البرنامج الحكومي: تَكْريسُ أزمة الاقتصاد ونتائجها تَوأم الفَشَلْ والفَسَادْ
    الأربعاء 10 أبريل / نيسان 2019 - 13:00
    صبري زاير السعدي
    مستشار وباحث إقتصادي
    أولاً: إدارة الاقتصاد في "البرنامج الحكومي"
    يُفيد التَذْكير بأنه ليس هنالك جديداً، ولا غموضاً، في حالة الفوضى بإدارة الاقتصاد الوطني وسوء إنفاق الإيرادات النفطية في "البرنامج الحكومي (2018-2022)"  (البرنامج). فمعظم مفردات وتفاصيل "البرنامج"، وباستثناء الشعارات السياسية، مُستَمَد من تفاصيل خطة التنمية الوطنية (2018-2022) ، وهي وثيقة حكومية تتصف أهدافها وسياساتها الاقتصادية ومشاريعها بغياب التكامل والتنسيق، كما أن تقديراتها عن النمو في المؤشرات الاقتصادية الرئيسية غير موثقة إحصائياً . ولهذا، فإن تطبيق السياسات والإجراءات الاقتصادية والمالية في "البرنامج" التي تَتَسمُ بالغُموض والإرتباك وتتذاكى في التضليل بالاستقلالية عن السياسات "الليبرالية الجديدة"، سيُعَمِقُ الأزمة الاقتصادية الهيكلية المزمنة وتَكريس إدارة الفشل وانتشار الفساد، ويُسهِمُ في استمرار التردي بمستويات المعيشة لغالبية المواطنين. ويُفيد التَذْكير أيضاً، بأن أهداف السياسات "الليبرالية الجديدة" بالتحول القَسري والسريع لاقتصاد السوق، لا تَستقيم مع خصائص الاقتصاد الوطني في المرحلة الراهنة، وأهمها الاعتماد الكبير على الإنفاق العام والاستيرادات المُمَوَلَة من الإيرادات (الريع) النفطية، والدور المحدود لاستثمارات القطاع الخاص الوطني في توسيع الطاقات الإنتاجية القادرة على المنافسة في الأسواق المحلية والأجنبية . 
    وفيما يتعلق بالفساد، لا يُفيد "البرنامج" الصراخ العالي بانتشاره ومساوئه، أو العويل بتردي الأخلاق في أسبابه، أو الانشغال بمراجعة وتشكيل اللجان لاستئصاله. فالأولوية، والأكثر أهمية، في مكافحة الفساد الحكومي تتم، وبإرادة سياسية حازمة، من خلال ترشيد وتنظيم الإنفاق الحكومي المُمَوَلْ من الإيرادات النفطية، والذي يُهَيّمِنُ على الطلب المحلي المُحَفِز الأساسي للنمو الاقتصادي، لصالح الاستثمار في المشاريع الصناعية والاستراتيجية الحديثة، وفي توسيع وتحديث الخدمات العامة، واقتران هذه السياسة بتنظيم ورقابة تنفيذ المشاريع وعقود التجهيزات الحكومية وتحسين الإدارة الضريبية المدعمة بالإجراءات القانونية الرادعة وضمان نفاذها.  
