مستقبل المنطقة مرهون بنجاح التجربة الديمقراطية الحقيقية في العراق
24/07/2008
حوار مع الكاتب والمحلل السياسي علي آل غراش
"مستقبل المنطقة مرهون بنجاح التجربة الديمقراطية الحقيقية في العراق"
ال غراش: الأنظمة والقوى الدينية من أهم المعوقات في المنطقة
آل غراش: على العرب وايران صد «سيناريو إذكاء الفتنة الطائفية»
علي ال غراش:الإصلاح السياسي الشامل مطلب شعبي وهو قادم لا محالة
"شيعة الخليج جزء من النسيج الوطني ويجب معاقبة مثيري النعرات الطائفية"


لندن- قال الكاتب والمحلل السياسي السعودي علي آل غراش إن الخليج يمر بمرحلة مخاض عنيفة وقوية نتيجة ارتفاع أصوات المطالبين بالإصلاح والمشاركة؛ إلا أن الحكومات الخليجية مازالت متمسكة بمكاسبها واحتكارها للإرادة السياسية.
واعتبر آل غراش استسلام أبناء المجتمع الخليجي للقوى الدينية وعدم انتقادها من أهم معوقات التطور في المنطقة مشيرا إلى تحول هذه القوى إلى قوة ديكتاتورية برداء شرعي. وقال "والأدهى أن تلك القوى الدينية تريد أن تسيطر على المجتمع باسم الدين وباسم الأعرف والأبخص بالمصلحة العامة وبكل شيء دين ودنيا، والتحكم بالمشهد الاجتماعي وإقصاء الأطراف الأخرى".
وأشار آل غراش في حوار خاص نشر على موقع "ميدل ايست اونلاين" إلى أن الشيعة في الخليج تحملوا العديد من الاضطهاد والتهميش والتغييب، خصوصا بعد انتصار الثورة في الجمهورية الإيرانية الإسلامية واندلاع الحرب بين إيران والعراق".
وذكر آل غراش أن شيعة الخليج جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني لمواطني الخليج، وان وجودهم يسبق إنشاء الدول الحديثة التي يعيشون فيها. وأشار آل غراش إلى أن الدول المحترمة هي التي تعامل مواطنيها بدون تمييز على أساس الدين أو المذهب وطالب بقوانين رادعة ضد مثيري النعرات الطائفية.
ودعا الكاتب والمحلل السياسي السعودي علي آل غراش القادة العرب والايرانيين الى توحيد جهودهم للاستفادة من علاقات الجوار والطفرة الاقتصادية والابتعاد عن اثارة الحس الطائفي الذي وصفه بأنه ناتج عن سيناريو سياسي مدروس لزعزعة استقرار الشرق الاوسط.
موضحا ان الغرب يهدف من تأجيج النعرات الطائفية الى نقل الصراع من منطقة البحر المتوسط (العرب واسرائيل) الى الخليج العربي الغني بالنفط.
ورسم آل غراش صورة قاتمة للوضع في الشرق الاوسط والعالم في حال اقدمت الولايات المتحدة او اسرائيل على توجيه ضربة عسكرية لايران.
وفيما يلي تعليقات آل غراش على أهم المواضيع المتعلقة بالمنطقة العربية:

حرب رابعة قادمة في الخليج
إن قرع الطبول لشن حرب على إيران من قبل البعض وخاصة أمريكا ومن يدور في مدارها ودخول إسرائيل بقوة في التأزيم والتصعيد من خلال تهديدها المباشر بضرب إيران ثم تصريح إيران بالرد على أي اعتداء عليها بتدمير تل ابيب والمصالح الأمريكية بالذات في الخليج، له تداعيات خطيرة ومزعجة للغاية لأهل المنطقة.
وفي الحقيقة إن قرار الحرب صعب جدا في هذه المرحلة.. حيث ما زالت اثار تجربة الحرب على العراق الدموية حية، وأصوات الرافضين للحروب قائمة في العالم بشكل عام وفي دول الخليج بشكل خاص، بالإضافة إلى عوامل أخرى سياسية واقتصادية تجعل الحرب خيارا صعبا.
