اكبر معرض لتخليد شاعر "اوفيديو.. الحب، الاساطير، وقصص اخرى"
    الأحد 30 ديسمبر / كانون الأول 2018 - 22:08
    موسى الخميسي
    اوفيديو الشاعر الذي تحدى الامبراطور اوتوفيانو اوغوسطو

    في صالات قصر " الكوريناله" التاريخي العريق التابع لرئاسة الجمهورية الايطالية، افتتح رئيس جمهورية ايطاليا سيرجو مارتيلا، ما اعتبرته اجهزة الاعلام الايطالية والاوربية بانه اكبر معرض لتخليد شاعر، عرضت فيه اكثر من  250 قطعة فنية ما بين رسم ونحت ، جاءت من العديد من المتاحف الاوربية والولايات المتحدة،  الى جانب عدد من كتب الشعر المخطوطة والمزينة بالرسوم بيد الشاعر " بوليبو اوفيديو نازونه" الذي اشتهر باسم ابيه" اوفيديو". ولد في مدينة سولمونا في مقاطعة الابروتسو عام 43 قبل الميلاد وتوفي في المنفى في مدينة كوستانسا برومانيا التي كانت جزء من الامبراطورية الرومانية عام 18 ميلادية.

    في هذا السياق يجد المشروع العشري لجامعة بادوفا الايطالية تاطيره الخاص؛ وهو مشروع اقترح البحث في الوجه المتعدد الصور لاوفيديو عبر بحث عمودي انخرط فيه عدد كبير من الطلبة والدارسين طيلة عشر سنوات من مختلف الاختصاصات والفنون. وثمرة هذا المشروع تعينت في المعرض الثقافي الادبي الفني تحت عنوان: "اوفيديو قصص الحب، الاساطير وقصص اخرى"داخل صالات العروض بالكويرينالى بقصر الرئاسة الايطالية.

    كان الفيلسوف لوكريشيوس(99- 55 ق.ب) فيلسوفا ابيقوريا ظهر في روما،  وكانت قصيدته الملحمية الشهيرة ( عن طبيعة الاشياء) من اعظم المؤلفات في ذلك العصر، عالج فيها العديد من مسائل علم الجمال على اساس الفهم المادي للعالم، مدافعا عن قوانين الطبيعة الازلية، مؤكد على ابدية المادة وعدم اضمحلالها. واعتبر الجمال ضرورة انسانية، وقد نشأ بدافع الحاجة اليه، اذ انه ظهر مع تطور الجماعات البشرية، فبرزت الموسيقى والرسم والرقص والغناء كضرورة مكملة للحياة . وقد اثرت افكار هذا الفيلسوف الشاعر،وكذلك الشاعر والفيلسوف الروماني غاراتسي فلاك، على اوفيديو الذي رفض السحر والشعوذة والتنجيم والافكار القائلة بحتمية القدر الذي يرسمه عدد من البشر تلبسوا صورة الالهة، فطالب في وصاياه على الدور الهام الذي يلعبه محتوى الفن، كما طالب المبدع بثقافة فلسفية، وان يحافظ على الوحدة والبساطة والتكامل والاستمرار والصدق في انتاجه الادبي.

    لقد توجه اوفيد باشعاره وكتاباته الفلسفية الى الاخرين ومجد المشاعر الجماعية السامية والحب والمجد والخوف من العار. وكل العواطف التي يمكن ان يهيجها الوجود الحقيقي او الخيالي لفئة اجتماعية بكاملها ، والرغبة في فرض شكل متكامل وبالتالي خالد للتعبير عن العاطفة، وهذه الصفة هي التي تؤكد على وجوب اتباع الحقيقة المطلقة. فهو يقول" اذا رغبت في ابتداع شيء ما فكن في تفكيرك قريبا من الحقيقة، اما ان تطلب من الناس ان تصدق كل شيء فهو امر مستحيل". وفي هذا التحول لعب اوفيد دورا بارزا في حياة الامبراطورية الرومانية.

    وظل التقليد الابوي( البطريركي) متبعا في الدولة الرومانية واستمر طويلا، مثيرا صعوبات كثيرة، ولكنه أسهم في إعطاء القانون الروماني أصالته وطبع التاريخ القانوني في اوربا بطابعه الخاص. وكان من نتيجته أن حدّ من تدخل الجماعة في ما يعود لرب العائلة من حقوق، وقلص من سلطات الدولة الى حد كبير. وكان الشعب الروماني يبدو قلقا دائما من السلطة المركزية، ايا كانت وكان يتهمها بأنها ظالمة طاغية، وكان يخشى ان يبرز احد الرجال بين القادة الاخرين وينتقص من " الحرية" أي من سلطة سائر القادة.

    اوفيديو الذي هو اكبر شاعر الانوثة والنساء من بين الشعراء اللاتين مثلما يصفه الشاعر الفرنسي بيار غريمال الذي يقول عنه ايضا بانه "اعطى صوتا لنصف الجنس البشري الذي غالبا ما سكت عنه بتواطؤٍ مقصود" .

    سئل الشاعر الكبير والمعاصر  يوسف (يوزيف) برودسكيج لو قيض لك ان تكتب عن بيت شعري من الماضي فاي بيت تختار؟ فاختار من دون تردد هذا البيت الذي لا يزال يحتفظ برثائية قصص الحب  للشاعر  اوفيديو: "لا استطيع العيش لا معك ولا من دونك" .

