حول ضرورة قانون التأمين
    الأربعاء 2 يناير / كانون الثاني 2019 - 23:26
    آمال محمود شكري*
    توطئة
    تتضمن أعمال التأمين جوانب قانونية وفنية ومالية، وعندما يكون في سوق التأمين شركات تأمين متعددة ومتنافسة، فلا بد من وجود قانون تأمين ينظم أعمال التأمين للمحافظة على حقوق شركات التأمين وحملة اسهمها وحقوق المؤمن لهم.  ولا أعني هنا فقط ما يتعلق برأس مال شركة التأمين وهيكلها وارتباطها واحتياطياتها الفنية وإنما كل ما يتعلق بعمليات التأمين والعلاقة بين شركة التأمين والمؤمن له والمؤمن عليه والمستفيد ووكلاء التأمين والشروط الرئيسية والاستثناءات في وثائق التأمين وأهمية إقرارات طالب التأمين وما يترتب عليه إذا كانت إقراراته خاطئة عند ملء طلب التأمين أو عند إخفاء معلومات مهمة عن شركة التأمين.  ويجب أن يتضمن قانون التأمين أحكاماً تحدد علاقات شركات التأمين العاملة في السوق مع شركات إعادة التأمين وما هو تقييم شركات الإعادة التي يمكن التعاقد معها من حيث الملاءة المالية، فهناك شركات إعادة تأمين في الأسواق العالمية أفلست أو أجبرت على الانضمام إلى شركات أخرى أقدر منها مالياً.

    تنظيم التنافس
    إن وجود شركات متعددة في سوق تأمين محدودة يحتم أكثر ضرورة وجود قانون تأمين ينظم أعمالها فلمنافسة بين شركات التأمين قد تكون سلاحاً ذا حدين.  فمن جانب، تضطر شركات التأمين أن تقدم أحدث أغطية التأمين وبشروط وأسعار منافسة وتتنافس على تقديم الخدمة الأفضل فتفيد جمهور المؤمنين.  ولكن من جانب آخر، قد تؤدي المنافسة غير المنظمة إلى فوضى في السوق وأخطرها في رأيي المضاربة غير المعقولة بأسعار وشروط التأمين وبالأخص ما يحدث في أسعار التأمين وشروطها عند وجود مشروع تأمين كبير في السوق كتأمين شركات أو مؤسسات أو بنوك ذات محافظ كبيرة فيغري القسط الكبير المتوقع شركة التأمين وربما تلجأ إلى معيد تأمين من مستوى دون المطلوب ليعرض لها أسعاراً واطئة وشروطاً متساهلة من أجل أن تحصل على المشروع.  ولا ينكر بأن شركات إعادة التأمين الرصينة لا تستجيب لمثل هذا وتظل متمسكة بسياستها المتحفظة في انتقاء الأخطار.  ويمكن أن تتكبد شركات تأمين خسارات كبيرة في مثل هذه الحالات.  

    تنظيم إعادة التأمين
    أما شركات الإعادة فغالباً ما تحمي نفسها بأكثر من طريقة عند قبول إعادة تأمين عقد كبير لديها وبالأخص في التأمين الطبي (أو الصحي كما يدعى في بعض الأسواق) كأن تفرض نسبة احتفاظ أعلى على شركة التأمين، وكذلك بتحديد الحد الأعلى لنسبة الخسارة (Loss Ratio) التي تتحملها من جانبها فتتحمل شركة التأمين كل التعويضات عند تجاوز الحد الأعلى لنسبة الخسارة، وتضع أيضاً عمولة متأرجحة بين حد أعلى وحد أدنى (sliding commission) فتتغير العمولة حسب نسبة الخسارة.  وبالنتيجة تقع خسارة أكبر على شركة التأمين نفسها.  لذا من المهم أن يكون هناك قانون تأمين يتضمن ضمن مواده فقرات تحدد ما هو التقييم المقبول لمعيد التأمين ليمنع اتفاقيات إعادة مع شركات إعادة غير مضمونة لتكون عقود اتفاقيات إعادة التأمين مع شركات إعادة تأمين رصينة.