ولكن قرار الحرب غير مستحيل في ظل الطموحات الأمريكية، ورغبة إسرائيل الجامحة لتوجيه ضربة عسكرية لطهران، لفرض أجندتها على المنطقة التي أصبحت ساحة مفتوحة للكيان الإسرائيلي الذي يبحث عن نصر يعيد هيبته.
الحرب على إيران (عندما تكون طويلة) ستكون لها عواقب وخيمة على الجميع وكارثية ومكلفة جدا لدول المنطقة، وستغير معالم المنطقة وربما ستنتهي الخريطة الحالية وليس هناك رابح فالجميع خاسر، وعلى من يشجع الحرب أن يراجع حساباته جيدا، وأضرار الحرب ستطال عددا من دول العالم وخاصة الدول الفقيرة والتي تعتمد على نفط الخليج، وربما ستعم الفوضى في بعض الدول لعدم قدرتها على تامين الطاقة (النفط).
هناك خوف من أن تستغل بعض التيارات الدينية المتشددة وضع الحرب بالسيطرة على المنطقة، لاسيما إن هذه التيارات وبالذات جماعة القاعدة مازالت قادرة على التحرك، وتوفير الأسلحة والدعم بشتى أنواعه وزراعة أعضائها في مناطق حساسة، وخير دليل على ذلك ما كشفت عنه وزارة الداخلية السعودية من القبض على المئات من أعضاء القاعدة في السعودية وبالتحديد في المنطقة الشرقية الغنية بالنفط، بالإضافة إلى وجود دول تبحث عن فرصة للتدخل في الشأن الخليجي.
"الخليجيون من الضفتين ضد التصعيد والتهديد وتحويل المنطقة إلى منطقة صراع ودمار"
تجربة العراق لازالت حية بآلامها ومعاناتها، وشعوب المنطقة الخليجية يشعرون بالقلق من ترديد اسطوانة الحرب.. فالحرب في النهاية دمار. ولهذا فالشعب الخليجي ضد التصعيد والتهديد وتحويل المنطقة إلى منطقة صراع، فأبناء المنطقة من عرب وإيرانيين يبحثون عن الأمن والآمان والسلام ويريدون من قادة المنطقة أن ينتبهوا من المخاطر الكبيرة، التي يحيكها الكبار في العالم بحثا عن مصالحهم.
وعلى قادة المنطقة (العرب والإيرانيين) العمل على ما يخدم مصالح أوطانهم وشعوبهم عبر فتح المجال لأبناء الوطن للشراكة والمشاركة الحقيقية في تحمل المسؤولية الوطنية والاستفادة من الطفرة النفطية وارتفاع الأسعار بما يخدم الشعوب مباشرة.
الخليج منطقة صراع
"الغرب يوظف ثقله السياسي سعيا نحو نقل الصراع من البحر المتوسط الى الخليج العربي الغني بالنفط "
منطقة الخليج يوما بعد يوم تزداد أهميتها العالمية مما يجعلها منطقة صراع جديدة، لأهمية دورها كأهم منتج للطاقة على مستوى العالم، وان المنطقة مقبلة على المزيد من التأزم وعدم الاستقرار والصراعات لتحقيق مصالح خاصة لبعض الدول العظمى ولتصفية الحسابات ولو على حساب أهل المنطقة.
وهناك نية لنقل مركز الصراع في المنطقة من حوض البحر الأبيض المتوسط بين العرب مع دولة الاحتلال الإسرائيلي المدعومة من الغرب وبالخصوص من قبل أمريكا إلى الخليج، عبر إيجاد عدو جديد مشترك للعرب وللعدو الإسرائيلي وكذلك لأمريكا... وهي دولة إيران المجاورة للعرب والتي تسيطر على الضفة الشرقية للخليج. وفي ذلك غايات وأهداف تصب في المصلحة الأمريكية والإسرائيلية، وتضر بمصالح أهل المنطقة من عرب وإيرانيين.
الشراكة مع إيران
" على العرب وإيران صد 'سيناريو إذكاء الفتنة الطائفية"

الإيرانيون اتفقنا معهم أو اختلفنا معهم هم شركاء في المنطقة حيث إن هذه المنطقة من آلاف السنين تتكون من القوميات العربية والفارسية والتركية والكردية وغيرها، وإيران ليست دولة وليدة وحديثة وليست مخلوقا غريبا في المنطقة بل هي امتداد لحضارة عريقة وهي الحضارة الفارسية التي حكمت المنطقة وكانت في فترة زمنية القوة المسيطرة في المنطقة.
