العراق وإيران: من العصر الإخميني إلى العصر الخميني
    السبت 27 أبريل / نيسان 2024 - 18:14
    د. حميد الكفائي
    باحث في الشؤون السياسية والاقتصادية
    نبذة تأريخية

    أول غزو خارجي للعراق كان غزو الفرس الإخمينيين الذين أسقطوا الإمبراطورية البابلية عام 539 قبل الميلاد، إذ هزم الجيش الإخميني البابليين في مدينة أوبس (Opis) شرقي نهر دجلة،ثم دخلوا إلى بابل بقيادة سايروس، الذي أعلن نفسه ملكا على العراق، فأطلق سراح السجناء السياسيين وإعادة الاعتبار إلى المعابد البابلية.

    وفي عام 331 ق. م، غزا الاسكندر المقدوني العراق وأسقط حكم الإخمينيين وضم العراق إلى الإمبراطورية السلوقية (Seleucid Empire) وبنى مدينتي سلوقيا (Seleucia) وطيسفون (Ctesiphon) على ضفتي نهر دجلة شرقي بغداد.بقي الإغريق في العراق حتى العام 247 ق. م. عندما داهمهم الفرس الباراثيون أو (الفرثيون) وأسقطوا حكمهم واحتلوا سلوقيا وطيسفون واتخذوا منها عاصمة صيفية لهم. 

    في أواخر حكم الفرثيين بدأت الزرادشتية بالانتشار في بلاد فارس. لم يبقَ الفرثيون طويلا في العراق، إذ هاجمهم الفرس الساسانيون وأسقطوا حكمهم واحتلوا العراق واتخذوا من طيسفون عاصمة صيفية لهم. انتشرت الزرادشتية بشكل واسع في عهد الساسانيين،وبعض المصادر تقول إنها ديانة آشورية نشأت ابتداءً في العراق، بينما كانت اللغة السائدة في تلك الفترة هي اللغة البهلوية، التي اتخذ منها رضا خان بعد22 قرنا اسما له عندما أعلن نفسه ملكا لإيران عام 1926.

    بقي الساسانيون يحكمون العراق رغم رفض السكان لهم وقد حصلت ثورات عراقية عديدة ضد الحكم الساساني في عهد الملك داريوش لكنها قُمعت وبقي الفرس جاثمين على صدر العراق. ومن أبرز المعارك التي خلدها التأريخ بين العرب والفرس في العراق هي معركة ذي قار التي انتصر فيها العرب ابتداءً، رغم الخسائر التي تكبدوها بمقتل النعمان بن المنذر وقادة آخرين، لكن الغلبة النهائية كانت للفرس. وهذه المعارك والتمردات تدل على أن العرب لم يكونوا راضين بحكم الفرسلهم، وأنهم رغم علمهم بتفوق الفرس لم يستكينوا للظلم الواقع عليهم.

    العرب المسلمون

    وفي عام 634 حاول العرب المسلمون أن يخرجوا الفرس من العراق في معركة الجسر، بقيادة أبو عبيدة مسعود الثقفي،غير أن الغلبة كانت للساسانيين لأن العرب لم يستعدوا بما فيه الكفاية. لكن الفرصة حانتبعد ثلاث سنوات عندما اشتدت الخلافات بين الأسرة الساسانية التي أضعفت الامبراطورية،إذ كلَّف الخليفة عمر بن الخطاب سعد بن أبي وقاص بقيادة الجيش العربي الإسلامي، الذي كان أكثر انضباطا وتسليحا هذه المرة، فتمكن من إلحاق الهزيمة بالجيش الساساني،الذي كان بقيادة رستم فروخزاد، في معركة القادسية عام 637م، فهرب الشاه كسرى يزدجرد من المدائن تاركا وراءهخزائن مليئة بالأموال،التي استولى عليها العرب، ومكَّنتهم من مواصلة الحرب حتى أسقطوا الإمبراطورية الساسانية كليا في معركة نهاوند. 

    وبعد انتصار العرب كليا، هرب يزدجرد إلى مرو، حيث اغتيل هناك عام 651. حاولتبعض المدن الفارسية الخروج على الخلافة الإسلامية عدة مرات، خصوصا في معاقل الفرس في أصفهان والري وهمدان، لكنها فشلت إذ دخل معظم السكان في الإسلام ومن لم يدخل، فُرضت عليه الجزية، أي أن الدين الإسلامي لم يفرض على السكان مطلقا بل فُرِضت الجزية كضريبة للذين اختاروا ألا ينخرطوا في الدفاع عن الدولة الجديدة.

    لم يغفر الإيرانيون للعرب إسقاط الإمبراطورية الساسانية حتى الآن، علما أنها كانت آيلة إلى السقوط، سواءٌ على أيدي العرب أو غيرهم. وهذه المشاعر يحملها معظم الإيرانيين الفرس، ويصرحون بها أو تظهر بشكل عفوي أحيانا، وأنا شخصيا لاحظتها بوضوح عندهم،وقد سألت أحدهم، وكان متدينا، ألست سعيدا بأنك الآن مسلم؟ فقال (الحمد لله) فقلت لماذا إذنـ ترى الفتح العربي لبلادكم غزوا "همجيا"؟ فلولاه لم صرتم مسلمين! لم تكن لديه إجابة مقنعة. وفي كل الأحوال، سوف أعود إلى هذا الموضوع لاحقا. 

    البويهيون

    وبعد مرور ما يقارب 300 عام على حكم العرب لإيران، وبعد أن ضعفت الخلافة العباسية، ظهر البويهيون، وهم ديالمةيدينون بالمذهب الشيعيالزيدي، وقد تمركزوا في شيراز، وحكموا باسم الخليفة العباسي المستكفي بالله، الواقع تحت سيطرة الترك حينذاك. ومن أجل أن يتخلص المستكفي بالله، من هيمنة الترك على الخلافة العباسية، سمح للبويهيين بقيادة الأخوة الثلاثة، علي وحسن وأحمد، بالسيطرة على بغداد من أجل إزاحة الترك من السلطة، وعندما دخلوا بغداد وسيطروا على الخلافة، أطلق المستكفي بالله على علي بُوَيْه لقب (مُعِّز الدولة)، وعلى أخيه أحمد (عماد الدولة) وعلى حسن (ركن الدولة)! 