    وخلافاً لتبرير بعض الاقتصاديين من أن هذه السياسات الحكومية تتناسب مع التوسع الحاصل في أنظمة السوق والإندماج بالاقتصاد العالمي، وأنها تواكب معطيات الثورة العلمية والتكنولوجية والمعلوماتية والسرعة المذهلة في الاتصالات والنقل، وتتلائم مع التَغَيْر في أذواق المستهلكين، فإن هذه المتغيرات لا تُقَلِل أو تُقَيّد من أهمية مسؤوليات الدولة المباشرة في استثمار الثروة النفطية في مشاريع التنويع الاقتصادي الهيكلي الضرورية لإيجاد مصادر جديدة للإنتاج وللصادرات، ولتوفير فرص العمل وزيادة الدخول، وتحسين الخدمات التعليمية والصحية والضمانات الاجتماعية، ولتنمية الموارد الطبيعية والثروة الوطنية، وذلك بتفعيل التخطيط الاقتصادي والإنمائي المركزي .  
    ................................................
       أنظر: جمهورية العراق، رئاسة مجلس الوزراء، البرنامج الحكومي (2018-2022)، شباط 2019. و"البرنامج" هو العنوان الجديد للطبعة الأنيقة الملونة من "المنهاج الوزاري (02018-2022)"، الذي سبق ونشر في بوابة وكالة الأنباء العراقية بتاريخ 24/10/2018. ليس هنالك أسباب أو معلومات جديدة تضاف لمضمون "المنهاج الوزاري"، بعد دعم وتوقيع السادة الوزراء وموافقة مجلس النواب، تدعو للعودة إلى النَقْد الذي سبق وتم نشره. أنظر: صبري زاير السعدي، "المنهاج الوزاري: التذاكي في إدارة الاقتصاد الوطني"، موقع الأخبار الأليكتروني، الأربعاء، نوفمبر/تشرين الثاني 2018 ( http://www.akhbaar.org  )، ونشر أيضاً في مجلة "الثقافة الجديدة"، العدد المزدوج 401-402، تشرين الثاني/نوفمبر 2018. (http://ina.iq).
       أنظر: خطة التنمية الوطنية (2018) الصادرة عن وزارة التخطيط، جمهورية العراق، وقرار موافقة مجلس الوزراء على الخطة، كما ورد في بيان الأمانة العامة للمجلس بتاريخ 14/4/2018.
       عن التفاصيل، أنظر: صبري زاير السعدي، "الثروة الوطنية والمشروع الاقتصادي الوطني في العراق: بديل الاقتصاد- السياسي للريع النفطي"، العدد 480، شهر شباط/فبراير 2019، شهرية مجلة "المستقبل العربي" الصادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، لبنان. 
       أنظر: "الثروة النفطية والمشروع الاقتصادي الوطني في العراق"، المصدر السابق.