وان ما يجمع بين العرب والإيرانيين عوامل كثيرة دينية وثقافية ومصاهرة وحق الجوار. ومن الخطأ الفادح العمل إعلاميا على خلق عداء بين الشعب العربي والإيراني وشحن المواطن العربي ضد إيران وجعلها عدوا للعرب، والعمل على إقصاء دولة نتيجة اختلافات وقتية، والأكثر خطورة في العلاقة العربية الإيرانية اللعب بورقة الطائفية وزج الشعوب في ذلك بدون أي مصلحة للشعوب المسكينة، لان التنوع الطائفي موجود في كل دولة.
لا بد من إيجاد أرضية لتحقيق الشراكة، والتعايش السلمي بين أهل المنطقة من جميع القوميات عربية وفارسية وتركية وكردية وغيرها أو الديانات الإسلامية والمسيحية واليهودية أو المذهبية.
وقد حان الوقت لكي تتحرك شعوب المنطقة بقوة للتعبير عن رأيها وإرادتها بأنها ضد الحروب والاستغلال والتخلف والاستفادة من تجارب الشعوب الأخرى المتحضرة والمتطورة التي فكرت في الحياة والبناء والمستقبل وفي مصالحها، ومنها تجربة الغرب وبالذات الاتحاد الأوروبي الذي يجمع بين عدد من الدول المختلفة في اللغة والمذهب والثقافة.. وحدثت بينها حروب الا انها وجدت في الاعتراف بالاخر واحترام خصوصية كل طرف والاتحاد قوة للجميع.
القلق العربي من القوة العسكرية الإيرانية
إذا كان هناك قلق لدى القادة العرب من التطور الإيراني العسكري والتكنولوجي والسياسي، وسعي ايران الحثيث بالبحث عن مواقع لتصبح قوة في المنطقة فهذا حقها، وحق ينبغي ان تسعى له كل دولة تحافظ على وجودها ومنها الدول العربية، وما تحرك ايران وتقدمها الا دليل على مدى ضعف دول المنطقة وعدم الاهتمام بان تكون لهم قوة مؤثرة، وعلى العرب التحرك والسعي لمنافسة إيران، ليكونوا أفضل منها في الجانب العسكري والتكنولوجي والتأثير السياسي وهذا لا يأتي الا بإرادة حقيقية واعداد سليم.
وعلى القادة العرب أن يطرحوا على أنفسهم التساؤل التالي: لماذا الدول العربية بهذا الضعف في العالم هل المشكلة فيهم أم في الشعوب؟ وأين دور الأموال التي تصرف على شراء أسلحة ومعدات للقوة؟
روسيا والبحث عن موقع في المياه الدافئة
حتما هناك دول أخرى غير أمريكا قوية تراقب ما يحدث في الخليج وتبحث عن موقع لها في هذا الجزء الهام، وتريد أن تنافس أمريكا على الكعكة، ومن تلك الدول روسيا. روسيا تعلم انها في الوقت الحالي لا تستطيع ان تدخل بطريقة تؤدي الى استفزاز امريكا، ولكنها تريد ان تستفيد من الاحداث والتطورات واختلاف التوازنات ومنها التصعيد بين ايران والدول الداعمة للمقاومة والثورة من جهة، والدول العربية المعتدلة واسرائيل وامريكا من جهة اخرى.
وبلا شك ان زيارة الامير بندر بن سلطان إلى موسكو أخيرا تخدم التوجهات الروسية، وتريد روسيا أن تستفيد من جميع الأطراف: ايران او السعودية او سوريا فهي تبحث عن مصالحها، وروسيا والصين قوتان قادمتان للمنطقة.
أمريكا لن تقبل بوجود أي قوة أخرى مستقلة تسيطر على الخليج أو يكون لها نفوذ قوي حتى لو كانوا من أبناء المنطقة مثل ايران، أمريكا تريد المنطقة خاضعة لنفوذها فقط.
