هل انتهى عهد المليشيات ؟
22/07/2008
د. سناء الحربي
بعد سقوط صدام المقبور تناوشت الشعب العراقي سهام موجعة قريبة و بعيدة أرادت النيل منه و تمزيقه ، و كان كل هم هؤلاء هو تحقيق أهدافهم و فرض قناعاتهم على العراقيين شاءوا أم أبوا . و بما أن الشعب العراقي من الشعوب العصية على مثل هذه الشراذم و تعود على أن يتمسك بقناعته هو لا بتلك التي تفرض عليه بالجبر و القوة و الاستبداد مهما كان شكلها و نوعها و مهما تعددت عناوين أصحابها و أخذت ما أخذت من قدسية مصطنعة و مكانة ملفقة . و لأي صعيد انتمت و بأي غطاء تسترت .. و كان الدرس العراقي موجعا لهؤلاء و إن لم يستوعبه بعضهم الآن فلاشك سيستوعبونه في قابل الأيام ..

و لعل من أقسى ما تمظهر من مظاهر لم تكن مألوفة على المجتمع العراقي هو تشكيل المليشيات المسلحة التي راحت تعيث في الأرض فسادا و قتلا و تهجيرا و فتكا بالأبرياء . ولو راجعنا الماضي القريب و اعني به هذه السنوات التي انقضت بعد الإطاحة بالنظام الدكتاتوري لوقفنا على حقيقة أن بدء ظهور المليشيات كان ببداية تشكيل جيش المهدي الذي بدأ بكونه تشكيلا غير مسلح رغم حجم التنافر القاتل بين تسميته بـ " جيش " و بين ادعاء من شكله بأنه لا يحمل السلاح و لا يسعى لحمله . وهو أمر ثبت عدم صدقيته بعد أسابيع قلائل . في ذلك الوقت كانت القاعدة قد وجدت لها موطئ قدم في بعض المناطق غرب العراق بحجة مقاومة الاحتلال و كانت عبارة عن مجموعات صغيرة دخلت الحدود عبر سوريا و الأردن و السعودية توزعوا بين محرضين و دعاة دينيين يبشرون بفكر القاعدة الظلامي و المتخلف و بين من اكتفى بكسب الشباب و تنظيمهم في مجاميع لم يكن هدفها واضحا تماما ، إلا أنها و حتى تلك اللحظة لم تكن قد تبلورت على شكل يسمح بإطلاق وصف مليشيا عليها . وهذه الفترة المسترخية كانت السبب في اختراق القاعدة من قبل البعثيين و الصداميين و ضباط الجيش السابق الموالين لصدام و حزب البعث و الذين كانوا في النهاية سبب سقوط القاعدة لكونهم كانوا يبحثون أصلا عن مزايا و يسعون إلى أهداف سياسية بالدرجة الأولى و لهذا فما أن لوّحت لهم الولايات المتحدة بإمكانية استيعابهم و إعطائهم دورا ما حتى هدموا أسطورة القاعدة المفتعلة و بدأت أوراقها تتهاوى واحدة تلو الأخرى . أما بالنسبة للمليشيات الكوردية فهي لا تعنينا هنا كثيرا لكونها أصبحت بفعل كونها أمرا واقعا جزءا من القوات الحكومية في مناطق كوردستان و جرى تثبيت ذلك بشكل قانوني فيما كان فيلق بدر و قوات المؤتمر الوطني للسيد أحمد الجلبي قد حلوا أنفسهم فور دخولهم في العملية السياسية . بيد أن الصدريين كانوا يجرون عكس التيار و شيئا فشيئا أصبحنا أمام مليشيا مسلحة مشاكسة و متمردة حتى لأبسط و أتفه ألأسباب . طبيعة المتجمع العراقي و التكوين الأثني و الطائفي لا يسعها القبول بموازنة من هذا النوع فأدى الفعل الصدري إلى ردود أفعال تمثلت بظهور عدد وافر من المليشيات و كانت مدينة البصرة إحدى أهم المدن التي خضعت لمقياس الفعل ورده فبدت الحالة تتبلور باتجاه ظهور مليشيات لأحزاب صغيرة تريد إثبات نفسها بالشكل الذي أثبت الصدريون به أنفسهم و أصبحت الظاهرة متفشية عاشها سكان المدينة حتى الحملة الأمنية الأخيرة التي نجحت بإعادة ألأمور إلى نصابها . على جبهة أخرى التي مثلت العاصمة البؤرة الرئيسة لها كانت القاعدة قد ثبتت أقدامها تحت شعار مواجهة جيش المهدي الذي بدأ حملة تصفية و تهجير ردا على أفعال مماثلة قامت بها القاعدة و لكنها لم تكن واسعة وكان من الممكن احتواؤها لولا مليشيات جيش المهدي التي لم تتسبب بإيصال الأمور إلى حد ظهور مليشيات حددت غايتها و هدفها و تذرعت بكونها مشكلة أصلا لمواجهة جيش المهدي كفيلق عمر بل تجاوز ألأمر هذه الحدود و وصل بالحال إلى ذروة الاحتقان الذي أزهق أرواح الألوف من الأبرياء و أمسى مظهر الانتقام و الانتقام الآخر مألوفا في كل أحياء بغداد .