    تنظيم الجهاز الرقابي
    إن نجاعة أي قانون تأمين لن تكتمل إلا بوجود جهة رقابية بكادر ذي كفاءة فنية ومالية عالية ليكون قادراً على التحليل الفني والمالي للنتائج السنوية لأعمال شركات التأمين العاملة في السوق.  ومع كل الاحترام لمكاتب التدقيق، أعتقد أن أي مكتب تدقيق معتمد لفحص النتائج المالية لشركات التأمين قد لا يكون قادراً على تقييم النتائج بشكل عميق إذا لم تتوفر في كوادره معرفة فنية بأعمال التأمين.

    فبعض شركات التأمين قد تتعمد إخفاء خسارتها على أمل أن تستعيد عافيتها بعد فترة فتلجأ مثلاً لاحتساب احتياطيات فنية دون المستوى المطلوب والمناسب لأعمالها، وهذا يتسبب في تدهور أعمالها أكثر فأكثر.  وبالرغم من خضوع الميزانية والحسابات الختامية للتدقيق ولكن برأيي فإن هذا لا يكفي فهناك أمور فنية قد لا ينتبه إليها المدقق المالي وتؤثر بشكل كبير على نتائج الحسابات الختامية. 

    تنظيم الرقابة على تأمينات الحياة وغير الحياة
    قد يقول البعض انه في التأمين على الحياة يحتسب الاحتياطي الحسابي وفق معادلات اكتوارية ثابتة ومعروفة ولكن حتى هذا الاحتياطي يمكن أن تتغير نتائجه لأن المعادلات ثابتة ومعروفة ولكنها تستند على أسس فنية محددة تعتمد على جداول الوفيات (mortality tables) المستخدمة ومعدل الفائدة المفترض (rate of interest) ونسبة المصاريف غير المستهلكة (non-amortized cost of acquisition) وصولا إلى الاحتياطي الصافي.  كل هذه العوامل تؤثر في النهاية بمقدار الاحتياطي الحسابي المحتجز.  وفي رأيي إن قانون التأمين يجب أن يضع للسوق الأسس الفنية الدنيا الواجب اعتمادها لأغراض احتساب الاحتياطي الحسابي للتأمين على الحياة.  ويبقى الأمر متروكاً لشركة التأمين وللاكتواري الذي يدقق احتياطياتها أن يحدد أسساً للشركة: إما تنتج الاحتياطي الأدنى المطلوب بموجب القانون أو احتياطياً أعلى من الحد الأدنى.  ومن المفيد أيضاً بناء احتياطي طوارئ تدريجياً. 

    بالنسبة لاحتياطي التعويضات الموقوفة، قد يكون الأمر في التأمين على الحياة أكثر وضوحاً وأسهل احتساباً من أنواع التأمين الأخرى.

    ولكن من ناحية احتياطي التعويضات الموقوفة لأنواع التأمين (غير التأمين على الحياة) فهناك مجال كبير لاحتساب احتياطي غير متناسب مع الواقع.  وأكبر امثلة على ذلك نجدها في التأمين الطبي لأن فواتير الجهات الطبية المختلفة التي تتعامل معها شركات التأمين تتأخر اعتيادياً قبل أن تستلمها شركات التأمين ولمدد قد تزيد على 45 او 60 يوماً مما يصعب تحديد التعويضات الموقوفة بالكامل وبشكل دقيق فيتطلب الأمر أخذ احتياطي إضافي لتعويضات لم تكتمل فواتيرها ولكن تعلم بها الشركة خاصة بالنسبة لحالات الإدخال للمستشفى.  وكذلك تخصيص احتياطي للتعويضات غير المبلغة (- Incurred but not Reported IBNR) وذلك بعد دراسة متوسط مدد التأخير في استلام فواتير الجهات الطبية ومعدل التعويضات الفعلية لفترات سابقة.  في الواقع، إن مثل هذا الاحتياطي ضروري لجميع أنواع التأمين ومهم جداً في التأمين الطبي وتأمين المركبات. 