الخليجيون والتغيير
"الاصلاح السياسي الشامل مطلب شعبي وهو قادم لا محالة"
المجتمع الخليجي من أسرع المجتمعات العربية تطورا على جميع الأصعدة بفضل الطفرة النفطية والعائدات المادية الهائلة التي أنعشت هذه الدول، وأخرجتها من الحالة الاقتصادية الصعبة جدا ومن الانعزال.
وخلال هذه الفترة الزمنية القصيرة حدثت تغييرات كبيرة على مستوى الخليج سياسية واقتصادية واجتماعية؛ لا يخلو بعضها من السلبية، حيث إن الطفرة المادية والتغيير أسرع من التغيير الفكري والعلمي والإصلاح السياسي، كما ان للأحداث الساخنة التي شهدتها المنطقة ومنها الحروب المثيرة (الثلاث) التي وقعت في الخليج خلال 30 عاما الأخيرة اثر كبير.
الخليجيون والإصلاح
الخليج يمر بمرحلة مخاض عنيفة وقوية نتيجة ارتفاع أصوات المطالبة الشعبية بالإصلاح والمشاركة؛ فالشعوب تريد أن تكسر القيود السياسية والأمنية وبعض العادات الاجتماعية والفكرية والعيش في ظل أنظمة دستورية ومؤسساتية حقيقية تقوم على العدالة والشفافية والمساواة بين جميع المواطنين، ومن خلال شراكة ومشاركة في خدمة الوطن.
والتحدي الأكبر في الخليج أن الحكومات الخليجية مازالت متمسكة ومتشبثة بمكاسبها واحتكارها للإرادة السياسية بشكل فردي، في ظل وجود مجالس تشريعية ومؤسسات صورية فاقدة للتأثير في اغلب الدول الخليجية.
للأسف ان حركة الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والتعليمي في المنطقة وما تقوم به أنظمة المنطقة من أعمال، ضعيفة وبطيئة ولا تؤدي إلى حلول عملية وواقعية ولا تتناسب مع مستوى تطلعات وطموح أبنائها، ومع حركة الأحداث في العالم وسرعة التطورات وحجم المخاطر التي تشهدها المنطقة.
الخطر الاقتصادي
هناك خطر جديد وجدي يتمثل في الوضع الاقتصادي والتضخم الاقتصادي وصعوبة الحياة المعيشية الذي يهدد بانفجار هائل سيساهم في تغيير حقيقي في المنطقة، حيث إن النسبة الأكبر في عدد سكان المنطقة وبالتحديد في السعودية تعاني من أزمة اقتصادية خانقة، فشريحة الطبقة المتوسطة بدأت تضمحل وطبقة الفقراء في ازدياد وهذا سيؤدي إلى تفاقم المشاكل وبروز الطبقية وخلل في التركيبة السكانية ومخاطر أمنية وهذا لا يتناسب مع ما تشهده دول المنطقة من طفرة اقتصادية حالية وإيرادات مادية هائلة تقدر بنحو 200 مليار دولار.
متى يستفيد المواطن من هذه الطفرة مباشرة؟
سؤال يجب الإسراع بالجواب عليه عمليا قبل الانفجار، فمن حق كل مواطن أن يكون له نصيب من هذه الطفرة والدخل القومي.
ضعف التيارات أمام الديني
من القضايا التي تساهم في عدم تطور دول المنطقة وحصول أبنائها على حقوقهم يعود إلى الاستسلام والتسليم من قبل أبناء المجتمع الخليجي للقوى الدينية وكأنها أمور مقدسة، لا يحق لأي من كان انتقادها.
وتحولت هذه القوى إلى قوة ديكتاتورية برداء شرعي وشريك في ما يحل على المجتمع من ظلم واعتداء اذ استطاعت الأنظمة إخضاعها لرغباتها والاستفادة منها في تمرير وفرض أجندتها على الشعوب المتدينة المسكينة، بدل أن تكون القوى الدينية جهة داعمة للشعب والمطالبة بحقوق أبناء المجتمع وبالإصلاح والتغيير والتطوير.