    ثانياً: الاقتصاد السياسي المغيب في "البرنامج" 
    في تقييم نتائج تنفيذ "البرنامج" المتوقعة، يَدْرك الجميع، وخاصة السياسيون والاقتصاديون المهنيون، أهمية الاتساق المطلوب في العلاقات السائدة بين قوة السياسة في إدارة الدولة وبين قوة المصالح الاقتصادية والاجتماعية المتعددة في المجتمع. ولأن التردي في الواقع السياسي ليس بحاجة للتأكيد، كما تدل معطيات التجربة منذ سنوات عديدة، ولاسيما نتائج الانتخابات العامة (12 أيار/مايس 2018) المُخَيّبَة لآمال المواطنين وعُقْم مُساومات الكتل والأحزاب السياسية في تشكيل الحكومة (24 تشرين الأول/نوفمبر 2018- لم تستكمل الوزارات السيادية فيها حتى الآن) وغير الملتزمة بأية برامج وسياسات اقتصادية حينها، فإن من المناسب هنا تَجاوز البَحث في الشأن السياسي الشائك حيث التأثير الهام للمصالح السياسية الإقليمية والدولية، وإن يكن بيان دور السياسة ضرورياً دائماً لمعرفة مقدار تأثيراته في الاقتصاد والمجتمع، وذلك بهدف تركيز الاهتمام في إيضاح أسباب الفشل الاقتصادي وانتشار الفساد التي تَتَكرسُ في "البرنامج" الذي يمثل صيغة مهنية متدنية ومضللة لأهداف وأدوات السياسات "الليبرالية الجديدة" المَعيبة. السبب الأول والأهم، حديث الناس والنخب السياسية في أولوية مقاومة الفساد كمقياس لنجاح تطبيق "البرنامج"، ولكن بدون التعرض لدور الفشل الاقتصادي في هذا الفساد نتيجة العبث في تبديد الثروة النفطية بغياب معايير توزيع الريع النفطي بين الاستثمار والاستهلاك الحكومي وفي تمويل الاستيرادات المتزايدة. والسبب الثاني، غياب الاستراتيجية والسياسات الاقتصادية الحكومية الواضحة، وبالتالي، إرتباك الإدارات التنفيذية واضطراب معايير صلاحياتها في متابعة تنفيذ الموازنة المالية السنوية والمشاريع الحكومية بمستوياتها المتعددة، وأيضاً، قصور المَعْرِفَة بالسياسات والإجراءات الاقتصادية والمالية في أوساط السلطات التشريعية والقضائية. والسبب الثالث، مواصلة الفشل في التحول "القسري" نحو اقتصاد السوق بديلاً للتخطيط الاقتصادي المركزي ودور الدولة في استثمار الموارد العامة، بالاستمرار في تطبيق السياسات الاقتصادية "الليبرالية الجديدة" بتوجيه ودعم صندوق النقد الدولي (الصندوق)، وبدون إدراك خصائص ودينامية نمو الاقتصاد الوطني ومستويات تطوره، ومعرفة بيئته الاجتماعية، وتقدير الإمكانيات المالية والريادية والتنظيمية المحدودة للقطاع الخاص. ومن الأسباب أيضاً، تجاهل "البرنامج" لحقيقة أن تجريد السياسة النفطية (الاستثمار والإنتاج والتصنيع والتصدير) من إطار الاستراتيجية والسياسات الاقتصادية، وهذا من بديهيات علم الاقتصاد، يُسْهِمُ في بَعثرة الثروة النفطية وانتشار الفساد أيضاً، كما يظهر في أحدث مثال: القرارات المفاجئة الخاصة بالإتفاق النفطي والتمييز المالي في التعامل مع حكومة كردستان الفيدرالية، وإتفاقية التعاون الاقتصادي مع الأردن . 
    ويَفْتَقدُ "البرنامج" تعريف الرأي العام والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص ليس فقط بأهداف الاستراتيجية والسياسات الاقتصادية "الغائبة كليةً" وبأهداف البرامج والمشاريع الاستثمارية الحكومية، بل يَفْتَقدُ أيضاً، الإعتراف بواقع الأزمة الاقتصادية الهيكلية المزمنة وعوامل تَقْييد زيادة الإنتاج والإنتاجية، وارتفاع البطالة، وانتشار الفقر،  وتزايد الاعتماد على قطاع صادرات النفط الخام، وزيادة الدين العام والقروض الأجنبية، وزيادة الاستيرادات من المنتجات والسلع الاستهلاكية المُمَوّلَة حصراً من الإيرادات النفطية. كذلك، يَفْتَقدُ "البرنامج" التعريف بهوية النظام الاقتصادي بصيغ واضحة من الأهداف والسياسات والمعايير والصلاحيات في عمليات اتخاذ القرارات الاقتصادية والمالية الحكومية وتنفيذها، ويتجاهل أيضاً، مؤشرات قياس الإنجاز الحكومي القابلة للمتابعة وللتقييم وللمحاسبة ولوسائل نشرها. ولعل الأكثر أهمية في تصويب السياسات الاقتصادية السائدة، خطأ اعتماد "البرنامج"، بمعرفة أو بدون معرفة، لمفهوم الإصلاح والتنويع الاقتصادي "للصندوق"، بديلاً من اعتماد المؤشرات الإحصائية في تحليل دينامية النمو بين القطاعات الإنتاجية والاقتصادية وإدراك أنماط التأثيرات المتبادلة في علاقاتها الإنتاجية البينية التي تكشف عن طبيعة وأهمية الإسراع بعمليات التنويع الاقتصادي الهيكلي بإقامة مشاريع الصناعات التحويلية المستخدمة للتكنولوجيا المتقدمة بهدف زيادة الإنتاج والإنتاجية والصادرات ونشر التكنولوجيا بين القطاعات لتحسين القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني. 
    .....................................................

