يهود العراق، ذكريات وشجون، (24) العراق قدري – في ألمانيا، نسرين وميخائيل - 2‎
    الأربعاء 17 أكتوبر / تشرين الأول 2007 - 15:59:33
    أ.د. شموئيل موريه
    وأنا والحق يقال، لست بحاجة الى الكذب، وقد قام بعض الأصدقاء بمحاولة التحقق من كلامي عندما أخبرت صديقة عزيزة للعائلة وهي السيدة نسرين من فرانكفورت بأني أسكن في ضاحية تبعد عن القدس 9 كيلومترات في شارع كان اسمه "المدخل الأول" ثم أطلق عليه بقدرة قادر بعد أن انتقلت إليه اسم "شارع نهر الفرات" وأن هذا الشارع يؤدي الى "شارع نسرين" في مبسيرت يروشلايم. عجبت صديقتنا من هذه المصادفة، ولعلها شكّت من صدق كلامي وظنت "آني كاعد أشق صلوخ"، فما كان منها إلا أن أرسلت صديقة لها قدمت في زيارة إلى القدس ترجوها أن تصور لها "شارع نسرين" وتقاطعه مع "شارع نهر الفرات"، فإذا كان صدقا ما أقول فستعد هذه اكبر كرامة، وإلا فإنها ستعد قولي " أكبر ضرب شيلمان وأطول صلخ انشق في التاريخ الحديث!". قالت نسرين "والله استاذ، هاي صديقتنا ما كذبت خبر وجابتلي تصوير الشارع مالكم واللوحات وعليها أسماء الشوارع مثل ما كلت، ولما باوعت الصورة، قلت الأستاذ يحجي الصدك!". قلت لها: "والله قلتْ لجْ العراق قدري "وأين يمضي هارب من دمه"، منْ تركت العراق ولليوم لاحقني العراق وين ما أنداح اووين ما أروح، مو بس لاسرائيل إلا لأسكتلنده وابفنلنده وشايفه هسّا حتى لألمانيا لاحقني العراق. ترى والله مو بس سموه الشارع مالتنا "شارع نهر الفرات" وشكرت رئيس المجلس البلدي وصوتت إله بانتخابات رئيس البلدية، لكن والله ما أدري شلون، حتى بحديقتنا طلع أبنفس السنة نخلة زغيرونه. زوجتي تعرف آني أحب التمر، كل شي يتعلق بالعراق أحبه، حتى التمر مال اسرائيل أحبه، ليش؟ لأنه مهربينه من العراق، وكل تمرة الآكلها تذكرني بالعراق، حتى النوى ما التمر ما أخلي زوجتي تذبه بالزبل. "ولج يا حرمة! ترى هذا التمر أصله من العراق ترى ميصير أتذبي النوى بالزبل، لازم أزرعه ويطلع نخل يذكرني بالعراق بلكت يجبر الله صدعات قلبي، ترى ماكو أمل نرجع انزوره للعراق، جازوا من اليهود وإسرائيل بعد ما خلّص صدام على الأكراد، وأتالي خلصوا على المسيحيين والأقليات، والتافوا اليوم على الشيعة والسنة وبعد اشراح يخلصها!". وبين حين وآخر آخذ ما اجتمع من النوى واقوم بزرعه في منحدرات التلال المقابلة لجبل القسطل جنوب "مبسيريت يروشلايم" (وتعني المبشرة بوصولك الى القدس). فأنا لا أفرط بأي شيء يتعلق بالعراق، فالعراق قدري، والذي يزور المنطقة سيجد أنها تحتوي على بعض فسائل النخيل التي نمت من النوى الذي زرعته. وزوجتي تعرف أصله العراقي وغلاوته عندي لأنهم جاءوا به من العراق، وقد هربه المستوطنون اليهود أيام الانتداب البريطاني الى فلسطين. وهذه الفسائل ليست مثل النخيل التي قام السيد مردخاي بن بورات وغيره من رؤساء بلدية أور-يهودا (نور يهودا) واللد