والأدهى أن تلك القوى الدينية تريد أن تسيطر على المجتمع باسم الدين وباسم الأعرف والأبخص بالمصلحة العامة وبكل شيء دين ودنيا، والتحكم بالمشهد الاجتماعي وإقصاء الأطراف الأخرى، وهذه القوى تزداد قوة نتيجة ضعف التيارات الأخرى ومنها السلطة التي أصبحت تتنازل لها لحاجتها إلى دعم التيار الديني للحفاظ على وجودها ومكاسبها وليس قوة في التيار الديني.
اتفاق الأنظمة والتيار الديني
"الأنظمة والقوى الدينية من أهم المعوقات في المنطقة"

التيار الديني في المنطقة الذي تعرض لضربة موجعة كادت أن تقضي عليه بعد أحداث 11 سبتمبر استطاع أن يمتص الصدمة والغضب، ويتحول إلى لاعب مؤثر في سياسة المنطقة الحالية وذلك بعدما اتفقت مصلحة الأنظمة مع هذا التيار، إذ إن أنظمة المنطقة وجدت نفسها معرضة للسقوط بسبب الضغوط الغربية عليها بنهج سياسة الانفتاح والديمقراطية وارتفاع صوت شعوب المنطقة المطالبة بالتغيير والإصلاح وقيام أنظمة ديمقراطية حقيقية، مما جعلها تلجأ إلى التيار الديني الذي يمثل العمود الفقري لوجودها وشرعيتها، وغيابه يعني عدم وجود الداعم الأساسي لها.
وبفضل ذلك حافظت الأنظمة على قوتها وتمكن التيار الديني من العودة أقوى مما كان وان يستوعب المرحلة الجديدة حيث أصبح يجيد فن اللعب على الموجة الجديدة باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان والطائفية.. وان تستفيد الحكومة من هذا التيار بضرب التيارات الأخرى الداعية للانفتاح والإصلاح باسم الدين تارة وباسم العادات والتقاليد الوطنية تارة أخرى.
خطورة التيار المتشدد
التيار المتشدد يشكل خطرا على الأمن السياسي والاجتماعي في المنطقة، فهو سبب رئيسي في جمود الحراك وعدم التطور والإصلاح الايجابي في جميع المجالات بما يخدم شعوب المنطقة لأن هذا التيار يريد أن يكون مسؤولا عن كل شيء ويتعامل على أنه وصي على فكر وثقافة المجتمع باسم الدين.. يفرض ويدعم ما يراه مناسبا ويقوي من مكاسبه التي ورثها ومنها القرب من مصادر القرار، ويمنع ويحارب كل ما يساهم في تحرر المجتمع من هيمنته والخروج من تحت عباءته ومنافسته في العمل الاجتماعي والسياسي والفكري ويكفر كل من يمارس انتقاد تصرفات أتباعه.
والمشكلة الكبرى مع أصحاب التيار الديني المتشدد أنهم مصرون على فرض أفكارهم بالطريقة الأحادية المتشددة الضيقة التي يؤمنون بها والتي كلفت الدين الإسلامي والمسلمين والوطن والمواطنين الكثير من المآسي.
ومن الأعمال الخطيرة قيام زعامات من التيار أخيرا بإصدار بيانات تكفيرية ضد بعض الكتاب والأعمال والطوائف كما حدث عندما اصدر 20 عالم دين في السعودية بيان يكفر المسلمين الشيعة، وهذا يمثل قمة الإثارة للنعرات الطائفية، ويساهم في تنامي روح التعصب والتشدد الديني والمذهبي بين أبناء المنطقة بشكل مزعج لا يدعم روح الوحدة الوطنية وعملية الإصلاح في المنطقة، ودعوة الحوار بين الأديان والمذاهب مستغلين غياب قوانين رادعة تجرم كل من يثير النعرات الطائفية البغيضة.
المواطنة والطائفية
الوطن حاضن لجميع أبنائه المواطنين ولكل مواطن يعيش على ترابه ويحمل اسمه أن يحصل على حق المواطنة كاملة بدون تمييز أو تفريق أو تهميش. والدول المحترمة هي التي تتعامل مع جميع المواطنين من منطلق وطني بدون تمييز للدين أو المذهب فحق المواطنة من حرية وعدالة ومساواة مكفول للجميع.
ونأمل أن يتم التعاطي مع أي مواطن بأنه مواطن بعيد عن الإثارة الطائفية والفكرية والانتماءات السياسية.