    صار البويهيونأصحاب السلطة الحقيقيين في الدولة العباسية، بل ابتدعوا لزعيمهم لقب (شاهنشاه)، أو (ملك الملوك)، فتحول الخليفة العباسي إلى رمزفقط، مجردٍ من أي سلطة، فمن أين تأتيه السلطة بوجود (ملك الملوك)! 

    السلاجقة

    بمرور الزمن ضعف حكم بني بُوَيْه وانقسمت الدولة العباسية إلى أمارات، وعندها استنجد الخليفة القائم بأمر الله بالسلاجقة، كي يطيحوا بحكم البويهيين في العراق، فجاء السلاجقة عام 1055 بقيادة طغرل بك واحتلوا العراق، بينما انسحب البويهيون إلى إيران وظلوا يحكمون هناك. بقي السلاجقة يحكمون العراق فعليا، بينما ظل الخليفة العباسي مجرد رمز، يضفي على حكمهم الشرعية الدينية والتأريخية. بقي السلاجقة يتحكمون بالدولة العباسية حتى أسقطهم الخوارزميونعام 1194م،والذين استعان بهم الخليفة العباسي أيضا. كانالخوارزميون يعملون جندا وعبيدا عند السلاجقة، وبرز منهم أنوشتجين كقائد عسكري ماهر، فولّاه السلاجقة أمارة خوارزم. وبعد مماته، تولى ابنه قطب الدين محمد الأمارة وأعلن نفسه ملكا، واستغل ضعف الدولة في عهد الحاكم السلجوقي أحمدسنجر، فبسط نفوذه على العديد من المدن والمناطق التي حكمها السلاجقة، وبعد مماته تولى ابنه علاء الدين أستيز الحكم وأكمل السيطرة على الإمبراطورية السلجوقية. حكم الخوارزميون المنطقة حتى أسقطهم جنكيز خان عام 1219م.

    لا أريد التوسع في سرد تفاصيل التأريخ القديم،فهناك تفاصيل كثيرة يمكن إهمالها لأنها ليست وثيقة الصلة بموضوع البحث، وما يعنيني هنا هو العلاقة المأزومة بين إيران والعراق عبر التأريخ، لذلك سأركز على الإمبراطوريات أو السلالات التي حكمت البلدين وربطت العراق بإيران، سواء من أجل التوسع عبر الاحتلال العسكري، أو التوسع باسم الدين أو المذهب، مدعوما بالقوة العسكرية.

    ولابد من القول إن العراق احتضن الحضارات القديمة قبل أن يسمع العالم بأي من الأقوام الإيرانية بآلاف السنين، فقد قامت فيهحضارات سومر وأكد وبابل وآشور، وكان هذا الثراء الحضاري والعلمي السبب الأساسي لأن يصير العراق محط أنظار الأقوام الأخرى كالإغريق والفرس والترك والإنجليز. الحضارات العراقية متفوقة في وقتها على الحضارات العالمية، ويكفي العراقيين فخرا أن معظم العلوم والفنون الأولية اخترعت ووجدت في العراق، من نظرية (أرخميدس) التي عملت وفقها الجنائن المعلقة، قبل أن يتوصل إليها أرخميدس إلى مسلة حمورابي إلى بطارية بغداد التي كانت تشع نورا قبل ألفي عام.وحتى التقويم الذي تستخدمه إيران حاليا هو تقويم بابلي، والإيرانيون أنفسهم يقرون بهذا على استحياء عندما يقولون إن تقويمهم "مماثل" للتقويم البابلي! فكيف يكون مماثلا إن كان البابليون قد سبوا الساسانيين بألف عام؟

    الصفويون

    برز الصفويون بعد تفتت الإمبراطورية التيمورية (1501-1762)، وهم سلالة إيرانية من أصل كردي أو تركي، منطلقين من أردبيل. ارتكز الصفويون على تأكيد الهوية الإيرانية للمنطقة برمتها، وقد بدأوا كطريقة دينية أسسها صفي الدين الأردبيلي، وكانوا في البداية يعتنقون المذهب الحنفي السني، ثم تحولوا إلى المذهب الجعفري الشيعي في عهد إسماعيل الأول الذي فرض التشيع على الدولة.وهناك قصص عديدة تفسر تحولهم إلى المذهب الشيعي، بعضها خيالية والأخرى واقعية لها علاقة بالسياسة وإدارة الدولة.

    ظهر في عهد الصفويين التحالف بين رجال الدين والتجار لأول مرة، فازدادنفوذ رجال الدين وتوسعت ثرواتهم إذ امتلكوا الأراضي وشاركوا التجار في تجارتهم. كانت لغة البلاط في عهدهم هي الأذرية (التركية)،وهي لغتهم، إذ تركوا رسائل وأشعارا بالتركية،لكن لغة السكان والإدارة والثقافة كانت الفارسية. 

    من أهم ملوك العهد الصفوي هو عباس الاول الذي شجع الفنون والحرف والتجارة. وتقول مصادر إن سبب تحول الصفويين إلى التشيع هو أنهم لم يستطيعوا مجابهة العثمانيين الذين يشتركون معهم في العرق والدين والمذهب، لذلك قرروا أن يخالفوهم في المذهب، فهو الشيء الوحيد الذي يمكنهم تغييره، كي يقنعوا شعوبهم بمحاربة أعدائهم العثمانيين. 