    في تأمين المركبات يستوجب الأمر أيضاً مراجعة الاحتياطي المحتجز لكل حالة لأن بعض الحالات تستغرق وقتاً طويلاً قبل أن تتم تسويتها ولا بد أن تحدث متغيرات عديدة في أجور التصليح والأدوات الاحتياطية وتتغير الأسعار باستمرار.  وهذا ينطبق على أنواع أخرى من الـتأمين العام.  ولا يغيب عن البال وجود حالات عديدة من تعويضات تأمين المركبات في المحاكم قيد النظر لم تصدر بها قرارات بعد ويمكن أن يصدر القرار في غير صالح الشركة وتصبح الشركة مسؤولة عن مبلغ التعويض مضافاً اليه المصاريف القانونية والفائدة القانونية من تاريخ الدعوى إلى تاريخ الدفع، وبذا قد يصبح المبلغ المستحق أكبر بكثير مما كان محتجزاً كتعويض موقوف.  وأعتقد أن هذه الحالات المحالة للقضاء تحتاج للمراجعة واحتساب الاحتياطي المناسب، ومثل ذلك ينطبق على أية تعويضات مقامة بشأنها دعاوى في المحاكم لجميع أنواع التأمين بضمنها التأمين على الحياة.

    ويجب أن يحدد قانون التأمين أسساً واضحة لاحتساب الاحتياطيات الفنية ومعادلات لاحتساب احتياطي التعويضات غير المبلغة.   ومن واجب الرقابة الفنية على شركات التأمين التأكد من أن احتياطياتها وافية ومحتسبة وفق الأسس المحددة في قانون التأمين.

    تنظيم تصفية شركات التأمين
    إن عدم وجود قانون تأمين ورقابة مالية وفنية كفوءة في سوق التأمين قد يؤدي إلى تعرض شركات تأمين للإفلاس والتصفية.  ويجب أن يشمل قانون التأمين أحكاماً تخص حالات التصفية، لأن تصفية شركة تأمين لها خصوصيات لا تشبه تصفية شركات أخرى.  ويمكن أن يتصور المرء مثلاً ما يمكن أن يحدث في التأمين على الحياة، فمعظم وثائق التأمين على الحياة الفردية ذات مدد طويلة الأمد.  بعض هذه الوثائق يغطي خطر الوفاة فقط وبعضها يتضمن بالإضافة إلى خطر الوفاة جانباً ادخارياً.  فماذا يحدث لهذه الوثائق في حال تصفية لشركة؟  

    ولا ننسى أن بعض وثائق التأمين على الحياة يهتم بجانب حماية المؤمن له أكثر من جانب الادخار فتتضمن مثل هذه الوثائق شرطاً تلقائياً ينطبق في حالة توقف المؤمن له عن تسديد الأقساط بأن يتم استخدام القيمة النقدية للوثيقة "cash value" تلقائياً لتسديد سعر تغطية خطر الوفاة والمصاريف فقط باستقطاعه تلقائياً من القيمة النقدية لكي تبقى وثيقة التأمين سارية المفعول بكامل مبلغ التأمين الأساسي.  فإذا كانت القيمة النقدية للوثيقة عالية ستظل الوثيقة سارية المفعول لفترة غير قصيرة وفي نفس الوقت، وعلى الأكثر، تكون اتفاقيات إعادة التأمين للشركة الخاضعة للتصفية قد ألغيت.  ففي الأحوال الاعتيادية تتجدد اتفاقية إعادة التأمين على الحياة سنوياً بشكل تلقائي إلا عندما يكون هناك نية لإجراء تعديل عليها أو إلغاءها فيمكن لمعيد التأمين الغاء الاتفاقية من تاريخ تجديدها ولكنها تبقى سارية المفعول للوثائق التي كانت مشمولة بها لغاية انتهاء آجال تلك الوثائق.

    أما عند إفلاس شركة تأمين فيمكن لشركة إعادة التأمين إلغاء الاتفاقية مباشرة عن الوثائق الجديدة وكذلك جميع الوثائق السارية المفعول.  النتيجة ستكون لدى شركة التأمين وهي تحت التصفية، وثائق تأمين على الحياة سارية المفعول وبدون غطاء إعادة تأمين وليس في الوثيقة مادة تسمح بإلغائها إذا كانت اقساطها تسدد.

    إن الحل يمكن أن يتم بالاتفاق مع المؤمن لهم بتصفية وثائقهم أو أن تبيع شركة التأمين محفظة هذه الوثائق إلى شركة تأمين أخرى تمارس التأمين على الحياة.  وفي الحالتين يستوجب الأمر وجود احتياطي حسابي فعلي محتجز مقابل هذه الوثائق (وليس حبراً على ورق) لتدفع منه قيم التصفية أو قيمة بيع المحفظة لشركة تأمين أخرى حسب الحالة. 