    [1] تجدر الإشارة هنا إلى التطورات الاقتصاديةوالمالية والتجارية التي حدثت منذ الأزمة المالية الاقتصادية العالمية (2008) والتيفرضت التدخل الواسع للدولة في الشؤون الاقتصادية وتقديم الدعم المالي للبنوك وللمؤسساتالمالية، والتأميم، ومنح عدد من الصناعات المنهارة تسهيلات مالية مباشرة، وكذلكتدخل الحكومات الاقتصادي والمالي في دول الإتحاد الأوربي خلال أزمة (2010-2012).وأخيراً، إجراءات الحماية التجارية والعقوبات الاقتصادية التي بادرت بها الولاياتالمتحدة الأمريكية في عام 2016، وهي الدولة الرأسمالية الكبرى والرائدة في الدعوةلنظام حرية السوق التنافسية والانضمام لمنظمة التجارة العالمية والإندماج فيالاقتصاد العالمي، مع معظم الدول الرأسمالية المتقدمة صناعياً، لاسيما الأوربيةومع الصين: الدولة الاشتراكية.

    [1]  أنظر: ثامر العكيلي، "أنبوب الخط العراقيالأردني بين الحياة والموت"، جريدة الأخبار الأليكترونية 14/2/2019. أنظر:التقييم الهام للأستاذ المهندس علي صبيح رئيس اتحاد الصناعات العراقي لتأثيراتالإتفاقية، السلبية الخطيرة، على واقع ومستقبل الصناعات العراقية. أنظر: المقابلةومدتها 40 دقيقة في برنامج "مال واستثمار" المنشورة في قناة "الرشيد"على اليوتيوب بتاريخ 9/2/2019.      

    ثالثاً: أين تقييم الواقع ومؤشرات المستقبل الاقتصادي؟  
    من الغريب ومما يثير الشك والتأويل في كفاءة الحكومة، وكما في أية دولة، أن يخلو "البرنامج"، ومدته خمس سنوات،  من المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية الرئيسية للتطور المُحَقَقْ في الماضي والمُستَهدَفْ في المستقبل: معدلات النمو السنوية في الناتج المحلي الإجمالي وفي القطاعات الإنتاجية، معدلات البطالة في الأيدي العاملة، المتوسط السنوي في نمو الدخل الفردي، معدلات الفقر وانتشاره، مستويات الاستهلاك الخاص والحكومي، مستويات الاستثمار الحكومي والخاص، مقدار الدين العام والقروض الأجنبية، تطور الصادرات النفطية وغير النفطية والاستيرادات وحصيلتها السنوية في فائض أو عجز الميزان الحسابي الجاري. أليس ضرورياً إطلاع الرأي العام: المواطنون، والإدارات الاقتصادية الحكومية، ومؤسسات وشركات القطاع الخاص، الوطني والأجنبي، وأصحاب الأعمال المعنيون، ومن خلال مذكرة تفسيرية، بظروف السوق وبمعرفة تعليمات الدولة وأسس تعبئة الإيرادات المالية العامة، لاسيما الضريبية، ومعايير توزيعها بين الإنفاق والاستثمار الحكومي في الموازنات المالية السنوية لأهميتها الكبيرة ليس فقط في تحسين إدارة الدولة في ترشيد الإنفاق الحكومي، بل وأيضاً، في تسهيل وتحسين قرارات المستثمرين للتأكد من الاستقرار والنمو الاقتصادي، ولتقليص النزعات الاحتكارية والمضاربة، وترشيد قرارات المستهلكين بعد التأكد من توقعات زيادة الدخول وتحسين مستويات المعيشة في المستقبل؟  

