذلك  وعندهم   الأثنين   بمثابة  الواحد    ،   ولهذا  أيضاً  أختلطت  الموضوعات والأحكام     ،   مع إن  لكل منهما شأنا  وموضوعاً  ومعنا مختلفاً      ،    فالنبوة  مثلاً   :  -  ليست من خواصها  ولا من  طبيعتها   و لا من  شأنها   البحث  عن أو في   الأحكام والتشريعات   -  ،    والنبي  لا يقوم بدور الحاكم  ولا يؤدي  ذلك الدور    ،   ومجال  عمله   ينصب  في  البحث   بواسطة الدليل  العقلي   عن   كيفية  الإيمان وطريقته      ،    الإيمان   بالوحي   وبالغيب   وبالوحدانية   والتصديق بذلك     ،   وهذه   تلازم   حركة   العقل  حكماً    ودوره   في  تعزيز فكرة الإيمان  عبر الدليل   العلمي   .
      وعليه  فالنبوة  لا  تبحث   في  الاحكام والتشريعات  ولا في تطبيقها  وتنفيذها    ،  فهذه  العملية   ليست   من أختصاص  النبي ولا هي لازم  من لوازم  النبوة       ،    وإذا كان ذلك كذلك  ،  فهذا   يقتضي  أو يستلزم     : -    رد  الفكرة التي تبناها  الحلي   حكماً  وموضوعاً   في هذا الشأن  -    ،  لأن تلك الفكرة  يُراد منها  إستلال  فكرة الإمامة  من النبوة   وبكونها   مرتبطة بها   وجوداً وعدما   ،    وهذا  كله  وهما  مضافا  إدعاه  الحلي و  ظنه  كرابط وصلة  وصل    في هذا الإتجاه   .
    وأما الإمامة  فلا يصح فيها  الإصطفاء  بل  ولا يجوز   ،  هذا  بإعتبار موضوعها  ودورها   وشأنيتها    ،   فهي من جهة  ترتبط  بما يقرره الناس   وبما يختارونه  عبر الإنتخاب   الشعبي  ،   ولا توجد  إمامة بالمعنى الديني المحض   ،   إنما  هي  حاكمية  وإدارة لشؤون الناس والمجتمع  ،    ولهذا  نقول  :  -   لا يكون  الإمام   إماماً  بمعنى حاكماً على الناس إلاًّ بالإختيار  أو الإنتخاب من قبلهم   -  ،   وحين  عرف  الكتاب المجيد  الإمامة لم يخرجها من هذا المعنى  ،    حتى حينما   قال  الله   تعالى  : (  .. إني جاعلك  للناس إماما  .. )  -  البقرة   124   ،    أي  جاعلك   رسولاً    فالرسول  حسب هذا المعنى  هو الإمام     ،    أي إن   -  مقام الرسول هو مقام الإمام  -    ومقام الرسالة  هو  مقام الإمامة      ،  وإلى ذلك  أشارت  المقولة  التالية   - ليس كل نبي  رسولاً   -   ،   في المعنى الذي ذهبنا إليه      .
    ناهيك  عن  إن  متعلق الرسالة  وفعلها  في الحياة  مرتبطا  بإدارة  شؤون الناس  ،  وتنفيذ  وإجراء القوانين والتشريعات    ،  وهذه ليست من مهام النبوة  ولا من وظائفها    ،   والفرق  هذا  كفيل برد  مقولة الحلي ومن تبعه في ذلك   ،  وكما قلنا ونقول :   -  (    لا تصح  الإمامة  بالوصية ولا  بولاية العهد   ولا  بالوكالة   )  -     ،    وإنما  تصح  الإمامة  وتثبت  بالإختيار والإنتخاب  الشعبي العام     ،   كما  ولا يجوز   إخراج  دور الرسول في الحكم  والإدارة   من هذه القيدية  وهذا الشرط  ،    وإلى هذا ألمح  النص بالقول     :  -  [   ... وشاورهم في الأمر .. ] -  آل عمران  159  ،    وفي مكان أخر  قال   :  -  [   .. وأمرهم شورى بينهم .. ] -  الشورى 38    ،  وأعمال الرسالة ووظائفها  التشريعية والتطبيقية   لا  تتم   بالقهر والإكراه   ،  وإنما  بالحوار والجدل بالحسنى   ،   ولا يصح  من الرسول   فرض   شخص بعينه على الناس ليكون لهم إماما   ،   إنما يصح منه الإرشاد  والتوجيه  بإعتباره فرد من المجتمع   ،  له رأي  في مجال الحكم والإدارة  ،  والناس ببعد مفوضين  في الأخذ  بذلك  أو  توخي المصلحة بحسب الواقع    .