    في بعض الأسواق العالمية في حالة تصفية شركة تأمين على الحياة توجد ترتيبات خاصة لحملة وثائق التأمين على الحياة منصوص عليها مسبقاً توفر غطاءً للمؤمن لهم ولكن بحدود معينة تختلف من سوق لأخرى وقد توزع كلف ذلك على جميع الشركات العاملة في السوق.  فمن غير الانصاف أن يخسر المؤمن له غطاء التأمين في الوقت الذي يكون فيه أكبر عمراً وعلى الأكثر أسوأ حالاً من الناحية الصحية فلن يجد شركة تأمين تقبل به فتخسر عائلته الحماية التي كان سيوفرها لها وحتى لو قبلت شركة تأمين به فسيكون ذلك بسعر أعلى. 

    ولابد ان يتضمن قانون التأمين ايضا نصوصاً تتعلق بتصفية شركات التأمين كما يجب أن تكون نصوصه واضحة وشاملة وغير مبهمة ولا تحتمل التأويل والاجتهاد. 

    وكمثال قد تتضمن اتفاقية إعادة التأمين أحياناً شرطاً بالنسبة للمؤمن له الذي لديه تعويض استحق قبل تاريخ تصفية شركة تأمين كان قد أمن لديها وخضعت للتصفية يسمح له أن يطالب معيد التأمين مباشرة، أي تصبح العلاقة بين المؤمن له ومعيد التأمين مباشرة وليس من خلال شركة التأمين وهو ما يسمى بشرط الاختراق (Cut through clause).  ويجب أيضاً أن يعالج قانون التأمين ذلك والتأكد من أن الشرط لا يتعارض مع شروط أخرى تخص التصفية إذ يفترض أن حصة المعيد من التعويض تحول للشركة تحت التصفية وتضاف إلى الاحتياطيات الفنية للشركة ولا يصرف المُصفّي منها مبالغ إلى جهات مستحقة قبل أن يتم حصر جميع موجودات الشركة أولاً ثم يتم تسديد الديون حسب الأولويات التي ينص عليها القانون فقد تكون الموجودات غير كافية لأن يدفع لكل دائن المبلغ الذي له بذمة الشركة.  كما يعالج أية مبالغ تحصلها شركة التأمين من المعيدين خلال فترة التصفية وهذه يفترض أن تضاف إلى الاحتياطيات الفنية ولا يتصرف بها المُصَفّي لأغراض أخرى. 

    وهناك جوانب أخرى تحتاج للنظر بالنسبة لشركة تأمين تحت التصفية فيمكن أن يصدر قرار محكمة بشأن تعويض سبق أن اقيمت بشأنه دعوى على شركة تأمين من قبل المؤمن له أو المستفيدين منذ مدة ويلزم القرار شركة التأمين بدفع التعويض والمصاريف القانونية والفائدة القانونية من تاريخ إقامة الدعوى إلى تاريخ السداد التام.  فمن ناحية، لا يمكن للشركة أن تسدد لأنها خاضعة لشروط التصفية وأولويات تسديد الديون.  ومن ناحية أخرى، ستتراكم عليها الفائدة القانونية لسنوات وقد يصبح المبلغ الواجب الدفع ضعف ما كان عليه والأمر يستلزم معالجة ذلك مسبقا بمواد قانونية.

    إن قانون التأمين يجب أن يعالج كل هذه الأمور.  أما الرقابة المالية والفنية على الشركات فيجب ان تكون كافية للتأكد من ملاءة شركات التأمين قبل أن تصل إلى مرحلة تستوجب تصفيتها فتتدارك ذلك قبل فوات الأوان وقد تفرض على الشركة الانضمام لشركة أقدر منها مالياً.

    وختاماً، ربما أكون قد تشعبت وأطلت ولكني أود أن أرى قانون تأمين ذا مواد شاملة وعميقة الفهم وغير مبهمة لينظم جميع أعمال التأمين ويكون سنداً لسوق التأمين.  وقد عُرف دوماً عن سوق التأمين العراقية بأنها سوق ذات رصانة فنية عالية، وأتمنى أن تبقى هكذا دائماً.

    (*) خبيرة - مدير التامين على الحياة في شركة التأمين الوطنية

    حقوق النشر محفوظة لشبكة الاقتصاديين العراقيين.  يسمح بإعادة النشر بشرط الإشارة إلى المصدر. 2 كانون الثاني / يناير 2019
    http://iraqieconomists.net/ar/
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media