    رابعاً: لماذا يتجاهل "البرنامج" ظاهرياً استراتيجية وسياسات "الصندوق"؟ 
    والتساؤل هنا أيضاً، لماذا يتجنب "البرنامج" إعلان مؤشرات (توقعات) "الصندوق" الاقتصادية الرئيسية والقطاعية التي تعتمدها الحكومة ؟ هل يَكْمُن السبب في النتائج المخيبة لسياسات "الصندوق" أم في أدوات تطبيقها من قبل الحكومات منذ عام 2003، أم أنها كانت مختلفة عن بيانات وإحصاءات غير منشورة؟ وبالتحديد، أليس غريباً ويدعو للشك والتأويل في استقلالية ومؤهلات الحكومة، تجنب "البرنامج" بيان الموقف من "صلاحية" أو "مساوئ" السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية والتجارية والاستثمارية التي تمارسها الحكومة بالإتفاق مع "الصندوق" وفقاً "لإتفاقية الاستعداد الإئتماني (2017-2019) (الإتفاق)، وهل هذا التجاهل يخفي تَمديد "الإتفاق" مع "الصندوق" للسنوات (2020-2022)؟ وإذا كان من مصلحة العراق الاستمرار بهذا "الإتفاق"، لماذا تتجنب الحكومة تأكيد العمل باستراتيجية وسياسات "الصندوق" والكف من التضليل في الإدعاء بوجود "الخطة" أو العمل ب"البرنامج" تحت شعار "تقوية الاقتصاد" وبوجود سياسات اقتصادية متكاملة ومستقلة معدة وتدار من قبل الحكومة. لماذا لا يبادر السادة الوزراء أو قادة الأحزاب المشاركة في الحكومة، والاقتصاديين منهم بخاصة، في الإدلاء بآرائهم العلنية والموثقة في هذه السياسات؟
    ......................................................

    [1] عن هذه المؤشراتالاقتصادية الرئيسية المتاحة للسنوات الماضية وللفترة (2018-2023)، أنظر:

    IMF, "Report for SelectedCountries and Subjects/Iraq”, World Economic Outlook database, April 2018.

    والبيانات الواردة فيالمصدر أعلاه، هيتعديل للبيانات المقدمةفي شهر آب/أغسطس 2017 ، أنظر:

    IMF,"IRAQ: Country Report No. 04/890", August 2017.


    خامساً: دوافع الاستمرار في قانون شركة النفط الوطنية، إخفاء الخصخصة! 
    من الأمثلة التي تؤكد أن التفاؤل في التغيير الاقتصادي المطلوب بعيد المنال، تجاهل "البرنامج" وعلى نحو غير مفهوم، قرار المحكمة الإتحادية العليا الخاص بقانون شركة النفط الوطنية العراقية  القاضي بعدم دستورية المواد 3، والمادة 14 (ثالثاً وخامساً) والمادة 7 (أولاً/1) والمادة 8 والمادة 11، والمادة 12 بكامل فقراتها – وهي الأخطر في القانون - والمادة 13 (ثانياً) والمادة 16 والمادة 18 (سادساً)، وليعيد "البرنامج" النص القديم الذي يشير إلى تنفيذ القانون في  عام 2019، بعد إجراء تعديلات "مبهمة" فيه. 
    وبرأينا، يستهدف "البرنامج" من الاستمرار في إدراج موضوع قانون شركة النفط العراقية، هو التمهيد لتحقيق أحد أهداف "الخطة" "المختبئة" التي يعتمدها "البرنامج"، وهو خصخصة 5% من الأصول الإنتاجية لقطاع استخراج النفط  الخام مع نهاية عام 2022 .

