ألغاز الكون المرئي الصامدة -2-
    الجمعة 29 ديسمبر / كانون الأول 2017 - 21:13
    د. جواد بشارة
    شيفرة الكون المرئي الخفية Le Code Scret de L’Univers
    هل للكون المرئي حامض نووي ADN على غرار البشر؟ ما يعني أنه كان حي؟ وهل لهذا الكون المرئي شيفرة سرية أو كود سري رقمي معلوماتي يشبه الكود الحاسوبي أو الكودبار code barre خفي سبق ولادته ، أي قبل الانفجار العظيم  avant le Big Bang؟  سؤال يطرحه العلماء اليوم على ضوء المستجدات العلمية والكشوفات والمشاهدات الأخيرة، خاصة بعد انتشار فرضية " الكون المعلومة L’univers information" وصار لا بد من معرفة أصل هذه المعلومة وماهيتها وهل هي مجرد معلومة حاسوبية رقمية افتراضية أم ذاكرة معلوماتية مختزنة في صيغة مشفرة  تحمل الموروث الكوني برمته ما سبق الانفجار العظيم ؟ وعلى مدى أكثر من قرن تعاقب العلماء على تعقب هذه الشيفرة أو الكودي الكوني بأدوات ولغة الرياضيات  التجريدية ، وتصدى علماء رياضيات وفيزياء فطاحل لهذه المعضلة  و لهذا التحدي  الصعب ، وكان من أبرزهم أولر Euler، وريمان Riemann، وبولتزمان Boltzmann وغيرهم كثيرون. وتبعاً لذلك ظهرت أو صيغة أو معادلة رياضية للشيفرة اللغزية  العميقة والصعبة للغاية التي ما تزال تسحر وتفتن علماء الرياضيات والفيزياء.
     كانت الشيفرة سابقاً بصيغة تسمى صيغة ويلر  
    التي قال عنها قال عنها الفيزيائي ريتشارد_فاينمان بأنها "جوهرتنا" و أنها " الصيغة الأكثر شهرة في الرياضيات ، وتتكون من :
    e : عدد أويلر = ...2.7182
    π : النسبة بين محيط الدائرة إلى قطرها
    i : العدد التخيلي 
    العددان 1 و 0 بالأرقام العربية    
    ثم تطورت إلى الصيغة التالية:
     