أما الشيعة العرب فموجودون في أوطانهم العربية قبل تقسيم الوطن العربي إلى الدويلات التي نعرفها حاليا، وتعود جذورهم إلى قبائل عربية أصيلة، وهم موجودون أينما وجد الإسلام منذ قديم الزمان، والشيعة مواطنون وجزء من المجتمع الذي يعيشون فيه ولا يقبلون بان يكونوا أداة لأحد أو ورقة مساومة أو محل تشكيك أو اضطهاد.
وأبناء الطائفة الشيعية في أي دولة عربية مثل بقية المواطنين من الطوائف الأخرى تتعدد أفكارهم وآراؤهم ومواقفهم من شخص إلى آخر، فهناك الشيعي العالم وهناك الجاهل وهناك الملتزم والمتشدد وهناك المنفتح والمتحرر والوزير والمدير والفلاح والفنان واللاعب والعامل وغير ذلك، أي كبقية أفراد أي طائفة أخرى في العالم.
شيعة الخليج والتحديات والهلال الشيعي
إن طرح سيناريو الهلال الشيعي كان بمثابة الشرارة التي ولدت ثورة إعلامية طائفية بغيضة هائجة في الوطن العربي، ودفعت أبناء المنطقة من جميع الطوائف للتشنج.
كما تعتبر ضربة استباقية لخلق صراع جديد وهمي داخل الأمة العربية والإسلامية وخلق جدار نفسي عازل بين شعوب المنطقة، مما أدى إلى ادخال تلك الشعوب العربية المتعطشة للديمقراطية والحرية والعدالة في نفق مظلم.
لاسيما إن الإعلام العربي وعبر وسائله المتنوعة وسيطرته على جميع الوسائل الإعلامية الفضائية والمرئية والمسموعة والمقروءة ضخم من هذا الفكرة بشكل سلبي وحولها إلى كرة ثلجية كبرت وكبرت إلى ان وصلت إلى حجم يهدد الأنظمة والوحدة الوطنية في كل بلد عربي.
واستغلت الانظمة تغييب وتهميش الفكر الشيعي والمعتقد الشيعي عن جميع الوسائل الإعلامية وجهل أغلبية الشارع العربي عن المعلومة الصحيحة عن الشيعة، مستفيدة من وجود تيار ديني متعطش لإثارة الفتنة الطائفية وتصفية حسابات طائفية.
ونرى أن طرح مثل هذه الأفكار الطائفية البغيضة لا تخدم شعوب المنطقة، بل أنها تعبر ان لدى من طرحها خطة لتصفية أصحاب الفكر الديني التكفيري المتشدد الذي يكفر الحكومات العربية بعدما عجزت تلك الحكومات عن السيطرة عليهم حيث تم دفعهم للحرب الطائفية في المواقع الساخنة كالعراق.
الشعوب العربية شركاء في المصاب
الشعب العربي من جميع الدول والطبقات والأديان والمذاهب هم شركاء في الوطن وشركاء في المصائب، والكل يعاني ولكن هناك نسبة تخضع لعقلية النظام، وللأسف هناك أنظمة خلقت فجوة بين المواطنين العرب: هذا سني وهذا شيعي وهذا متشدد وهذا معارض، قربت فئة وهمشت وغيبت فئات أخرى وغير ذلك، أي انها خلقت جوا مريضا للشعوب لكي تتصارع فيما بينها، لدرجة ان بعض الشعوب العربية استغربت من وجود الشيعة بهذا الحجم في الدول العربية بعد سقوط نظام صدام حسين وكأنه جنس جديد خرج من تحت الأرض، نتيجة تغييبهم وتهميشهم.. فالبعض طرح سؤال: لماذا تم تغييب الشيعة لهذه الدرجة؟
الأنظمة وإثارة الطائفية
"شيعة الخليج جزء من النسيج الوطني ويجب معاقبة مثيري النعرات الطائفية"
المشكلة الأكبر في هذا السيناريو انه طرح من قبل قائد حكومة عربية أي ان للسيناريو ابعادا سياسية واجتماعية وإعلامية وله أكثر من قراءة، منها رفض الأنظمة العربية وجود حكومة شيعية في الوطن العربي، ومما يؤكد هذه القراءة صرح رئيس عربي بعد ذلك بكلام لا يقل خطورة عن الأولى بان ولاء الشيعة لغير أوطانهم. وهذا ما يؤكد على ان هناك سيناريو لإثارة النعرات الطائفية في المنطقة معد مسبقا... وهذه التصريحات ساهمت في تأجيج وزيادة الاحتقان والاصطدام الطائفي داخل العراق بالخصوص وخارجه بشكل عام في الوطن العربي، وكانت له انعكاسات سلبية على المواطنين الخليجيين.