    ولا نعلم  الصلة  بين  الرسول  ولزوم  إختيار من يتولى الحكم من بعده  والعدل    ،     نعم  هو توجيه  إرشادي إن صدر عن الرسول    ،  ذلك  لأن  الحكومة  ورعاية شؤون العباد  مهمة يضطلع بها الناس في خياراتهم  ،   وليس من يُفرض عليهم بالقوة والغلبة والقهر    ،   ودور الرسول  في ذلك   لا يدخل  في الحيز التعبدي مطلقاً  ،  ولا تكون الوصية داخلة في هذا الباب      ،  إنما  المعلوم   من خلال جملة الأدلة  : -   إن  الرسالة   قد  طرحت  وتبنت  موضوعة الحكم وكذا شروط إنتخاب الحاكم  -   ،  على نحو عام   وتركت التفاصيل  للناس  فهم أولى بشؤون دنياهم    ،   ومن هنا نقول  : -   إنها   لم تترك الأمر سدى  كما يظن بعض المروجين  ،   إنما تبنت   تنظيم قواعد  الإنتخاب  وركزت على مفهوم ومعنى   تصحيح   المفاهيم  في هذا الشأن  -   ،  مؤمنة  بقدرة الناس  على  إختيار ما يناسبهم   ويديم  مبدأ التعاون  والعمل الصالح   .
      إن  الترويج   الذي تتبناه  المذهبية الضيقة   و إلغاء دور الرسالة كمؤوسس  للحاكمية   ،   هو الذي عطل   مبدأ  الإنتخاب   و الإختيار  الشعبي   ،  كما وساهم  في تعطيل دور  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ،    مما كان   له أثراً   في تعطيل   دور المؤوسسات والقوى المجتمعية  في  رصد وتوجيه  المجتع  لكي  ينتخب  الأقدر والأكفأ  والأنزه  على تولي المسؤولية والحكم   ،  وماذهبنا  إليه  مارسه  الإمام علي بكل تفاصيله   ،   فهو  لم يرفض  ما نتج  عن السقيفة  على نحو مطلق  ،   وقبل  أن   يكون سادس ستة في الشورى التي أختارها عمر بن الخطاب  ،  وآمن بطريقة  البيعة التي حصل  عليها  من الناس   بعد مقتل عثمان  ،  ونضيف  في الأثر  :  موافقة الإمام الحسن على معاهدة الصلح   مع معاوية  ،   وموافقة الإمام الحسين  على دعوة أهل الكوفة له   للبيعة والخلافة  بعد هلاك معاوية   .
    إذن  فهذا هو المنهج الصحيح  والذي يجب أن يُتبع ،   في تولي الحكم والإمامة الزمنية    ،  ذلك  إن  الإمامة  في الواقع   ليست دينية   إنما   هي حق مجتمعي  تكون للأصلح والأقدر   ،  وبقي أن نقول  :  -   لم نجد  صلة  بين موضوعة التوحيد  والنبوة والإمامة  من جهة والعدل من جهة ثانية   ،   كما زعم  العلامة  الحلي  ،  مضافاً  إلى هذا وذاك   الطبيعة  الموضوعية  المختلفة  لكل واحدة من هذه الأشياء والمكونات  عن العدل  ،  لا بصفته التكوينية الإشتقاقية ولا بصفتها التشريعية  -  ..
      
    تنبيه  :
     
    قلنا  إن الصلة  بين التوحيد  والنبوة والإمامة  وبين  العدل  لا تدخل  في  باب  الوجود  والعدم   ،   أي إنها  لا يتم  وفق ذلك وبمقتضاه    ،   إنما تكون  بحسب  المعنى  التصوري  والتخيلي  الإعتباري  لمفهوم الصلة    ،  والتي  تحصل  للفرد  من باب الإفتراض  الذهني  الخالص   ،  وبما  إن مفهوم العدل  لا يتعدى المفهوم الإشتقاقي   فهذا يعني   نفي  الصلة  أو الإستلال   ثم  التوظيف  اللاحق   بلسان المتكلم  أو الأصولي    ،   وهذا هو الممنوع  عندنا   والممتنع  الوجوب   أصلاً   ..
