السجاده ووحدة العراق
    الثلاثاء 14 مايو / أيار 2013 - 21:45
    أ. د. طالب مراد
    أستاذ جامعي وخبير سابق في منظمة الفاو التابعة للأمم المتحدة
    اقل من ثلثي عدد كل العرب والكورد والتركمان في العراق هم من الشيعه واقل من ثلثي الشيعه هم من العرب وثلث العراق من الاكراد. واكثر من ربع الاكراد هم من الشيعه والتركمان منقسمين بين معسكر الشيعه والسنه والشيعه اكثر بقليل من السنه في العراق. والعراق فيه مزيج من القوميات والملل والمذاهب والاديان وكلها لها جذور عميقه في تربة ما بين النهرين. خلطه معقده اكثر من خلطة الفول الاسكندراني.
     سفري المتواصل في الشرق الاوسط وخاصة في ايران وافغانستان قد نما عندي احساس بقيمة السجاد الشرقي رغم اني ولدت على سجاده ايرانيه في منطقة باب الشيخ في بغداد قبل اكثر من ستة عقود ونصف وعشت واكلت ونمت على السجاده الايرانيه المفروشه في الغرفه التي كنا نعيش فيها حتى تركت العراق قبل اثنان واربعون عاما. وفي الغربه  عندما كان يقع نظري على سجاده شرقيه كانت تجلب الدموع من مقلتي. فالسجاده كانت هي وطني والذي حرمني منه( ابن العوجه) صدام والسجاده كانت لها حنية امي وتحمل رائحة توابل اكل امي والتي ترقد في مقبرة الزهراء في طهران منذ 1989 بعد ان القاها الطاغيه خارج الحدود مرتين مجردة من كل ماتملك في هذه الدنيا ولم يكن ما تملك بالكثير و كنت  اشم رائحة  سجائر ابي" التركيه" من كل سجاده  شرقيه جميله اراها: نعم لقد قتل الطغاة ابي قبل اربعة اشهر قبل ان ينهبوا السجاده وكل ماكان موجودا في بيت امي .
    السجاده كانت طفولتي وساحة لعبي  وطاولتي التي كنت اقتات الطعام عليه ومكتبتي التي كنت اراجع دروسي عليها بعد ان انهي عملي في دكان ابي. وفي يوم 4.5.1974 حسبما تقول لي اختي الوحيده والتي هي بدورها عانت ماعانت على يد جلاوزة صدام ورافقت امي في رحلات العذاب جاء زوار نصف الليل من عصابات البعث  واقتادوا امي واختي وبملابس نومهم بالسيارات العسكريه في رحلة ابعاد دامت اثنى عشر يوم وبعد ايام نهبوا كل ماكان في الدار ومن ضمنها سجادتنا الحمراء والتي عاشرتها اكثر من ربع قرن.
     كنت علي يقين باني كنت اعرف الكثير عن السجاد الشرقي حيث اني راجعت مراجع كثيره واقتنيت الكثير من الكتب حول السجاد الشرقي وكذالك اقتنيت بعض السجاد اثناء رحلاتي والمفرح ان عائلتي في ويلز تهتم بما اقتنيت من سجاد وتعتبرها كهمزة وصل بين مجتمعها في الغرب والتي تعيش فيه ولاتعرف غيره ومجتمع وطفولة وشباب ابوهم.
    في اواسط شهر مايو2001 انا وموظفين من الامم المتحده حطت بنا  طائره صغيره تابعه للامم المتحده في مطار صغيرقرب مدينة هيرات الافغانيه وكان المفروض ان يصحبني  في مهمتي شخصين اخريين من ذوي العيون الزرقاء للقيام بدراسه حول الامن الغذائي لافغانستان في تلك الضروف الحالكه وتحت حكم وظلم طالبان ولكن زميلاي الاوربيان من منظمة"الفاو" لم يصلوا الى اسلام اباد  لذا طرت منها لوحدي الى هيرات للقيام بجوله ميدانيه في الاراضي التابعه لطالبان واما سلطات المطار كانت مكونه من عدد من المعميين بعمامات طالبان السوداء يجلس واحد منهم على كرسي خلف الطاوله واثنان على جانبي سطح الطاوله والطاوله كانت منصوبه بجانب المدرج المتهالك القصير والضيق وبعد ان تاكدوا من الفيزا التي حصلت عليها من سفارة الاماره الاسلاميه الافغانيه في اسلام اباد يوم 7.5.2011 و الملصقه على جواز سفري  الصادره من الامم المتحده والتي مازلت ا حتفظ بها. الاماره الاسلاميه الافغانيه التي حصلت على فيزتها من اسلام اباد  والتي لم تعترف بها سوى ثلاثة دول فقط وهي السعوديه والامارات العربيه وباكستان فكانت دوله مارقه بكل معنى الكلمه ولكن الشعب الافغاني كان طيبا.
    قادوني بهدوء الى بيت صغير في وسط هيرات ومن دون الحراسات المبالغ بها والمكلفه للامم المتحده .على العموم فانا لم اصنف" كخواجه" ووجودي لوحدي كان قد ادى الى  ارخاءالتعليمات  الصارمه للامم المتحده حول  الحد من  حركتي والتي كنت انزعج كثيرا منها وتمنعني من اداء مهمتي.
    وبعد اقل من ساعه كنت متوجها لوحدي للبازار مستعملا  اللغه الداريه والتي اعتقد انها قريبه للهجه الكورديه الفيليه كان يجب علي ان التزم بتعليمات الامم المتحده , حيث ان وجودي في السوق وحدي حليق الذقن حاسر الراس مرتديا بنطلون( جينز) واسما يدل الى مذهبي "طالب علي" كان فيه بعض المخاطر والادهى انني كنت موظفا اقليميا لمنظمة الامم المتحده والتي لم تكن على علاقه جيده مع حكومة طالبان ولهذا كانت العيون الفضوليه تتبعني وتراقب كل تحركاتي متعجبتا من وجودي هناك وتحت تلك الضروف الغير الطبيعيه.