    سادساً: التَضليل أم فَقْرُ المَعرفة الاقتصادية؟
    ما يرد في المحور الرابع بعنوان "تقوية الاقتصاد" بشعار مبدأ "صنع في العراق" ومشاريع ب"أيدٍ عراقية"، وهو شعار يعوزه المضمون وطريقة التحقيق، الصفحات 55-74، للتعريف بأبرز جهود الوزارات "القادمة" التي شملها "البرنامج" لتحقيق هذا الهدف، يفاجئنا بأن المشاريع الاستثمارية الواردة محدودة التأثير في النشاط الاقتصادي. ففي مهام وزارة المالية، يتصدر مشروع التصميم والتنفيد الفني لنظام IFMIS، هذا اللغز الصعب ، ومشروع تطوير القدرات الإدارية لتحويل نظام الموازنة الحالية إلى موازنة مشاريع في عام 2020، والإنتقال إلى الحكومة الأليكترونية. وبالتأكيد ليس هذا بالإنجاز المنتظر! الصفحة 55. وفي الفقرة 3، يتجلى غياب المفهوم الاقتصادي بحده الأدنى، فتحت شعار "الانتقال من فلسفة أن الاقتصاد هو مجرد تعظيم موارد الخزينة والحصول على القطع (العملات) الأجنبي إلى أن الاقتصاد هو أولاً تعظيم الموارد الوطنية والناتج الوطني الإجمالي وتعزيز دور العملة الوطنية ومحاربة البطالة والغلاء وانتشال الشعب من الفقر والجهل والمرض والخوف"، فإن مشروع تحقيق هذه "الفلسفة العبقرية"! هو تحديث وأتمتة الكمارك وتوفير أجهزة ومعدات الكشف، واعتماد الجباية الضريبية الأليكتروني. الصفحة 52. أما مضمون الفقرة 5 المعنية بتطوير النظام المصرفي فيتركز في تشجيع تقديم القروض للمواطنين والقطاع الخاص، ولكن بدون معرفة أهميتها الاجتماعية والاقتصادية ومقدارها . الصفحة 53. وفي الفقرة 9 الخاصة بمهام وزارة المالية، يزداد العَجَبُ من أن تضليل هدفها "مراقبة الدين العام الداخلي والخارجي دون تجاوزه مستويات معينة" يتلخص بالاستمرار في تمويل مشاريع عديدة بالقروض الأجنبية حصراً، منها: مشروع ممرات النقل، ومشروع تجهيز المياه والصرف الصحي، وقروض صندوق التنمية الاجتماعي، ومشاريع الكهرباء، ومشاريع إعادة إعمار الطرق والجسور والمجاري في نينوى. الصفحة 55. 
    ...............................................................

    [1] أنظر: جمهورية العراق، المحكمة الاتحاديةالعليا، العدد: 66 وموحداتها 71 و157 و224/اتحادية /اعلام 2018، القرار الصادربتاريخ 23/1/2019.

    [1] ورد هذا الهدف في توقعات "الخطة"  التنمية الوطنية (2018-2022)، أنظر: خطة التنميةالوطنية (2018-2022)، المصدر السابق. وعن تفاصيل ومؤشرات "الخطة"، أنظر:"الثروة النفطية والمشروع الاقتصادي الوطني في العراق"،  المصدر السابق. 

    [1] هذا نظام معلومات فني للإدارة الماليةالعامة يربط اليكترونياً بين التخطيط وإعداد الموازنة وتدفق بيانات تنفيذهابالتعاون المتكامل مع الأجهزة الحكومية ذات العلاقة، والرمزية المستخدمة بالحروفالإنكليزية لإضفاء الهيبة والمعرفة المتفوقة، هي:IFMIS(integrated financial management system)

    [1]  يؤكد إعلان مصرف الرافدين بتمويل مشروع مترو بغدادوالقطار المعلق عن طريق البنك المركزي بتكلفة 5 ترليون دينار (نحو 4.247 بليوندولار) وتمليكه بعد تنفيذه إلى أحد المستثمرين كفرصة استثمارية وإعادة المبالغبفوائدها، الدلالة على طبيعة السياسة الاقتصادية في توزيع الإيرادات النفطية بصورةمباشرة أو غير 