    كذلك أرادوا توحيد الشعوب الإيرانية المختلفة عرقيا وثقافيا ولغويا، ففرضوا التشيع على الجميع، خصوصا الفرس والأذريين، وهم الغالبية. وهذا الرأي سمعته من عالمة الآثار العراقية الراحلة، الدكتورة لمياء الكيلاني، وقد كتبتُه في حياتها ونسبته إليها، في مقال نُشر عام 2006 في مجلة (إيلاف) الألكترونية، ومازال منشورا فيها تحت عنوان (الصفويون في المتحف البريطاني)!

    كان الصفويون شيعة متطرفين وقد استخدموا المذهب لتوحيد الدولة وزيادة تماسكها، وعمَّقوا الخلافات المذهبية وابتدعوا الكثير من الخرافات، وقد انتهجت نهجهم السلالات التي حكمت إيران لاحقا لأن وجود عقيدة دينية موحدة، ومختلفة عن عقائد الدول المجاورة، يجعل الدولة متماسكة ويزيدها قوة ويدفع الرعية جميعا إلى موالاةوإطاعةالحاكم الديني المقدس، ويدافعون عن الدولة ضد "أعدائها" المختلفين عنهم مذهبيا أو دينيا، وهذا ما يجري هذه الأيام في إيران ودول أخرى. فكلما كان الحاكم مقدسا، صار التمسك به والدفاع عنه واجبا دينيا مقدسا، والموت دونه شهادة تُدخِل صاحبها الجنة في أعلى درجاتها.

    القندهاريون

    وفي عام 1724 تمكن القندهاريون الأفغان من إسقاط حكم الصفويين، غير أن الأفغان وافقوا في اتفاقية همدان لعام 1727 على أن تكون السيادة للعثمانيين وأن يكون الحكم للأفغان الذين كانوا بزعامة أمير أشرف. وفي تلك الفترة، اتفق العثمانيون والروس على تقاسم النفوذ في إيران بعد سقوط الصفويين، رغم وجود الأفغان في الحكم، إذ يبدو أنهم لم يتوقعوا لهم البقاء طويلا أو كانوا يحاولون إيجاد طريقة للخلاص منهم، وفعلا لم يبقَ الأفغان طويلا في الحكم. 

    الأفشاريون

    وفي تلك الأثناء استغل القائد العسكري، نادر شاه أفشار، الوضع المرتبك، وبدأ بالسيطرة على مناطق عديدة في إيران، مثل مشهد، وحظي بتأييد الشاه الصفوي طهماسب في مازندران. كان نادر شاه قائد عسكريا بارعا وقد أطلق عليه المؤرخ البريطاني مايكل أكسويرذي،لقب "نابليون بلاد فارس". وقد تمكن من إلحاق الهزيمة بالأفغان عام 1729، منتزعا أصفهان منهم، واصطدم بالعثمانيين فحاربهم ولم يتمكن منهم، لكنه صمد بوجههم واستعاد الأقاليم الإيرانية المحتلة. قام نادر شاه بتعيين الشاه عباس الثالث، وكان طفلا رضيعا، حاكما صفويا، وحاول السيطرة على بغداد الخاضعة للعثمانيين آنذاك، لكنه لم يستطع فاضطر إلى عقد صلح مع العثمانيين والتعايش معهم. 

    وفي عام 1736 أقدم نادر شاه على عزل عباس الثالث وتنصيب نفسه ملكا، وفي عام 1740، أي بعد أربع سنوات فقط، قام بقتل الطفل عباس وأبيه طهماسب،وبذلك أنهى العهد الصفوي كليا وتفرد بالسلطة، وعندها بدأ العصر الأفشاري رسميا، وكان امتدادا للعهد الصفوي، فلم يتغير فيه شيء سوى الاسرة الحاكمة. 

    بلغت الإمبراطورية الفارسية أوج عظمتها في عهده وامتدت إلى مساحات لم تبلغها منذ عهد الساسانيين، وحكمت أجزاءً من العراق، لكنه لم يتمكن من السيطرة عليه كليا، فسلك طريقا آخر للتأثير في العراق، ألا وهو الغلو الطائفي وتفريق المجتمع العراقي، فأقدم على طلي القبب في المراقد الشيعية في العراق بالذهب أو ما سمي حينها بـ (تذهيب المراقد). 

    وهذا الأمر معروف وحتى خطباء المنابر الحسينية العارفون بالتأريخ، كالمرحوم الشيخ الوائلي، يذكرون قصصا بهذا الخصوص،إحداها حصلت عند تذهيب مرقد الإمام الكاظم، وهي أن أحد المتنفذين قال لنادر شاه إن الإمام الكاظم كان في حياته زاهدا إلى أبعد الحدود فكيف تطلي مرقده بالذهب، فرد عليه نادر شاه قائلا (إن الذي دفعني لطلي مرقده بالذهب هو زهده الاستثنائي، ولو كان باذخا لما استحق ذلك).

    القاجاريون

    ضعفت الإمبراطورية الأفشارية شيئا فشيئا بعد اغتيال مؤسسها نادر شاه عام 1747، وفي عام 1796 تمكن محمد خان قاجار من الإطاحة بالأفشاريين ليقيم حكم الأسرة القاجارية. غير أن التناحر داخل أعضاء الأسرة أضعف قبضتها على الحكم، ما وفر فرصة للبريطانيين والروس لتقاسم النفوذ على إيران من جديد. بقي الملوك القاجاريون كواجهة فقط، بينما سعى البريطانيون والروس لتقوية نفوذهم. 

    تمكن البريطانيون من ترسيخ نفوذهم في إيران عبر رعاية طبقة من ضباط الجيش، كان أبرزهم رضا خان، الذي حظي برعاية خاصة، إذ عينوه آمرا لإحدى فرق الجيش، هي فرقة الخيالة، قوزاق(Cossack)،التي تأسست عام 1879 في قزوين، على غرار (فرقة الخيالة الروسية).وفي عام1921،وبتشجيع من البريطانيين ومساندتهم، زحف رضا خان بقوته العسكرية على طهران وأطاح بالحكومة القاجارية،وشكَّل حكومة جديدة برئاسة ضياء الدين طباطبائي، وقد تولى هو فيها وزارة الدفاع، وكان ذلك مزامنا لتأسيس الدولة العراقية الحديثة. وبعد عامين فقط عزل رضا خان رئيس الوزراء ضياء الدين طباطبائي وتولى رئاسة الوزراء بنفسه،وعندئذ صارت بريطانيا تتحكم بكل من العراق وإيران في الوقت نفسه. 