     المهم  ان رحلتي في السوق ادت بي الى سوق السجاد وبدون تردد دخلت الى اول محل كبير لبيع السجاد في سوق كان شبه مهجور وانبهرت بالسجاد الجميل ولم الاحظ بان المحل  كان خاليا من البشر وبعد فتره دخل صاحب المحل بلباسه الافغاني مرحبا بي بالانكليزيه وعندما اجبته بلغته هلت كل بشائر الفرح من وجهه الجميل وكان ينظر الي بتعجب وكانه يسالني من اين سقطت وكيف وصلت الى محلي في هذا الجزء المهجور من سوق هيرات والتي يكثر فيها الطالبان بعماماتهم السوداء. لقد كان عنده في المحل اجمل ماوقع عيني عليه من سجاد شرقي ولكني اكتفيت بشراء سجاده حرير قديمه جدا مازلنا نحتفظ بها في بيتنا في ويلز وعندما سالته عن السعر طلب مني 300 دولار فقط  ولكني اعترضت لاني كنت اعرف انه اغلى من ذالك بكثير ولكنه اصر على سعره بعد ان عرف بكوني كورديا من العراق واخفى الدولارات في تلافيف ملابسه بسرعه وودعني بحراره و لكنه لم يخرج من محله.
    وبعد سقوط طلبان بشهرين رجعت الى  افغانستان للقيام بنفس المهمه والتي قمت بها لوحدي ايام طالبان وبدون "لاب توب" ولكن هذه المره كنت مصحوبا بجيش جرار من "الخواجات" مصحوبين بعدد هائل من "اللاب توبات" وتلفونات الثريا الفضائيه وكل من كان ضمن المجموعه يعتبر نفسه خبيرا في شوون ذالك البلد المسكين. هذه المره اسكنونا في بيوت موثثه تابعه للامم المتحده في كابول فيها كل الاحتياجات العصريه. وكوننا كنا مجموعه كبيره لذا توزعنا على مجاميع صغيره وتوزعنا جغرافيا على مناطق مختلفه. لذا سنحت الفرصة لي لزيارة هيرات مره اخرى وبعد وصولنا للنزل الخاص بنا توجهت الى سوق السجاد واخذتني قدمي الى المحل الكبير ولكن هذه المره لم ترافقني العيون الفضوليه لكثرة عدد حليقي اللحى وحاسري الراس في الشوارع الموديه الى السوق. وقفت امام المحل واذا بصاحب المحل يحييني بكل حراره وطلب مني بدخول المحل ولحضظت قليله واذا ببراد الشاي والاستكانات وجمع من صغير من اصدقائه يحوطون بي وجلسنا على سجاده في المحل الكبير وكان انواع من السجاد الجميل معلقا على جدران المحل.
    لقد سولت عن اهلي واولادي وماذا سيحصل لصدام وارادو ان يعرفوا شيئا عن الرجل الحليق والحاسر الراس الذي تجرا وزارهم في السوق ايام طالبان. اما انا اردت ان اعرف بعض الشي عن تركيبتهم القوميه والقبليه والمذهبيه والمشاكل الحاصله بين القوميات المختلفه اسئله لم اجرؤ السوال عنها ايام حكم طالبان. اردت ان اعرف المزيد عن تعدديه الملل والاقوام الافغاني لكونها متشابه كثيرا من التركيبه العراقيه.
    بعد نقاش طويل وشرب عدة استكانات من الشاي الحلو وعلى الطريقه الافغانيه تفرغ صاحب المحل للكلام واعطي المجال لقول كلمته الاخيره مركزا على الرد على استفساراتي .قال انظر الى السجاده الكبيره والجميله جدا و المعلقه على الجدار ولطولها فان جزء كبير منها كان ملقى على ارض المحل وطلب مني ان ادقق النظر لايجاد عيب في النقوشات ولاحظت انهم يدققون النظر في انا لمعرفة اذا كنت ساجتاز الاختبارواتعرف على الخطا الموجود في السجاده الجميله. وبعد فحص وتمحيص فشلت في ايجاد العيب.
    وهنا وقف صاحبي امام السجاده واشار الى ورده جميله قال ان الخطا هنا وبالفعل اكتشفت ان الزهره كانت مختلفه عن البقيه. وهنا قال صاحبي ان النساج الذي نسج السجاده تعمد في وضع خطا صغير ضمن نقوشات السجاده الفخمه والتي لم الاحظها انا والتي اراد بها النساج ان يقول ان الكمال لله وان السجاده غير كامله. وهنا وضع ورقه صغيره على السجاده واخفى ورده صغيره قائلا بان السجاده من دون هذه الورده الصغيره لاقيمت لها. كان يقول لي ان تغير نقشه في سجاده تشبه اي مشكلة مع احدى مكونات المجتمع لاتوثر على الوطن ولكن اذا ازلنا ورده صغيره واحده او مكون للسجاده او المجتمع سيتضرر كثيرا.
    فلسفه عاليه من افغاني امي في سوق السجاد في مدينة هيرات الافغانيه.
    فربما نغفر للنساجون اللذين يتولون نسج السجاده العراقيه لو خطاؤ بنقشه او اثنان  و لكن ليعلموا بان نحن والتاريخ لانغفر لهم لو ازالو ورده"مكون" واحده من السجاده العراقيه.
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media