    وبما إننا  قد  أجرينا  قواعد  الإيمان و الإعتقاد  هناك  ،  فسنجريها  هنا  كذلك  في  رفض  الملازمة والصلة  بين  (  التوحيد  والمعاد  )     ،  ونقول  :  من حيث المبدأ   لا يمنع  العقل ذلك  ،   وبان  تكون الصلة  بينهما   بمثابة المقدمة   في  التصور الإفتراضي  و القائل  : -  يتولد الإطمئنان من الإيمان   بالعدل    ومنه تتولد  الثقة  بالوعد  الإلهي  -  ،  وهذا القول هو معنا  نظري  إفتراضي  إشتققناه  من معنا ذهني      ،  والعقل  لا يمنع  مع ذلك   ولا يرده     ،  لأن  أصل الإشتقاق مفهوم  و مقدمة عقلية  محضة  تقوم  على أساس      : -  إن  الله   وعد  عباده في الآخرة    ،   (  فللمحسن منهم  الثواب وللمسيء منهم العقاب  )   -  ،  هذه  المعادلة  قامت  في الأصل  على أساس  العدل  ،   أي التوازن   بين  العمل  والأجر   -   ونريد بالعمل  مفهومه الدنيوي    -  ،   والذي  هو أصل  إعتباري   تصوري  كذلك    .
      وعلى هذا  الأصل   أقام  الأصولي   دليله   في إستنباط  الحكم    على قاعدة  :  -   إنا  لا نضيع  أجر من أحسن عملاً   -  الكهف   30  ،  وهذه  القاعدة  أو  هذه  العلاقة بين العمل والجزاء  أعتبرها الأصولي  واجبة  على الله  وأدخلها في باب عدله  ،  ولكن  لا نعلم  من أين أتت  قضية الوجوب على الله  ؟  ،  هل المتعلق  بالوجوب  هو  حسن الظن بالله  أي المتعلق الذهني  ،  أم  الوجوب  هو  بأصل العلم بعدالة الله     ؟  ،  وبالفحص  سنجد  إن السؤال  والجواب   لا يخرجان   من باب  الإفتراض العقلي   ،   القائل  : -  بما  إن الله   محسن  فهو   لا يفعل  القبيح   -   ،   وهو  لذلك  لا يعاقب ولا يجازي  من غير حجة ودليل    ،  قال  :  -  (  وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا .. )  -  الإسراء 15  ،  فالعقاب  من غير دليل   أو  حجة   يُعد  قبحاً  ،   ولا يعقل  ان يفعل  الله   القبيح   وهو  يدعوا للحسن وخير العمل   ،  و فعل القبيح  لازمه   الجهل  بالفعل والعمل   ،  والجهل  بحسب التصور  العقلي   ممتنع على الله   ،  كذلك  يمتنع  العجز وعدم القدرة على الله  في أن يفعل الحسن   ،  والعقل يقول  : -  إن الفعل  الحسن  لازم  على  الله   -  ،   لكونه  محتاج إلى ذلك  في  خلقه وصنعه   ،   ولا ضير  إن قلنا  : -  إن الله  محتاج  لفعل  الحسن  ،  طالما  كان المتعلق  به فعله  في الموصوف والصفة  -      ..
     
    تبنت الأشاعرة   رأي  أو  فكرة  مشتقة   في أصلها   من  نص  يقول   : - [  لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون ] -  الأنبياء 23   ،  وبحسب الدلالة التصورية لمعنى النص   ،   فهم لا يريدون بذلك المعنى السلبي ،  إنما يقولون  ذلك   في باب الإمكان أو من باب الفرض  ،  بمعنى ان الله قد يعاقب المحسن حين يرى الله إن مفهوم الإحسان لا ينطبق على عمل هذا  وفعله   ،  و صفة الإحسان وتقريرها يحدده الله  عندهم   ،  وفي ذلك لا يصح  القول  : -  إن الله  ظلاما للعبيد  -  ؟   ،   بمعنى  إن الحكم منه متعلق ليس بحسب  الظاهر ،  إنما  حكمه متعلق بعلمه الواقعي   ،  وهذا  ينطبق  على إن الإطمئنان للعمل  من جهة العبد  تجاوز غير مرغوب   ،   وإنما الصحيح  هو طلب الرضوان وإن ينطبق  مفهوم العمل على المصداق   عند الله وليس في الذهن   ،  وهذا الرأي  الأشعري  إن كان في هذا السياق  فلا غبار عليه   ولا شية فيه   ،  ذلك إذا كان  الكلام كله  مقدر عند الله   ،  وليس  عندنا  و فيما نفهمه نحن في عالم الدنيا  ،  ووجهات  كلام الأشعري  حين يتعلق الأمر عند الله  و  في عالم الأخرة .
    وأما في عالم الدنيا   فالحسن  والقبح  مفهومان عقليان  ،  أي إن العقل  يحكم  على الأشياء بحسب طبيعتها المادية  وما ينتج  عنها  في الدنيا ،  ولهذا يجب  التمييز  في  فهم وإدراك المصطلحات  ،   فإعتقادنا  شيء  والحكم على صحة الإعتقاد شيء أخر  ،   ومن هنا  قبلنا فكرة القائلين  بالرضا الإلهي  فيما يحكم  به في الأخرة    ..