    صار رضا خان الحاكم الفعلي، لكنهأبقىعلى الأسرة القاجاريةكأسرة مالكة رسميا.أدرك آخر ملوك القاجار، أحمد شاه، أن المستقبل لا يبشر بخير لأسرته، فغادر إيران إلى بريطانيا "للعلاج"، وبقي هناك. انتهز رضا خان فرصة غياب الشاه، فأنهى حكم الأسرة القاجارية رسميا. 

    الأسرة البهلوية

    في عام 1926، أعلن رضا خان نفسه ملكا على إيران، بمباركة البريطانيين والروس. كما حصل على مباركة البرلمان الإيراني الذي تشكل بعد الثورة الدستورية عام 1909. تبنى رضا خان لقبا جديدا هو (بهلوي)، الذي يشير إلى اللغة البهلوية التي سادت في العصر الساساني، موحيا بأن حكمه هو امتداد للعصر الساساني، ومستمداأيديولوجيته وإلهامه وفخره من الساسانيين الزرادشتيين، بل أطلق على نفسه لقب (آريا مهر) التي تعني (نور الآريين).

    حكم رضا خان إيران بدهاء وحنكة، وعلى الرغم من أنه جاء إلى الحكم بمساعدة البريطانيين ورعايتهم، إلا أنه نهج نهجا آخر، فإيران واقعة تحت تأثير دولتين عظميين آنذاك، هما روسيا وبريطانيا. لا يستطيع أي حاكم إيراني آنذاك أن يتجاهل أيا منهما. كانت سياسة رضا خان، الذي صار يعرف بلقبه الجديد (بهلوي)، تعتمد على الاستعانة بالروس ضد البريطانيين تارة، والبريطانيين ضد الروس تارة أخرى، ولكن دون علم أي منهما! نجحت هذه السياسة لعشرين عاما تقريبا،حتى تحالفالروس والبريطانيين في الحرب العالمية الثانية، وحينها اكتشفواخططه المناهضة للطرفين، عندئذ أجبره البريطانيونعلى التنازل عن العرش لابنه محمد رضا.

    انتهج الابن سياسة مختلفة، مستفيدا من أخطاء أبيه، فاعتمد كليا على بريطانيا والعالم الغربي، خصوصا وأنها الأقوى، وحاول تحديث إيران اقتصاديا واجتماعيا، لكنه لم ينفتح سياسيا بل كان حاكما مستبداوسلطانا مطلق الصلاحيات،بل مارس طقوسا موغلة في البدائية مثل إرغام المسؤولين والشخصيات، وحتى رجال الدين والوزراء، على الإنحناء أمامه وتقبيل يده، وفعل الشيء نفسه مع زوجته، فرح. تحالف محمد رضا بهلوي مع الولايات المتحدة وتبوأ موقع شرطي الخليج، لكن السياسة الإيرانية تجاه العراق لم تتغير عن سياسات أسلافه بل كانتتقوم على زعزعة استقرار العراق، باستغلال مشاكله الداخلية، ومحاولة الاستيلاء عليه أو على الأقل إضعافه،كي تتمكن إيران من التحكم بهواستغلال ضعفه لأغراضها الأخرى.

    مخابرات الشاه كانت تعرف كل ما يجري في العراق، بل تعرف حتى قرارات الحكومة العراقية قبل الإعلان عنها، وقد ذكر محافظ كربلاء في السبعينيات، محمد حسين حسن الشامي، في مقابلة مع د. حميد عبد الله، أنه كان في زيارة إلى إيران، وهناك أخبره المسؤولون الإيرانيون بأن قرارا قد اتخذ في بغداد بإقالته، وعندما عاد إلى العراق أبلغته الحكومة بعد فترة وجيزة بأنه مقال من منصبه.

    استغل شاه إيران المشكلة الكردية التي عجزت الحكومات المتعاقبة عن حلها، رغم أن حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم حاولت حلها، واستقبلت الزعيم الكردي الملا مصطفى بارزاني في بغداد، بعد أن كان منفيا في موسكو، لكن التشدد الكرديحال دون ذلك فانطلقت الثورة الكردية من جديد إبان عهدالزعيم عبد الكريم قاسم، والتي اعتبرها الزعيم الكردي الحالي، مسعود بارزاني، خطأ استراتيجيا واعتذر عنها في بيان منشور، قائلا ما كان يجب أن نقاتل حكومة الزعيم كريم قاسم الوطنية.

    وأثناء حكم الثنائي البكر وصدام حسين، أخذ الشاه يدرب الانفصاليين الكرد ويدعمهم بالمال والسلاح والمعلومات حتى عجز العراق كليا عن القتال بسبب نفاد عتاده، حسب ادعاء صدام حسين علنا، بحضور رئيس أركان الجيش، الفريقالركن عبد الجبار شنشل، واضطر للتوقيع على اتفاقية الجزائر لعام 1975 والتي تنازل بموجبها عن نصف شط العرب لإيران، الأمر الذي جعل النهر خارج سيطرة العراق، بل سمح بتمدد متواصل للحدود الإيرانية نحو العراق بسبب الطمي الذي سببه اتجاه تيار المياه في شط العرب، إذ تتآكل الضفة في الجانب العراقي باستمرار، الأمر الذي يحرك خط التالوك (Thalweg) باتجاه العراق، ويعطي لإيران أراضي جديدة. 