    وهذه معادلة رياضية  تعتبر الأصعب والأكثر لغزية في تاريخ العلم والرياضيات والفيزياء الكونية وتعرف بإسم " دالة زيتا ريمان La fonction Zeta de Riemann، وهي التي فتحت الطريق لما يعرف بالبحث عن شيفرة الكون الخفية، فلم ينجح لحد الآن أي عالم رياضيات في حلها على نحو نهائي وقاطع وكل الحلول عبارة عن اجتهادات ومقترحات وصلت كلها إلى طرق مسدودة أو حلول نسبية. من الصعب شرحها وتبسيطها بلغة مفهومة للجميع ولكن يمكننا القول أنها قدمت الأساس العلمي الرياضي لطريقة البحث عن الأصل  للكون المرئي وما قبله، أي قبل الانفجار العظيم البغ بانغ. فكل العلوم الرياضياتية مبنية على العلاقات القائمة بين قوانين الفيزياء وقوانين الأعداد الرياضية فلا بد لكل نظرية علمية فيزيائية من مقابل رياضي وإلا مآلها الفشل والنسيان. وهذه الصيغة السحرية تتوافق تماماً مع ما يسميه فيزيائيو اللامتناهي في الصغر، " أثر نواة الحرارة" والتي تصف كيفية توزيع الطاقة داخل جزيئات  العناصر في توازن حراري بدرجة حرارة معينة. تطورت الأبحاث المرافقة وأخذت صيغة أوسع وأشهر عرفت بصيغة بولتزمان formule de Boltzmann، وهي التي ستفتح الطريق العملي والتجريبي لما نبحث عنه ألا زهو الكود السري أو الشفرة السرية للكون المرئي البدئي ولقد أوصى بولتزمان أن تكتب هذه الصيغة على قبره ليطلع عليها العالم بأسره لأهميتها وهي : S=k logW، ونستنتج من تحليها العميق أن الفوضى أو اللانظام entropie، لا مادي، ما يعني أن كل شيء في الوجود مشفر على نحو غامض ولغزي ، وعند تطبيقها على علم الكونيات وعلى الكون المرئي يتضح لنا أن الكون المرئي ليس أبدياً و لا أزلياً ، وكان ذلك الاستنتاج قد ظهر في القرن التاسع عشر ولنا أن نتصور مدى صعوبة تقبل ذلك آنذاك. 
    نتائج الرصد والمشاهدة التي وفرتها لها تلسكوبات فضائية متطورة تكنولوجياً مثل كوب COBE، سنة 1989 ، وبلانك Planck، اليوم عام 2017، تؤكد بما لايقبل الجدل أن الكون الأولي البدئي L’Univers Primordial إتسم بتوازن مدهش ثرموديناميكي ــ ديناميكا حرارية ــ thermodynamique، كلما توغلنا في ماضي الكون المرئي وصولاً إلى لحظة الانفجار العظيم. والحال ، يفترض أنه كان هناك توازن في مستوى بلانك ، أي في لحظة أو زمن بلانك ، وهي تمثل جزء من الثانية يقدر بــ عشرة من مليون من مليار المليار المليار  من الثانية، وهو رقم لايمكن للناس العاديين غير الرياضيين أن يتخيلوه أو يدركوه ويستوعبوه، عندما كان الكون المرئي في لحظة البغ بانغ ، الانفجار العظيم، في حالة فيزيائية خاصة جداً ، حالة غريبة، لم تعد موجودة اليوم ولا يوجد لها آثار تدل عليها في الوقت الحاضر، وهي الحالة التي يسميها علماء الفيزياء النظرية وعلماء الكونيات بحالة الــ "ك م س KMS" التي تحدثنا عنها باقتضاب في مؤلفات سابقة لنا عن الكون. التسمية جاءت من الحروف الأولى لأسماء ثلاث علماء هم الذين بنوا رياضياتياً الصيغة الرياضية لهذه النظرية الافتراضية وهم كوبو Kubo، و مارتن Martin، و شفينغرSchwinger، التي تصف حالة الكون قبل بدايته.
    فحالة الــ "ك م س KMS" هي حالة التوازن في نظام ما وتطوره. ويترتب على ذلك تأثير مثير  ومدهش: فعندما يكون نظام ما في حالة الــ "ك م س KMS"، بمعنى أن يكون توازنه ، ثابت أو مستقر، وتطوره ديناميكي ، ومرتبطان أحدهما بالآخر، عندئذ سيكون الزمن لهذا النظام هو في آن واحد زمن واقعي حقيقي ( ولهذا يتطور هذا النظام داخل حدود معينة )، وزمن متخيل أو خيالي imaginaire، ( ولهذا السبب يكون النظام متوازناً ) بتعبير آخر يغدو زمن مثل هذا النظام الذي هو في حالة الــ "ك م س KMS"، زمن مركب temps complexe.
    من هنا يعتقد قسم من العلماء أن الكون المرئي قبل ولادته، أي قبل الانفجار العظيم البغ بانغ، كان في حالة الــ "ك م س KMS". فكما ذكرنا سابقاً قبل 13.82 مليار سنة وربما 14 مليار سنة ضوئية، كان الكون في حالته البدئية ساخناً جداً 100000 مليار المليار المليار درجة مئوية حيث كان الحساء الأولي البدئي يغلي بهذه الدرجة الحرارية المهولة وكانت مادته التكوينية الأولية في حالة تماثل وموحدة في جميع الأجزاء لذلك كان الكون الوليد بعد الانفجار العظيم في حالة توزان ثرموديناميكي  ــ توازن ديناميكي  حراري ــ وهذا  الوضع هو الذي دفع بعض العلماء إلى افتراض أن الكون المرئي قبل ولادته كان في حالة الــ "ك م س KMS"، ما يعني بتعبير آخر أن الزمن كان مركباً ولم يكن واقعياً قبل حدوث الانفجار العظيم ، بمعنى أن الزمن الذي نعرفه ونقيسه ونحسبه لم يكن موجوداً بعد. حب اعتقاد أغلب الفيزيائين اليوم. وبتعبير أدق كان الزمن قبل الانفجار العظيم يتأرجح بين الاتجاه الواقعي ، الذي نعرفه، والاتجاه الخيالي الذي لا ندركه، ولم يأخذ قراره بعد باي اتجاه سوف يتجه بسهمه  ــ المعروف باتجاه سهم الزمن ــ إن هذا التقلب والتأرجح في الزمن في ماهيته البدئية هو الذي وصفته رياضياً صيغة نظرية الــ "ك م س KMS"، وهذه الصيغة الرياضياتية  لحالة الــ "ك م س KMS" تشبه تماماً وتتطابق كلياً مع دالة زيتا ريمان المذكورة أعلاه. ونجد دالة زيتا ريمان كذلك في حالة إشعاع الجسم الأسود التي نظر لها بلانك وكانت الأساس في ظهور الميكانيك الكمومي أو الكوانتي. وكل  الحلول الافتراضية  تتواجد أو محصورة بين الــ الصفر 0 و الواحد 1 الثنائي  binaire، وهي اللغة المستخدمة حالياً في الحواسيب والكومبيوترات  أي اللغة الانفورماتيك أي المعلوماتية. فحسب ريمان فإن الأصفار  ــ أي الحلول ــ للدالة ستتركز على خط مستقيم متخيل أو خيالي وهو الخط المستقيم الحرج droite critique، الذي يعرفه علماء الرياضيات جيداً . بمعنى أن هناك زمن يسبق زمن بلانك المذهل في قصره  لذلك فإن حالة الــ "ك م س KMS"، هي التي تصف سلوك الكون المرئي قبل وقوع الانفجار العظيم أي قبل ولادة الكون المرئي البدئي. وهنا علينا أن نبحث عن اللحظة الصفر l’Instant Zéro، أو الفرادة البدئية Singularité initiale التأسيسية، على حد تعبير علماء الرياضيات والتي انطلق منها الوجود المادي للكون المرئي قبل لحظة أ زمن بلانك قبل 13.820 مليار سنة، حيث استعاد الكون المرئي شيفرته الوراثية المسجلة في الحامض النووي الكوني رقمياً في ذاكرته الوراثية ، أي ما كان موجوداً قبله ، بمعنى وجود كون سابق لكوننا المرئي مثل انتقال المعلومات الوراثية الجينية من الأب إلى الأبناء . وللحديث بقية.

    د. جواد بشارة
    jawadbashara@yahoo.fr


    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media