وبلا شك ان استخدام أسلوب التشكيك بعقيدة الشيعة الدينية والتشكيك بولائهم الوطني، من أبشع الوسائل التي استخدمت لتمزيق شعوب المنطقة وتمزيق الوحدة الوطنية في البلد الواحد.
ونريد ان نؤكد من خلال هذا اللقاء ان شيعة الخليج جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني لمواطني الخليج، لهم حقوق وعليهم واجبات، وان وجودهم في دولهم يسبق إنشاء الدول الحديثة التي يعيشون تحت رايتها الوطنية حاليا، ولهذا لا بد من قوانين وطنية رادعة ضد كل من يثير النعرات الطائفية، ويشكك بانتماء أي مواطن لان في ذلك تقطيع للحمة الوطنية.
ولا بد من الإشارة إلى ان شيعة الخليج تحملوا العديد من الاضطهاد والتهميش والتغييب، وأصعبها كانت بعد انتصار الثورة في الجمهورية الإيرانية الإسلامية واندلاع الحرب بين إيران والعراق، حين قامت الدول الخليجية بتصنيف الشيعة بأنهم مع إيران، واستخدمت تلك الحكومات جميع الأساليب المثيرة في تشويه صورة الشيعة بدون مراعاة لحقوق المواطنين وخاصة في الإعلام كجزء من الحرب.
بلا شك هناك قلق لدى شيعة الخليج عند اندلاع حرب أمريكية إسرائيلية على إيران من تكرار ما حدث في ثمانينات القرن الماضي بالتشكيك بوطنية المواطن الشيعي وربطه بإيران لان مذهبه شيعي.
انعكاسات التجربة العراقية الجديدة على الشعب الخليجي
"مستقبل المنطقة مرهون بنجاح التجربة الديمقراطية الحقيقية في العراق"
الانعكاسات خليط من التفاؤل والتشاؤم بسبب ما صاحب التجربة من إخفاقات كبيرة برغم التفاؤل الأولي من صناعة تجربة ديمقراطية ناجحة في المنطقة. وكان للإعلام العربي الحكومي دور كبير في نشر حالة التشاؤم لدى الشارع الخليجي بسبب خوف بعض أنظمة المنطقة من نجاح تجربة العراق الديمقراطي على مستقبله.
مستقبل المنطقة مرهون بنجاح التجربة الديمقراطية الحقيقية في العراق، فالعراق له مكانة كبيرة في قلب كل عربي وبالذات أبناء المنطقة الخليجية، وموقعه الجغرافي الاستراتيجي المؤثر يجعل منه قوة مؤثرة على المحيط.
شعوب المنطقة كانت متفائلة جدا بنجاح العراق ليكون نموذجا ديمقراطيا حقيقيا في المنطقة.. نظام قائم على التعددية الدينية والعرقية والفكرية والسياسية، ولكن للأسف التجربة تعرضت لضربات قوية ساهمت بعض الدول المجاورة في منع نجاحها ولكل طرف مبتغاه وأهدافه، كما ساهم غرور الاحتلال الأمريكي بعدم التخطيط السليم لمرحلة ما بعد سقوط صدام في انتشار الفوضى والأعمال الإجرامية في العراق الجديد بالإضافة إلى ما تعرض له الشعب العراقي باسم الإرهاب والمقاومة والانتقام وتصفية الحسابات وانطلاق العمليات الطائفية البغيضة.