    العهد الخميني

    مع ذلك استقرت العلاقة بين العراق وإيران، ولكن لأربع سنوات فقط، ثم عاد التوتر إليها إثر اندلاع الثورة الإيرانية وإسقاط النظامالشاهنشاهي الدكتاتوري، وقيام نظام ولاية الفقيه الديني التوسعي، والذي هو أكثر دكتاتورية وتعسفا من سلفه الشاهنشاهي، رغم لجوئه إلى الانتخابات الدورية لانتخاب الرئيس وأعضاء البرلمان، وهذه الانتخاباتليست حرة لأن المرشح الذي لا يقره "مجلس صيانة الدستور"، لا يمكنه الترشح. في الانتخابات الماضية مثلا، رشح للرئاسة 600 مرشح، بينهم رئيس البرلمان السابق علي لاريجاني، ورئيس الجمهورية الأسبق، محمود أحمدي نجاد، وعدد كبير من الشخصيات المعروفة الأخرى، لكن مجلس صيانة الدستور منع منهم 593، وسمح لسبعة مرشحين فقط! والهدف هو من أجل أن يفوز مرشح الولي الفقيه، إبراهيم رئيسي،في الانتخابات.

    النظام (الإسلامي) الجديد ناصب العراق تحديدا، ودول المنطقة عموما،العداء، وأعلن عن عزمه على (تصدير الثورة) إلى الدول المجاورة، الأمر الذي دفع العراق، بتشجيع من القوى الرئيسية في العالم، وهي الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، ودعم الدول العربية، التي شعرت بالخطر، إلى إلغاء اتفاقية الجزائر ثم الانجرار إلى حرب مدمرة استمرت ثماني سنوات قُتل خلالها أكثر من مليون عراقي وإيراني، وجُرِح وأُعيق وشُرِّد وهُجِّر ملايين آخرون.

    رفضت إيران طوال السنوات الثماني العجاف كل مساعي السلام العربية والإسلامية والدولية، وأصرت على تغيير النظام السياسي في العراق، رغم أن ذلك ليس مسؤوليتها، فبقاء الأنظمة السياسية أو إزالتها هو من مهام الشعوب التي تحكمها تلك الأنظمة، ولا دخلللدول الأخرىفيه. اضطرت إيران في النهاية إلى القبول بوقف الحرب، بعد أن أدرك قادتها أنهم لن يستطيعوا اسقاط النظام العراقي، المسنود عالميا، فأعلن الزعيم الإيراني الراحل، روح الله خميني،القبول بقرار مجلس الأمن الداعي إلى وقف إطلاق الناس، وقال إنقبوله هو بمثابة (تجرُّع السم).

    لكن نظام صدام حسين، الذي أنهكته الحرب وبددت أمواله، أقدم على احتلال الكويت عام 1990، متوهما أن الأمر سهل وأن العالم الذي سانده خلال حربه مع إيران سوف يصمت ويبتلع الاحتلال ويتركه يستولي على الكويت. اضطر المجتمع الدولي إلى تشكيل تحالف واسع ضم 28 دولة لإخراج العراق من الكويت بالقوة العسكرية، وقد تمكن فعلا، مكبِّداً العراق خسائر بشرية ومادية فادحة. وكنتيجة لهذه الهزيمة المدوية، اندلعت انتفاضة عارمة في معظم محافظات العراق شمالا وجنوبا، بتشجيع من الرئيس الأمريكي جورج بوش شخصيا،الذي قال حرفيا (على الشعب العراقي أن يمسك بزمام المبادرة ويزيح الدكتاتورعن السلطة)! لكن المجتمع الدولي تخلى عن المنتفضين العراقيين وسمح لنظام صدام بقمعهم قمعا وحشيا، وقد دفن آلاف الضحايا في مقابر جماعية اكتشفت بعد سقوط النظام. الجزء الوحيد من العراق الذي تمتع بحماية دولية كان كردستان، إذ تمكن الكرد من الاستقلال فعليا عن النظام فأقاموا حكومتين، إحداهما في السليمانية بقيادة الاتحاد الوطني الكردستاني، بزعامة جلال طالباني، والأخرى في أربيل بقيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني. 

    ولم يكتفِ المجتمع الدولي بالسماح للنظام بقمع انتفاضة آذار (الإسلاميون يسمونها "الانتفاضة الشعبانية"، للدلالة على أنها إسلامية، علما أنها لم تكن كذلك، بل كانت شعبيةوطنية)، بل فرض حصارا خانقا على العراق أضر بالبنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية في العراق، بل غيَّر سلوك العراقيين كليا، وكان ذلك الحصار كارثة إنسانية مروعة دامت 12 عاماوسوف تستمر آثارها لعشرات السنين. 

    الاحتلال الأمريكي

    وفي عام 2003، أقدم الأمريكيون، ومعهم دول أخرى، على احتلال العراق عسكريا، تحت ذريعة وجود أسلحة دمار شامل، التي لم يعثروا عليها، فأسقطوا النظام، الذي كان نظاما قمعيا عبثيا مغامرا، غامر بأمن العراق ومستقبله وتماسك شعبه، لكن المشكلة أنهم أسقطوا معه الدولة العراقية بأكملها، إذ حلوا الجيش العراقي وأجهزة الأمن والشرطة والمخابرات وحزب البعث، ما حوَّل العراق إلى فوضى عارمة، استغلتها الجماعات المسلحة القادمة من إيران استغلالا بشعا، ومارست أفعالا ثأرية، منافية لأبسط القيم الدينية والعرفية، ضد ضباط الجيش والشرطة وأعضاء حزب البعث، ولابد من التوضيح قليلا حول كيفية حصول ذلك.