    ونلحظ أيضاً، فَقْرُ المعرفة الاقتصادية في تكرار دعوة "البرنامج" الغريبة لاستبدال العملة الورقية بالعملة الرمزية والإليكترونية، الصفحة 54، بينما يشير المشروع الذي يقترحه "البرنامج" لتنفيذ هذا الهدف إلى نظام البطاقة الاليكترونية المصرفية المستخدمة في سحب النقود من الحسابات الشخصية في البنوك. ويبدو أن عراب "البرنامج" قد اختلط عليه مضمون العملة الرمزية والأليكترونية مع بطاقة سحب النقود الاليكترونية. وهنا أيضاً، نلحظ تحذير البنك المركزي العراقي الغامض للمستثمرين من التعامل مع شركات الوساطة التي تُعنى بالتداول الأليكتروني . وتثير هذه الآراء، ولو الهامشية، مغزى وشبهات الإجراءات الهامة، كما في مزادات توفير العملة الأجنبية للبنوك، في السياسة النقدية .  
    أما ما يتعلق بوزارة الزراعة، فإن أهم مهامها على ما يبدو تقييد النشاط الزراعي، فبموجب "البرنامج" تتركز في "التخلص من مفهوم الأراضي الأميرية الموروث من النظم العثمانية السابقة، وملكية الدولة بشخص وزارة المالية وبقية الوزارات لمعظم أراضي البلاد. وتشريع قانون يحفظ الملكيات الزراعية والحيازة والإجارة والاستثمار" و"توزيع الأراضي بأسعار رمزية أو حتى مجانية عبر مفهوم "الأرض لمن أحياها". الصفحة 57. هنا مسألة في غاية الأهمية تريد الحكومة تحقيقها، وليس من الواضح فيها غير تمليك أراضي الدولة الزراعية للملاك القدماء والجدد، وليس واضحاً أيضاً، نوايا الحكومة بمصير قوانين الإصلاح الزراعي؟ لقد كان على "البرنامج" التفسير الصريح لهذه الدعوة التي لها أبعاداً اقتصاديةً وسياسيةً واجتماعيةً وبيئيةً هامةً وبعيدة المدى.
    وفي "البرنامج"، غياب العلاقة بين مهام وزارة التجارة ودورها بضرورة العمل على تنمية الصادرات غير النفطية، وتنظيم الضوابط لتَقييد الاستيرادات حماية للمنتجات المحلية. إنها مشغولة، وكما ورد في "البرنامج" "بدراسة وضع البطاقة التموينية ومفرداتها" وتسهيل منح إجازات تأسيس الشركات بأشكالها المختلفة. الصفحة 60. 
    كذلك، تختزل مهام وزارة الصناعة والمعادن الرئيسية حيث تتلخص في خصخصة مشاريع القطاع العام الصناعية بالتدريج أو بأسلوب المشاركة وتحت شعار" تحويل الأصول الجامدة إلى أصول متحركة من خلال عرض المنشآت المتوقفة أو الخاسرة وطرحها للمشاركة والاستثمار أو البيع للمواطنين". وليس في "البرنامج" ما يشير إلى معايير وإجراءات إعادة تقييم وتأهيل هذه المشاريع والتحقق في حماية العاملين فيها ومنع إعادة 
    ..............................................................

    مباشرة مباشرة لتمويل القطاع الخاص منخلال إنشاء المشاريع الخدمية والصناعية كمشروع متر بغداد والقطار المعلق وطويرمعامل الأسمنت والزجاج والبتروكيمياويات، ومنحه حق ملكية هذه المشاريع. أنظر:  "الرافدين يعتزم تمويل مترو بغداد ب 5ترليون دينار"، جريدة الصباح الجديد، العدد 4150 وتاريخ 9 أبريل/نيسان 2019.(www.newsabah.com)   

    [1] أنظر: بيان البنك المركزي العراقي الذي يحذر منالتعامل مع شركات التداول الأليكتروني ببيع وشراء العملات والذهب، الإثنينن 4 شباط2019. (https://cbi.iq)

    [1]  حول أهمية التغيير في السياسة النقدية وطريقةإدارة البنك المركزي العراقي لنظام التحويلات الخارجية، أنظر: صبري زاير السعدي،" جذور أزمة البنك المركزي وارتباك السياسات الاقتصادية في العراق "مجلة "الثقافة الجديدة" العراقية ، العدد 356، آذار/مارس، 2013، بغداد،العراق. 