كما لا ننسى بعد الملاحظات والأخطاء التي حدثت من قبل بعض أفراد الطوائف ومنها الطائفة الشيعية في العراق بقصد أو من غير أو نتيجة نقص التجربة السياسية الديمقراطية وعدم الاستفادة من التجارب السابقة ومنها الانتفاضة الشعبانية عقب حرب تحرير الكويت، واكبر خطأ هو البروز على الساحة من خلال الحس الطائفي الشيعي ورفع الشعارات الدينية وصور الزعماء الدينين بشكل ملفت وبحس المظلومية السابقة التي تعرضوا لها أيام الرئيس السابق، رغم ان الشيعة هم الطائفة الحاكمة حاليا وذات الكثافة السكانية الأكبر.
وهذا البروز والظهور البريء استغلته بعض الوسائل الإعلامية العربية في إثارة الطائفية في العراق والمنطقة من خلال تضخيمها للشعارات التي رفعت ببراءة، وتأجيج الصراع الطائفي وتوسيع دائرته.
وما رفض المرجعية الشيعية حاليا من استخدام اسمها أو الصور في العملية الانتخابية أو في المواقع العامة إلا دليل على عدم فعالية الظهور بصورة ذات مدلول طائفي، وهو دليل على الوعي والتطور وخطأ التجربة السابقة.
إن أسهم التفاؤل للتجربة الديمقراطية العراقية أخذت في الصعود بسبب نجاح الخطط الأمنية وتراجع النبرة الطائفية البغيضة والأعمال الإرهابية والإجرامية، وعلى قادة العراق استثمار ذلك التحسن والعمل بعيدا عن الحس الطائفي فالناس بحاجة إلى الأمن والأمان والعدالة والعيش الكريم أكثر من أي أمر اخر.
التغيير والإصلاح قادم
"ليس هناك إصلاح وانجاز بدون تضحية وجهد وعطاء"
أبناء منطقة الخليج و العرب بحاجة إلى هزة وصدمة فكرية وثقافية قوية جدا ليتم كسر قاعدة الممنوعات والمحظورات والوصايا الفكرية والثقافية والمسلمات في المجتمع التي لم ينزل الله بها من سلطان والتي تساهم في تأخره وضياع حقوقه وإرادته، فالشعوب رغم التطور التعليمي وارتفاع اعداد نسبة الكوادر في جميع المجالات، ما زالت حبيسة الخوف مسلوبة القرار لا تملك القدرة على تحديد مستقبلها لأنها تفتقد للحرية الفكرية والجرأة بالتعبير عن الرأي وانتقاد الوضع السلبي القائم والمتجمد.
واهم الأدوات المهمة التي يجب توفرها في المجتمع الواعي الباحث عن التغيير والإصلاح والحرية والعدالة، الإرادة والتضحية والتحمل.. ليس هناك إصلاح وانجاز بدون تضحية وجهد وعطاء.
فهل المجتمع الخليجي مستعد للتضحية وتحمل المسؤولية والتخلي عن الراحة؟
التغيير في الخليج قادم لا محالة والقضية قضية وقت فشعوب المنطقة الحالية والأجيال القادمة لن تقبل باستمرار الوضع السابق والحالي، وعلى الحكومات الإسراع بفتح المجال للإصلاح بدون اصطدام.. بمشاركة الشعب في صناعة القرار واتخاذ قرارات جريئة وقوية فأوضاع المنطقة تتجه نحو الأسوأ للجميع.
فالرهان على التيار الديني والقبلي والطائفي لن يفيد في المستقبل. وعلى المتصدين في المنطقة لنشر ثقافة الديمقراطية والعدالة والمساواة والتغيير والإصلاح، التحرك بشكل اكبر لكسب الشعوب العاشقة لذلك.
إذا كنا نبحث عن التطور والتقدم، فلابد من الاعتراف بتطور الآخرين وبالتحديد الحضارة الغربية التي تعتبر اخر الحضارات البشرية المتقدمة، فان حالة الغرور والفوقية الوهمية لدى العقل العربي وبالذات أصحاب التوجهات الدينية ستجعل أبناء المنطقة يغرقون في التخلف الحضاري العلمي رغم التطور في المظاهر المدنية.


الرابط الرئيس للحوار المطول:
http://www.middle-east-online.com/saudi/?id=64746

© Copyrights akhbaar.org all right reserved
Designed by NOURAS
Managed by Wesima