    خلال الحرب العراقية الإيرانية، أسر الإيرانيون آلاف العراقيين، بينما هرب كثيرون إلى إيران،إما خشية من أن يقتلوا في الحرب، التي اعتبروها عبثية وغير ضرورية، أو إيمانا منهم بأيديولوجية النظام الإيراني الجديد، وسعيا منهم لإسناده ضد بلدهم ودول المنطقة الأخرى،التي أعلن عداءه لها وعزمه على إسقاط أنظمتها. استغل النظام الإيراني وضع هؤلاء الصعب والاستثنائي، وعدم وجود خيارات أخرى لهم، فشكل منهم مليشيات مسلحة تحارب إلى جانبه، وخلايا دينية للتبشير بأيديولوجيته. لكنه تخلى عن الكثير منهم بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية، فهاجر آلاف منهم إلى أوروبا وكندا وأمريكا. لكن الموالين للنظام الإيراني، أو غير القادرين على المغادرة، بقوا في إيران. وعندما سقط النظام العراقي عام 2003،دخلت هذه الجماعات المسلحة إلى العراق وملأت الفراغ الذي أحدثه الأمريكيون.

    أسست الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران وجودا عسكريا واجتماعيا ثم ماليا وسياسيا لها في العراق. وكل ذلك حصل على مرأى ومسمعالأمريكيين، الذين يجهل معظمهم وضع العراق وتأريخه السياسي والاجتماعي، بينما توهم الآخرون بأنهم كانوا مسيطرين على الوضع،باعتبارهم قوة عظمى قادرة على فعل أي شيء وليس بمقدور أحد أن يتحداها. 

    وخلال ثماني سنوات خرجوا وتركوا الجماعات المسلحة المتشدقة بالدين تهيمن على الدولة، وبدأت تتقاسم الأموال العامة وعقارات الدولة ومؤسساتها ومصالحها، بل بدأت تسرق أموال الدولة جهارا نهارا كما حصل فيما سمي بـ (سرقة القرن)،إذ سرقت تلك الجماعات اثني عشر مليار وخمسمئة مليون دولار من أموال دائرة الضرائب، حسبما صرح به وزير المالية السابق،الذي حصلت السرقة في عهده، علي علاوي أثناء حديث لمؤسسة تشاتام هاوس البريطانية المعروفة. 

    كل من يعارض هذه الجماعات المسلحة، يُقتَل أو يُقمَع أو يُدفَع إلى الهجرة،ولا أحد ينسى ما حصل للشبان المتظاهرين،فيما سمي بانتفاضة تشرين عامي 2019 و2020، من قتل وتنكيل وخطف وإرهاب، إذ قتل منهم ما يقارب الألف شخص، من مختلف محافظات العراق ومن مختلف التوجهات السياسية والثقافية والخلفيات الدينية. لقد صار الإرهاب والدجل والسرقة والارتماء في أحضان النظام الإيراني وسيلة هؤلاءلحكم البلاد، حتى مكّنواإيران من السيطرة على الدولة العراقية برمتها. ولا حاجة للإطناب في هذا الامر، فقد صار معروفا للقاصي والداني.

    السيطرة على العراق باسم المذهب

    في النهاية تمكنت إيران، لأول مرة في تأريخها الطويل من السيطرة على العراق، ليس عبر الاحتلال العسكري المباشر، أو حياكة المؤامرات وزعزعة الاستقرار، كما كانت تفعل سابقا، وإنما عبر الجماعات العراقية المرتبطة بهاوالتي تدين لنظامها بالولاء، وتتلقى منه التوجيهات والإرشادات والفتاوى،وتستمد منه الشرعية الدينية، وتهرب إليه عندما تضيق بها السبل. فالقتلة والسراق والخاطفون يلجأون إلى إيران إنْ لم يستطيعوا البقاء في العراق بسبب الخشية من ملاحقة الناس لهم. 

    يعتبر العراق ركنا أساسيا من أركان نظام ولاية الفقيه الإيراني، ففيه مراقد الشيعة المقدسة وفيه معقل التشيع تأريخيا، وفيه الحوزة الدينية في النجف،التي يمتد تأريخها لأكثر من ألف عام، وفيه شعب عربي غالبيته شيعية، يمكن إيران أن تستخدمه كقاعدة انطلاق للهيمنة على المنطقة. ولكن كيف تفعل ذلك؟ هناك طرق عديدة اختارت إيران أن تستخدمها جميعا، وتجعلها تكمِّل بعضها بعضا، فهذه فرصتها التأريخية للاستيلاء على العراق وتسخير إمكانياته لمصلحتها.

    أولى هذه الطرق هي العمل على سلخ عرب العراق الشيعة عن عروبتهم، ودق إسفين بينهم وبين أشقائهم العرب. وأولى أدوات سلخ العراقيين عن العالم العربي هي تعميق الخلافات المذهبية وإطلاق الأكاذيب والأوهام وبث الخرافات كي يبقى العراقيون متخلفين، وبذلك يظلون أسرى لإيران، تستخدمهم كمسلحين يحاربون أشقاءهم نيابة عنها. 

    لقد ساعد نظام صدام حسين إيران عندما اضطهد شيعة العراق وكرده ودفعهم إلى الالتجاء إلى إيران، وعندما جعل نظامه السياسي عائليا،يعتمد بالدرجة الأولى على الولاء لشخصه هو. لقد مكَّن أبناءه وأصهاره وأخوته وأصدقاءه وأبناء عمومته ومدينته، ومنحهم المناصب والسلطة والمال، وبسبب ذلك، اقتنع العراقيون الشيعة بأن النظام معادٍ لهم، وكان فعلا معاديا، ليس لهم فقط بل لكل من يعارضه أو ينتقده، فالاضطهاد والقتل الذي طال المعارضين، له أول وليس له آخر. لكنه كان نظاما قمعيا لا يميز في قمعه بين العراقيين، بل قمع ولاحق واضطهد كل معارضيه، حتى من أقارب رأس النظام وأبناء مدينته. 