والرملة وتل أبيب وغيرها من مدن إسرائيل بنقل النخيل البالغة من جذورها وزرعها مرة أخرى في شوارع مدنها المشجرة. والعجيب أن النخلة مثل شجرة الزيتون يمكن نقلها مع جذورها من مكان الى آخر. وعندما انظر الى النخلات في شوارع اسرائيل أشعر بحسرة لأنني أستمع الى قلبها الكسير، فهي واقفة كالعانس التي بارت ولا يوجد من يتقدم بطلب يدها، إذْ لا يوجد من يلقحاها ويعتني بثمارها. فهنا لا يعرفون قدر النخلة التي كانت تستطيع إعالة عائلة كاملة. فإذا أجّر العراقي بيته وفيه نخلة، فهي لا تقع في ضمن الايجار، فالتمر، والليف والكرب، والسعف والخوص وفراخ الفخاتي والطيور التفرخ عليها، كلها تعود لمالك الدار، وكثيرا ما جاء صاحب دار خالي حاييم في الكرخ محذرا أياي بألا أنزل عثوق تمر الخستاوي ولا فراخ الفخاتي، فهي له، وكان يراقبها ليل نهار من القهوة التي يقضي معظم أوقاته فيها كمالك لعدة دور فيها نخيل مراقبا اياها بحماس الزوج الغيور على زوجته اللعوب، وخاصة عندما كان يعلم بأني أرسلتَ من قبل الوالدين للتصييف في الكرخ، ويأخذ مني الف حساب غيرة على شرف نخلته التي تخترق السطح لكي لا يقلق راحتها وتنقل الى مكان آخر، فهي تقع التي تقع في حماه. أما نخلة حديقتنا فهي نخلة مدللة تربت على هدوات والدي الذي كان يناغيها بأغنية " فوك النخل فوك " التي أصبحت في إسرائيل النشيد الوطني العراقي ليهود العراق، ولا يمكن عقد حفلة عراقية بدون أن تختم بهذا النشيد الذي تهفو اليه نفوسهم ويسكبون حنينهم في تكرارهم " والله ما ريده، باليني ابلوه " ثم يستدركون بقولهم وهم يذرفون الدموع ويتضرعون " سلّم على بغداد ! "، وأظنها تفهم معنى هذه الأغنية، لأنها عندما تسمعها يبدأ خوص سعفاتها " يلمع كخدود الأحباب، بل كما يلمع الف طوك ". هذه النخلة نبتت في وسط الحديقة من نواة لا ندري كيف فاتت على زوجتي التي تحرص على ألا تنبت شجرة دون نخطيط مسبق لها، فأقول لها، ألا تصدقين أن العراق قدري، هاي حتى النخلة جت منها ليها، ومن الله؟ ومنذ ذلك الحين كان الوالدان كلما جاءا لزيارتنا يذهبان للسلام عليها ويبثان شوقهما لنخيل العراق ولأيام العراق ويترنمان بأغاني الحب والعتاب العراقية، فإذا هب نسيم، بدت كأنها تشركهما أشواقهما وتأكد على ما يقولان.

    مبسيريت يروشلايم

    كتبت هذه المذكرات لتنشر في إيلاف، ولا يجوز نقلها بأية صورة سوى باتفاق مع المؤلف
    أ.د. شموئيل (سامي) موريه
    التعليقات
    أضف تعليق
    اسمكم:
    بريدكم الالكتروني:
    عنوان التعليق:
    التعليق:
    اتجاه التعليق:
    شروط التعليق:لن ينشر أي تعليق يتضمن اسماء اية شخصية او يتناول اثارة للنعرات الطائفية او العنصرية آملين التقيد بمستوى لائق بالتعليقات لكونها تعبر عن مدى تقدم وثقافة صاحب التعليق علما ان التعليقات تعبر عن راي اصحابها فقط
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media