    في يبس اللغة اللاتينية لهذا البيت يتواشج كل من اللغز المشترك بين كل الكائنات الانسانية التي تعيش تجربة ايروس وحكم الفلاسفة على هذه التجربة التي يطال تاثيرها النفس الانسانية والتي يدفعها هذا التاثير الى الجنون (ما يعبر عنه اليونانيون بـالـ 'مانِيا') .  ومع ذلك فهو الغذاء الذي لا يتخلى ولا يستغنى عنه بالاضافة الى كل حياة نفسية، وهو التناقض الاولي واللغز او السر الطبيعي وما بعد الطبيعي الذي يقتضي تعليم معلم.

    الشاعر اوفيديو كان ولا يزال بالفعل استاذا فيما يتعلق بكل مستويات المعرفة بالحب. استاذية تتنج  في اكثر اعمالة شيوعا، التحولات، بناءً لقصة كونية لعالم كل ما فيه يتسم بالدينامية والحركة، في التوترات الدائمة، التي هي انسانية والاهية معا؛ لعالم ينحو تجاه ما لا ينقال. ولاجل ذلك فهو حقا عالم من دون موت؛ ذلك انه في هذا الشعر الملحمي ، الذي تتشاجن فيه استيطيقا وميتافيزيقا الرغبة "كل شيء يتغير ولا شيء يموت".

    وليس بالصدفة ان اوفيديو الذي يبدو مختلفا قي ايمانه عن الاخرين، يرى ان "حتى مجموعة الالهة ، ان ساغ لنا القول، لا توجد الا بفضل الشعر"سيكون مع االثقافة المسيحية مشغوفا به. فنجد ان كَتَبة الاديرة شغفوا بكتابة ونسخ كتاباته بصفة يتجلى فيها جانب العبادة واما العصر الوسيط الذي غلب عليه التصوف فقد عشق عالمه عديم الصورة. والشاعر الكبير دانتي مثلا في الكوميديا وضع اوفيديو في رابوع النفوس (الارواح) العظيمة واستعمله ككنز ميثولوجي وكنموذج لخيال مبدع وغالبا ما استخدمه كنموذج اسلوبي اكثر من اي شاعر اخر قديم.

    ذلك ان اوفيديو كان شاعرا مطبوعا  فهو يعترف في  مقالة "الحزن" : "انى كانت طبيعة ما احاول قوله يتاتى لي قوله شعرا" . ولكل ذلك ترد حظه الكبير في التاريخ اذ اهتم به كل من النزعة الانسانية وعصر النهضة والباروكية الى غاية قرن الانوار المنحمس الذي تعرف على مثاله الليبرالي في (فن الحب). لكن ان كان فن اوفيديو هو فن العقل، ومن ثمة هو فن حذر، يعلم استخدام علاقة الحب، التي هي بالقوة محطِّمة، لمعرفة انفسنا حسب قولة التي تنسب الى دالفي (معبد دالفي اليوناني: اعرف نفسك بنفسك – الموجهة الى سقراط الحكيم) التي يذكرها صراحة،  ولمعرفة رؤية عالم الانوثة لهذا العالم القديم التي هي اقرب الى عالم المحدثين.

    ويجمع الكتاب الفخم المعدّ لهذا الغرض دراسات اهم الباحثين والدارسين لاوفيديو ولعصره- من اوجينيو لا روكا الى باول زانكر ومن الاسكندر باركيِيزي الى جانبيارو روزاتي ومن الاسكندر سكييزارو الى ريتشارد تارّانت.

    كما نجد في مجرى هذا المعرض العديد من الاعمال الفنية الباهرة القديمة، الوسيطة، الحديثة والمعاصرة. كل ذلك مع توضيبات الفنان الاميركي "جوزيف كوسوث" التقنية والفنية التي جعلت من بعض الابيات الشعرية لاوفيد تبرق وتنطفي مع انابيب الانارة وفيها متحاورة مع الرسومات الجدارية لبومباي والهة الحب لفنان عصر النهضة "ساندرو بوتيشيلي" ولوحة" ليدا والبط" للفنان ليوناردو دافنشي،  ومع منحوتات او تماثيل العصر الامبراطوري والاعمال الفنية الكبرى لعصر النهضة  والباروكية كل ذلك مع تمثيل تجسيدي مصغر لحياة النساء في عصر الامبراطور "اوغوسطو" التي لا توثق العالم الفني والفكري لاوفيديو فحسب بل وتوثق ربما ايضا للعالم المحيط به بمعنى لتعليمه الثاني (الاول هو تعليم الحب) الاهم : التعليم السياسي.

    ذلك ان اوفيديو لم يكن معلم الحب فقط بل كان ايضا معلما  لذاك العمل الوحيد والخاص الذي يعارض به مثقف ما في مواجهته مع السلطة التي تميل وتنحرف باتجاه التسلط والقهر؛ بمعنى المقاومة السياسية عبر الادب. اذ ان اوفيديو كان اول شاهد على احدى تلك الثورات الاولى في التاريخ الغربي  المعروفة باسم "الثورة الرومانية" التي جلبت "اوتافيانو " الى اعتلاء سدة الحكم ليحوّل الجمهورية الى امبراطورية اعيد تاسيهها وفق وجهة تسلطية لا فقط في صورة الحكم بل في  وعلى حياة المواطنين نفسها بدءا من الحياة اليومية ووصول الى الفضاء الحضري ومن الاختيارات الدينية  الى الاخلاق العامة. وهو السبب الذي امر الامبراطور اوغوسطو بنفيه بعيدا عن روما.

    رومــا: موسى الخميسي
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media