    كما أن ابتعاد العرب عن العراق بعد احتلال الكويت، وبعد التغيير عام 2003، هو الآخر أقنع الكثير من العراقيين بأن العرب لن يقبلوا بأنيتولى الشيعة الحكم أو يشاركوا فيه، وكان هذا خطأ استراتيجيا ارتكبته الدول العربية، إذ ساعد إيران على فرض هيمنها الثقافية وزاد من أعداد الموالين لنظامها في العراق، الذين اقتنعوا بأن العرب يكرهونهم لأنهم شيعة. وكلما ازدادت الخلافات المذهبية بين السنة والشيعة، وهذا ما تفعله إيران وأتباعها على الدوام، ازدادت عزلة شيعة العراق وازداد بُعدهم عن العرب وباقي المسلمين في العالم، وازدادت تبعيتهم لإيران، واتسع نفوذ إيران في العراق.

    لقد أخذ إسفين إيران في العراق يتعمق بمرور الزمن،عبر ضخ الأكاذيب والخرافات وربطها بالمذهب الشيعي، وبناء العشرات من المراقد الوهمية، والترويج للطقوس التي أخذت تتسع وتزداد غرابةوبُعدا عن الدين الحقيقي، وصارت تمتد لأيام طويلة في معظم أشهر السنة. والهدف هو تعميق الاختلافات بين الشيعة والسنة، بل وجعل المذهب الشيعي وكأنه مختلف كليا عنالمذاهب السنية، بل نقيض لها، عبر الترويج للأكاذيب والإساءة للرموز الدينية السنية والمسيحية والأمثلة كثيرة ومتوفرة في وسائل التواصل واليوتيوب.

    الهدف النهائي هو إشعار شيعة العراق بأنهم ضعفاء ومحاطون بأعداء وأنهم بحاجة إلى إيران كي تحميهم من السنة،"الذين سينفردون بهم ويضطهدونهم إن هم ابتعدوا عنها"! بينما الحقيقة أن شيعة العراق يشكلون أكثر من نصف السكان، ولا يحتاجون لحماية من أي دولة،

    هذا أولا، وثانيا فإنهم غير مهددين أصلا، فعلاقاتهم مع باقي المكونات جيدة ووطيدة تأريخيا ولم تشبْها أي شائبة عبر السنين. لكن هذه العلاقة تضعف بل وتتحول إلى ريبة وشك وخشية بسبب المكائد التي يدبرها أتباع النظام الإيراني لإثارة الفرقة والعداء بين العراقيين. ولو افترضنا أن هناك تهديدا لهم، فإنهم قادرون على حماية أنفسهم عبر تقوية الدولة العراقية ومؤسساتها الأمنية والاقتصادية والسياسية، وبناء علاقات متوازنة مع دول العالم المتقدم، وتعزيز التحالفات مع الدول القوية والغنية، والأهم من كل ذلك ترسيخ النظام الديمقراطي، الذي يضمن لهم حقوقهم وحرياتهم ويساويهم مع باقي مواطني الدولة العراقية.

    في مطلع عام 2023، أعلن في إيران عن اتفاقية بين العراق وإيران للتنقيب عن الآثار الساسانية في العراق وفي أعماق الخليج العربي! وقد كتبتُ عن هذا الموضوع مقالين اثنين تحت عنوان (لماذا تنقب الجمهورية الإسلامية عن الآثار الساسانية) ومازال المقالان منشورين في عدد من المواقع، أولها موقعي الألكتروني (alkifaey.net). الدولة الإيرانية الحالية تسير على خطى العهد الصفوي وتطبق نظريته في التوسع خارج الحدود عبر استغلال الدين والمذهب، لكنها في الوقت نفسه تتمسك بأساليب الأسرة البهلوية بربط إيران بالتأريخ الساساني ومعاداة العرب. 

    بعبارة أخرى، نظام ولاية الفقيه جمعبين أساليب الصفويين الطائفيةالتوسعية، ومكائد البهلويين السياسية والعسكرية، بل زاد على النظامين بتشكيله مليشيات في الدول الأخرى لإثارة القلاقل فيها وشن الحروب على الدول المجاورة والتحكم بالأنظمة السياسية والاقتصادية، وفق توجهات ونزوات قادة النظام. 

    ومن المفارقات أن الصفويين أطلقوا على منطقة الأحواز اسم (عربستان) لأنها منطقة يقطنها العرب، لكن النظام البهلوي غيَّره إلى (خوزستان) كي يقطع أي صلة لسكان الإقليم بالعروبة وأشقائهم العرب،لكن النظام (الإسلامي) الحالي حافظ على هذا الاسم وتمسك به، رغم كل مدَّعياته الدينية، التي انطلت على بعض العراقيين والعرب، بل جند بعضهم أنفسهم لخدمته. 

    أكرر السؤال: لماذا تنقب الجمهورية الإسلامية عن الآثار في العصر الساساني الزرادشتي، وليس داخل حدودها، بل في العراق والخليج العربي؟ لا شك أن السبب هو أن النظام الإيراني يحاول ربط إيران بتأريخها القديم، دون الاكتراثللاختلافات الدينية، وهذا عمل مشروع، ولكن لماذا يحاول الاستيلاء على الدول الأخرى باستخدام حج دينيةوطائفية؟

    والمفارقة أن إيران، في الوقتالذيتسعى فيه لإحياء آثارها القديمة، فإنها، هي وأتباعها في العراق، تسعى جاهدةلطمس الآثار العراقية، التي تشكل الهوية العراقية التي يفتخر بها العراقيون، لما للحضارات العراقية القديمة من تأثير علمي وفني في العالم. لقد ألغت حكومة العبادي وزارة السياحة والآثار عام 2015،بينما حاول بعض أتباع إيرانتغيير اسم محافظة بابل العريقة إلى (مدينة الإمام الحسن)!!! علما أن الحسن لم تطأ قدماه أرض بابل ولا علاقة له بها مطلقا. كما صارت الوزارات المتعلقة بالتعليم والثقافة والداخلية من حصة مليشياتتابعةللحرس الثوري الإيراني! 

