اليعقوبية الإسلامية
04/07/2008
د. صلاح نيّوف
لقد أنكرت الإيديولوجية "اليعقوبية" ،باسم العقيدة و ووحدة الأمة،كل تنوع وتعدد عرقي في الجمهورية الفرنسية.و "اليعقوبية" ،باختصار ومن غير الدخول في الأسماء والتواريخ، هي إيديولوجية امتزجت بالرعب والخوف و مع دكتاتورية الجناح الأكثر تشددا في الثورة الفرنسية؛وامتد هذا الاختلاط بين عامي 1793 و 1794.وبعد قيام الجمهورية في عام 1880 أصبحت اليعقوبية من القطع الأثرية في المتاحف الفرنسية.

في المجتمعات الإسلامية،إن كنت تنتمي إلى أقلية عرقية أو أقلية طائفية فهذا يعني أنك تعيش كمتهم يدافع عن نفسه طيلة حياته.فمفاهيم مثل العرق أو الأقلية ينظر إليها بعين الشك والارتياب في مجتمع لم يستطع أن يتقدم سوى خطوات قليلة على صعيد الأبحاث الاجتماعية وأبحاث العلاقات بين العرقيات أو المكونات الاجتماعية لما سموه بالأمة. انطلاقا من هذا الشك والاتهام،لم تتجاوز المفاهيم السابقة قيمتها العددية (أي نقيّم مثلا وجود الأكراد أو السريان أو العلويين من خلال عددهم ونسبتهم إلى الأغلبية العددية القائمة،وليس إلى تاريخهم ومشاركتهم في البناء والحضارة).

وهنا تأتي الحاجة للتغير في المفاهيم،فالهوية العرقية كما الطائفية،هي مثل أية هوية فردية أو جماعية،تبنى وتتحول داخل تفاعل الجماعات الاجتماعية ومن خلال صيرورة من النبذ و الجذب. هذه الصيرورة تضع حدودا بين المجموعات وتعطي كل تكتل أو هوية عرقية و طائفية تعريفها الخاص.لذلك عملت الأبحاث الاجتماعية على معرفة طبيعة هذا التحول في التنظيم الاجتماعي والذي يبقي بشكل مستمر على الفوارق بين "نحن" و "الآخرين".

ضمن هذه الرؤية،وكما يجمع الكثير من السيسيولوجيين،الأقلية و العرق ليست مفاهيم غير زمنية و ثابتة لها محددات ثقافية مثل الاعتقاد،القيم،الطقوس والشعائر،اللغة...الخ، يتم تناقلها كما هي من جيل لآخر داخل تاريخ المجموعة نفسها،بل هي نتيجة عن فعل ورد فعل بين "نحن" و "الآخرين" داخل تنظيم اجتماعي لم يتوقف عن التطور نهائيا. إنها رؤية تجعلنا نقرأ "الطائفة" و "العرق" قراءة اجتماعية أكثر مما هي قراءة عرقية و طائفية،وتدفعنا للحديث بشجاعة عن العلاقات بين الأعراق والطوائف في المجتمع المنغلق دينيا كالمجتمع الإسلامي. بمعنى آخر،يجب تجديد الإشكالية و المنهج في طرح هذه القضايا.

إنه تجديد يلح علينا بطرح أسئلة أخرى متعددة: كيف وعبر كل التغيرات الاجتماعية،السياسية،الثقافية التي كونت تاريخ العرق و الطائفة،حافظت هذه المجموعات الاجتماعية على حدودها التي تميزها عن الآخرين؟

في الواقع،إن الطرح النظري الذي ننادي به حول إعادة قراءة الهوية العرقية و الطائفية،يمكن أن يكون منطلقا لبحث جديد تتبناه الكثير من التيارات و الأفراد،بشرط ألا نهمل أو ننكر "المحددات الثقافية الاختلافية" فهي ذات قيمة لا يمكن تحاشيها كما أنها تشكلت عبر تاريخ مشترك ،وتم نقلها عبر ذاكرة جماعية للجماعات لتساهم في تأسيس الهوية الطائفية والعرقية.بمعنى آخر،يمكننا إحداث تحولات ما في العديد من الانتماءات،ولكن سيكون صعبا جدا أن نغير في الرموز التي تتعلق بالهوية،وهي رموز بنت وطورت الاعتقاد و الإيمان بالأصل المشترك.

أي أنه بالإمكان لأي فرد أن يقول "كنت شيعيا في السابق"،"كنت يساريا في السابق"،"كنت مواطنا في هذه الدولة"،" كنت محاميا"،"وقبل أن أصبح طبيبا"، ولكن من الصعب أن نرى من يقول "عندما كنت كرديا"،"أو "عندما كنت سريانيا أو أشوريا"..الخ. بشكل آخر للقول،ورغم وعورتها و انغلاقها،تبقى الطائفية أكثر مرونة وقابلية للتحليل من العرقية كما سنرى لاحقا،أو أقل منها أسطورية.

وأخيرا،إن القول والعمل على جعل البشر أمة مسلمة واحدة،هو قول يتناقض مع أبسط الحقائق العلمية،النفسية و مع حقوق الإنسان نفسها، أي ليس هناك معتقد أو فكرة يمكن أن تنفي المعتقدات والأفكار الأخرى،لاسيما الأصل العرقي أو الاثني.وبالتالي "اليعقوبية الإسلامية" التي نراها اليوم وبسبب إصرارها على إلباس الناس جميعا نفس الرداء وإعطائهم نفس الهوية،تقف وراء معظم الانفجارات و التشظيات التي تعانيها المجتمعات الشرق أوسطية.
التعليقات

© Copyrights akhbaar.org all right reserved
Designed by NOURAS
Managed by Wesima