    بيعها، وبيع الأصول الثابتة (الأرض) فيها بعد تمليكها للقطاع الخاص، الصفحات 61-63. أما ضرورات تأسيس الصناعات التحويلية المتقدمة تكنولوجياً لإيجاد مصادر جديدة للإنتاج وللصادرات ولنشر التكنولوجيا بين فروع الاقتصاد الوطني بما يؤدي إلى تقليل الاعتماد على قطاع صادرات النفط الخام، فهو غائب تماماً عن مشاريع الاستثمار الحكومي في  "البرنامج". هذه السياسة تتطابق تماماً مع سياسة "الصندوق" لتهديم الصناعة الوطنية  بحجة عدم وجود قدرات إدارية وفنية تديرها، وليس للقطاع الخاص إمكانيات لإدارة وتمويل الاستثمار فيها أو لأن تكلفة الإنتاج عالية ويمكن استيراد منتجاتها بأسعار رخيصة. إنه تبرير مضلل تفضحه نجاح التجربة الصناعية خلال عقدي الستينيات والسبعينيات .     
    أما مهام وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، فليست معنية بنتائج السياسة الاقتصادية الجاري تطبيقها في زيادة البطالة من الأيدي العاملة الوطنية في مقابل زيادة استخدام الأيدي العاملة الأجنبية. 

    الخلاصة: مستقبل الاقتصاد الوطني
    في مقابل إرتِباك وإرباك "البرنامج"، لا يمكن بناء الاقتصاد الوطني واستدامة النمو وتقليص الإعتماد على الريع النفطي بالإلتجاء إلى الغموض والتعميمات والشعارات السياسية "الشعبوية"، وتفضيل رغبات السلطة الذاتية، بديلاً عن العمل بهدى رؤيا وطنية مستقبلية حديثة للإرتقاء بمكانة الدولة وبنوعية الحياة في البلاد، والإلتزام بأهداف استراتيجية تواكب الثورة التكنولوجية والعلمية، وسياسات اقتصادية فاعلة، وبرامج ومشاريع استثمار حكومية ذات أولوية معلنة ويتم تمويلها من الإيرادات النفطية في إطار برنامج سنوي مستقل، كما في إقامة الصناعات التحويلية المتقدمة تكنولوجياً ومشاريع البنية الأساسية الاقتصادية (المادية)، وبهدف إيجاد مصادر جديدة للإنتاج وللصادرات ولزيادة تراكم الثروة الوطنية، وبالتوازي مع تحسين مستويات المعيشة للمواطنين بمعايير زيادة فرص العمل والدخول، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية والبيئية العامة.  
    هذه هي مهام الدولة التي لا يستطيع القطاع الخاص الوطني في هذه المرحلة الإسهام المؤثر فيها بالرغم من عدم تعارضها مع أولويات الاستثمار الخاص، ولا ينفع معها استثمار فوائض الإيرادات النفطية (الإحتياطيات) في الأسواق المالية العالمية من خلال الصناديق السيادية في المستقبل، ولا يَفيدُ زيادة الدين العام والقروض الأجنبية في تحقيقها، ولن تشارك فيها أوهام توطين الاستثمار الأجنبي المباشر في غير "خصخصة" صناعة استخراج وتصدير النفط والغاز. هذه مهام الدولة التي يجب إدراجها في "البرنامج الحكومي" والبدء في إنجازها لينتهي فشل الإدارة الاقتصادية ويجف المصدر الرئيسي للفساد.   

    ..............................................................

    [1] عن سياسات الصندوق، كماتعكسها توقعاته وتقديراته الإحصائية للنمو في الإنتاج الصناعي (وقدره صفر) خلالالسنوات (2017-2022)، أنظر: صبري زاير السعدي، "المشروع الاقتصادي الوطني فيالعراق: مقاربة في برنامج صندوق النقد الدولي"، مجلة "المستقبلالعربي" العدد 469 مارس 2018 الدورية الشهرية الصادرة عن مركز دراسات الوحدةالعربية، بيروت، لبنان. (www.caus.org.lb).

    [1] أنظر: صبري زاير السعدي، "التجربةالاقتصادية في العراق الحديث: النفط والديمقراطية والسوق في المشروع الاقتصاديالوطني (1951-2006)"، دار المدى، دمشق وبغداد، 2009. 

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media & managed by Ilykit