    من الواضح أن الهدف هو إلغاء أي أثر يشير إلى أن العراق دولة عريقة ذات حضارة متميزة،وأن حضارتهموغلة في أعماق التأريخ، لأن هذا يبطل ادعاء الإيرانيين بأن العراق تابع تأريخيا لإيران، وفي الوقت نفسه فإنه يعزز الهوية المتميزة للعراقيين، ويرسخ انتماءهم لبلدهم، وهذا يتعارض مع النوايا والأطماع الإيرانية في العراق. 

    إيران أمسكت بالعراق الآن عبر الجماعات المسلحة، ورسخت علاقاتها الثقافية والدينية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية، وصارت للجامعات الإيرانية الرئيسية فروع في العراق، وللشركات الإيرانية مصالح واسعة، وإن استمر هذا الوضع فإن العراق سينتهي كدولة ذات هوية حضاريةمتميزة.

    العراقيون، تأريخيا ونفسيا، غير مستعدين للاندماج مع إيران، خصوصا إذا كان ذلك على حساب انتمائهم العربي، أو عبر الانسجام مع نظام ولاية الفقيه، المنبوذ عالميا، والذي لم يستطِع أن يقيم علاقات مستقرة ومثمرة مع أيٍّ من دول العالم، وكل علاقاته مؤقتة تتحكم بها الظروف الاقتصادية والأمنية الصعبة التي خلقها النظام لشعوب إيران،عبر سياساته، الشاذة القائمة على التدخل في شؤون الدول الأخرىومخالفة القوانين الدولية. لذلك لابد من مقاومة النفوذ الإيراني بكل السبل المتاحة قبل فوات الأوان.

    الدولة الحديثة لا تتخذ من الدين أو العرق أو الأيديولوجية مرتكزا أو عقيدة لها، بل تعتمد بالدرجة الأولى على تعزيز قدرات الشعب ومؤسسات الدولة عبر تفعيل القانون وتنمية الاقتصاد من أجل أن يعيش كل أفراد الشعب، متساوين متحابين متضامنين، باعتبارهم أبناء بلد واحد، يحملون جنسيته ويحرصون على أمنه واستقراره وسيادته،ويساهمون في تنمية اقتصاده وتقوية مؤسساته الدستورية. لا مكان في الدولة العصرية للتمييز على أي أساس. فالمواطنون متساوون أمام القانون، بغض النظر عن اختلافاتهم السياسية أو الدينية أو العرقية أو سلوكياتهم الاجتماعية وأنماطهم الحياتية. 

    إيران وأتباعها يجتهدون في اجتراح طرق مبتكرة لتأزيم العلاقات بين مكونات الشعب العراقي، والإساءة إلى علاقات العراق الدولية، كي يبقى العراق ضعيفا من أجل أن تتحكم به إيران. فإن صار العراق قويا، لن يكون لإيران أي تحكم بالشأن العراقي، بل سيتعامل معها العراقيون كدولة جارة مثل باقي الدول، ويكون الأساس في العلاقة معها هو المصالح المشتركة والتعاون الاقتصادي والتفاعل الثقافي بين دولتين ذات سيادة.

    صار واضحا الآن أن هناك حركة وطنية عراقية نشيطة ترفض بقوةالتبعية لإيران، كما ترفض التقوقع الطائفي، وتسعى للارتباط بدول العالم المتقدمة، وقد تمثلت هذه الحركة بانتفاضة تشرين المجيدة، التي ربما خفتت الآن، بسبب قتل ما يقارب ألف شاب من قادتها، وتهجير الآخرين أو إرهابهم، لكنها باقية،وروحهاالوطنية نابضة وأفكارهامتجددة، ولها أتباع كثيرون بين الشباب تحديدا، فانتماء العراقيين إلى بلدهم عميق وراسخ، وكل محاولات إيران لدفعهم لأن يوالوها على أساس مذهبي لم تنجح بل ولدت شعورا معاكسا. كما أن المكونات الدينية العراقية الأخرى أدركت أن معظم شيعة العراق يوالون بلدهم ويعتزون بانتمائهم الوطني والعربي ولا يقفون موقفا عدائيا أو مناهضا لمن يختلف معهم في المذهب أو الدين أو نمط الحياة. 

    المسألة التي يجب أن ينتبه إليها العراقيون هي أن الطبقاتالسياسية والثقافية الإيرانية، وأتباعها والمؤمنين بأفكارها، لديهم موقف غير ودي من شعب العراق، عبر العصور، وقد رأينا أن الأنظمة الإيرانية المتعاقبة جميعها سعت للسيطرة على العراق، واستغلاله لمصلحة إيران، من العهد الإخميني إلى العهد الخميني. لذلك صار لزاما على العراقيين أن يتوخوا الحذر من السياسة الإيرانية، الآن ومستقبلا، لأنها تسعى لإضعاف العراق واستغلاله، مهما كانت طبيعة النظام أو توجهه السياسي، وأن يحرصوا على تعزيز الهوية الوطنية العراقية وربط العراقيين بتأريخهم وحضاراتهم القديمة التي يعترف بفضلها العالم أجمع، وتقوية الدولة ومؤسساتها واقتصادها وعلاقاتها الدولية.

    المطلوب من العراقيين من الخلفيات الثقافية والدينية والسياسية المختلفة أن يعوا أن بلدهم في خطر داهم، وأن بإمكانهم إنقاذه عبر الوعي والتكاتف وعدم الانجرار إلى محاولات التقوقع الطائفي والمناطقي والقومي، وعدم السماح بإثارة النعرات الطائفية وعدم التصديق بالقصص الملفقة والأكاذيب التي يثيرها أتباع الولي الفقيه بهدف تفرقتهم وإضعافهم. إيران مستعد لأن تفعل المستحيل من أجل أن يبقى العراق تحت نفوذها، ولا سبيل للخلاص من إيران سوى مقاومة نفوذها ومكائدها، وتوطيد العلاقات مع دول العالم المختلفة، وبالأخص الدول العربية.



    حميد الكفائي

    © 2005 - 2024 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media