    وسنعود   للتذكير  في التعريف الأولي للعدل  والذي  قلنا  فيه  -  بأنه ضد الظلم   -  ،  والمقابلة في المعنى  ذهنية وعقلية  ومنها يجوز  توظيف  ذلك  حتى   في مقام االله   ،   ونقول  : -  لكي  ننفي عن  الله صفة  الظلم  في قضية  التكوين  -  ،  يلزمنا  التأكيد على أن مايثيره الناس في مسائل  الحياة من تفاوت وإحتلاف  ومرض وتشوهات تكوينية  ،  ليس  ظلماً   والمسؤولية في ذلك لا تقع عليه   ،   مع  إن  الأمر  لا يتعلق  بالبشر  وما ينتج عن فعلهم المباشر  ،  إنما  هو متعلق  ومرتبط   بالخلق  والتكوين  ،  وبما إن الكلام  في التكوين فسنحيل الجواب إلى ما تقدم في الجزء الأول من هذا البحث  فلا نعيد   ،    نعم  يتأكد النفي في  هذه الجزئية   في عالم  التشريع  حين نفهم معنى دعوته للعدل  بالصفة والفعل  وهي لا تخرج عن مضمون التساوي  أو قل التوازن    ،  ومن هنا  جاء تعريف  العدل   في  مقام التشريع  بأنه  (  وضع للشيء في موضعه  )  ،  ويصح  هذا التعريف  في مقام النفي للجهل  والعجز والضعف عنه  ،  وفي المتابعة منه  لتحقيق  هذا التوازن   من خلال  تبني  العدل صفة وفعلا  هذا من جهة  ،  والتشديد على رفض الظلم صفة وفعلاً  هذا من جهة أخرى  ،  ومن باب الملازمة العقلية  -   لا يصح  أن ينهى الله  عن شيء ويأتي به أو يتبناه -    ،  ولهذا  قال  : -  [  إن الله  لا يظلم  الناس شيئا  ولكن الناس أنفسهم  يظلمون ] -  يونس  44  ،  وفي مقام ثاني  يقول : - [  إن الله لا يظلم  مثقال ذرة  ] -  النساء  40  ،  أو  -  أن الله ليس بظلام للعبيد  -   وهذا كله في مقام التشريع    .
       والظلم   كما العدل   لا يخرجان   عن المفهوم المتبادر في الذهن عن معنيي  الحسن والقبح   ،   وهذا  ما  يكون   بالتقابل  أو يكون بحسب   دلالة اللغة  و اللسان  للمعنى  ،  والقبح كما الظلم يستحق صاحبه الذم والعكس صحيح  ،  وبتعبير دقيق  العدل لا يسمى عدلا إلاَّ حينما يدل  على الشيء الحسن في الواقع  وبالفعل  ،  ومثله الظلم في التقابل  لا يسمى الظلم ظلماً   إلاَّ  دل  على الشيء القبيح   في الواقع  وبالفعل   ،  و لا يصح  نسبة  الفعل  للقبح  أو الحسن إلاّ إذا كان مُراداً ومقصوداً   ودل الدليل على ذلك     ،  وبهذا القيد   نفهم  ماذا تعني  مفردتي  الحسن والقبح العقليين  عند المتكلمين   ؟ !! ..
    وخلاصة  الكلام   لا بد من القول : -   إن  هناك فرقاً   بين مفهوم  العدل الإلهي  ومفهوم العدل الإجتماعي  -  ،  والفرق  نجده واضحاً   فيما بين التكوين والتشريع  ،  ففي التكوين  نفتقد   للأسم أو أسم الفاعل  ،  ولكن في التشريع   نجد   الصفة والفعل   حاضرين   ،  وفي هذا دلالة  عن معنى  الملازمة  التشريعية    ،  وكأن المُراد في الواقع   هو تحقيق العدل بين الناس على أساس مبدئي  التوازن  والتساوي في الحقوق  والأولويات   ،  وما يتعلق بالتكوين فنرجع القول  فيه  إلى علم الله  ،  والذي  وردت  فيه  النصوص   تحت بند آيات الله  ،  ومع  إن الأمر لا يخلو من سؤال سيظل يلاحق المتابعين والدارسين إلى أجل غير محدود  ، ولعل العلم وما يحققه الإنسان من طفرات معرفيه ستجيب على بعض المسكوت عنه  ،  عن لماذا ؟  وكيف  ؟  ،  والذي  يهمنا الآن هو التأكيد على تنمية وتطوير معنى العدل الإجتماعي   الذي سعى  لتحقيقه  كبار المصلحين وأهل الفكر في العالم   ،  والذي  به  نحقق للإنسان بعض كرامته وبعض ذاته  و معنى وجوده  ..

    آية الله الشيخ إياد الركابي
    2 شعبان 1440 هجرية
     
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit