شيء من اللغة.. (فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا)
    الأثنين 24 ديسمبر / كانون الأول 2018 - 12:59
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    الصديق المحامي علي الحلي من العراق قاده حسن ظنه بي إلى أن يطلب حوارا حول لفظة: تَعْتَدُّونَهَا، من الآية: (ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا). 
    فثمة سؤال عن (تَعْتَدُّونَهَا) والعدّة للنساء لا للرجال، فهل من سبب أو جملة أسباب كان الخطاب لهم لا لهنّ؟ وهل لاختيار التذكير علاقة بلغة الآية وأسلوبها؟
    فرأيت الفرصة سانحة للحوار حول الجذر (ع.د.د) ومجيء (تَعْتَدُّونَهَا) في الآية الكريمة.
    أما الجذر (ع.د.د) فهو من الجذور اللغوية التي نالها كثير من التطوير حتى ليخيّل للدارسين أن معانيه متباعدة وأن لا رابط بينها. ولكن الرابط بينها العَدّ وحساب الأشياء. فأنت تعدّد مآثر فلان أي تذكرها واحدا بعد آخر. والأعداد هي هذه التي يستعملها الناس في الحساب.
    ولَمّا كان الحديث عن هذه الدلالات يطول ما بين العِدّة بكسر العين، والعُدّة بضمّها، فلننتقل إلى جواب السؤال:
    * العِدّة، بكسر العين وتشديد الدّال، ما تُلزَمُ به المرأة في حالتي الطلاق والترمّل. وهي مدة محددة بأشهر (معدودة) وأيام (معدودة) ويجب عدّها وإحصاؤها إذ لا ضرر ولا ضرار. وبعض النساء قد تعتدّ لسنة أو أكثر خاصة في حالة الترمّل، تطوعا من عند نفسها، وفاء لزوجها الراحل حسب تفكيرها ومشاعرها.
    ولقد قرأنا وشهدنا حالات عديدة، لرجال لا يتزوجون بعد فَقْد أزواجهم ولنساء لا يتزوجن بعد فَقْد أزواجهن. وفاء أو حبا، أو لأي سبب آخر، ولا يحق لأحد أن يجبرهم أو يجبرهن على الزواج بعد انقضاء أمد العِدّة المحددة شرعا. له النصيحة وليس له الفرض.
    أما في الحالة المذكورة في الآية فلا عِدّةَ على المرأة. ولاحظ أنني قلت (على المرأة) ولم أقل (لها) وسيأتي توضيح الفرق.
    هنا يأتي السؤال: ما دام الحال كذلك أفلم يكن الأصوب أن يكون النص: (فما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ يَعْتَدِدْنها)؟
    كلا ليس ذلك من الصواب في شيء.
    فالفرق بين التعبيرين كبير. ففي النص الثاني هي التي تريد أن تعتدّ فلا تريد زواجا بل تلزم نفسها بما تلتزم به المعتدّة عِدّة الطلاق، اختيارا من عند ذاتها. ففي هذه الحالة لا يحقّ لأحد أن يمنعها مما اختارته لنفسها. والقرآن الكريم لم يُلزمها بأن تعتدّ، كما لم يمنعها مما تختاره لنفسها من سلوك في هذا الإطار. هي حرّة في أن تسلك سلوك المطلقات اللواتي تلزمهن العدّة أو لا تسلك ذلك السلوك.
    أما في الآية الكريمة، فإلزام للرجال أن لا يفرضوا عليها عِدّة المطلقات. وهذا الإلزام كان لحالة اجتماعية وما زال كذلك. يعقد رجل عقد زواج على امرأة ومن قبل أن يقع الزواج حقا يفسخ العقد، ثم ترغب المرأة في الزواج، ولكنها تُمنع من ذلك بحجة أن عليها عدة المطلقات.
    في الحالة الأولى (يعتددنها) هي تريد أن تعتدّ فلها ذلك. وفي الحالة الثانية هي لا تريد أن تعتدّ والنص القرآني معها، فبأي حق يُفرض عليها غير ذلك؟ 
    ولتقريب هذا من الأذهان نذكر أن معنى (يعتدّ): يتمسك ويعتمد شيئا أو على شيء بقوة، ومنه أن تدعو ربك: أنت عُدّتي في شِدّتي. وشاع تعبير: أنتم تعتدّون بأصحابكم، أي: تعتزون بهم، ولكم بهم قوة وإسناد. ويتطور هذا إلى قولهم: استعددت للأمر، إذا أخذت له عُدّته، أي: هيأت له لوازمه. ومنه قول الأعشى:
    وأعددت للحرب أوزارَها/ رماحا طوالا وخيلا ذكورا
    وقد مر بنا هذا البيت في حلقة (معنى لفظة الوزير).
    وعلى هذا فإن كلمة (تعتدّونها) تعني: تتخذونها (أي العِدّة) ذريعة لفرضها عليهن. ومن الواضح أنها لفظة تجمع بين الإعداد والاعتداد والعِدّة معا. وهذا من بليغ الكلام وفصيحه في أعلى مراتبه.
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media