حين بدأت خطة فرض القانون في العاصمة و التي أتت أكلها عبر مراحلها المتعددة و استطاعت تحجيم نفوذ القاعدة و من ثم القضاء على قوتها ثبت بشكل قاطع أن دور مليشيا جيش المهدي كان السبب الأساس في زعزعة الأوضاع و لم ينقص المراقب دليل على ذلك حيث أن تلك الخطة ما كان لها أن تحقق مردودات سريعة و إيجابية لولا قرار مقتدى الصدر بإخراج مليشياته من اللعبة بعد أن شارك في العملية السياسية و تم إعطاؤه عددا لا يستهان به من الوزارات .. هذا الأمر بحد ذاته اثبت أن المليشيات الصدرية كانت عامل زعزعة و إرباك لمجمل الوضع و ليس عامل أمن و استقرار أو توازن مع الآخر كما حاول و يحاول تصويره البعض ، لأن هذه المليشيات ببساطة من اختلق قدرة ذلك الآخر و منحه الغطاء و الذريعة الكافية للقيام بأعماله الإجرامية ، و إلا علينا إعطاء تفسير منطقي و معقول : لماذا هزمت القاعدة بعد خروج جيش المهدي من لعبة القتل المتبادل ؟؟ لكن فترة التعقل الصدري لم تطل أو بالأحرى أن العقلية الصدرية ما كان لها استيعاب حقيقة أن قوة القلم أقوى من البندقية كما كان يردد الجعفري الذي اكتفى بالتنظير دون أدنى عمل جاد لاحتواء الأوضاع . فالصدريون يرون أن البندقية شيء ضروري لفرض مطالبهم و هذا القول تم ترديده مرارا و تكرارا في ثنايا خطاياتهم الدينية " خطب الجمعة " و السياسية . و ما زال عالقا بهذا الخطاب و متمظهرا بجلاء في عبارة تُحشى بين كل سطر و آخر هي " لا عن ضعف " و كأن المسألة لا تتعدى زمر من الشقاوات تتقاتل في المحلات لفرض سطوتها .. و كأن القوة الحقيقية ليست بالصوت السياسي و العقلانية التي تمكنهم من وضع منهج حركي واضح و إيجاد آليات التنفيذ المناسبة للتطبيق على الأرض .

الأشهر الأخيرة أثبتت قوة الأجهزة الأمنية و تراجع نفوذ المليشيات و لكن السؤال الذي يطرح الآن هل انتهى عهد هذه المليشيات و ذهب إلى غير رجعة ليتنفس العراقيون الصعداء و يديروا شؤون بلادهم بعيدا عن صوت الرصاص و انفجار القنابل وهو الخيار الأكثر رداءة و ينم بعقلية همجية متخلفة أم ما زال الباب مفتوحا على احتمالات أخرى لا سيما بعد انسحاب القوات ألأمريكية خلال العام القادم و الذي يليه ؟؟

يجب التذكير بحقيقة مهمة أخرى هي أن الفكرة المليشياوية جزء من واقع التكوين الصدري و تعود جذورها إلى عهد السيد محمد صادق الصدر الذي كان بعض أتباعه من مدينتي السماوة و الناصرية و البصرة قد طرحوا عليه تكوين مليشيات مسلحة لمقاتلة النظام و لكنه رفض تلك الفكرة لأسباب فسرها البعض بأنها إما خوفا على أتباعه من رد فعل صدام و بطشه بهم أو أنها لا تقع ضمن حيز مشروع و تفكير الرجل سواء كان مشروعا معدا له سلفا أو من تخطيطه هو .
© Copyrights akhbaar.org all right reserved
Designed by NOURAS
Managed by Wesima