منظمة اليونسكو تقيم معرضا كبيرا عن الحضارة العربية – النورماندية المعبر العربي الثاني الذي سلكته الحضارة العربية الى العالم
    الأربعاء 9 يناير / كانون الثاني 2019 - 07:43
    موسى الخميسي
    في قاعات قصر" زيتو" التاريخي العريق في مدينة باليرمو ، العاصمة الاقليمية لجزيرة صقلية الايطالية، اقيم معرضا كبيرا للفنون العربية- النورماندية ، برعاية منظمة اليونسكو ، تحت عنوان(باليرمو العربية- النورماندية. كاتدرائية جيفالو ومونرياله)، تستعرض الاعمال والمجسمات ، فترة قاربت القرنين ونصف من الزمن،كانت جزيرة صقلية الايطالية، المعبر الحضاري الثاني بعد الأندلس، والذي سلكته الحضارة العربية في وصولها إلى غرب أوروبا؛ فاستحالت هذه الجزيرة بعد فتح العرب لها واستقرارهم فيها إلى مركز حضاري يشع منه نور العلم وبريق المعرفة لينير جوانبها، بل جوانب البلاد الأخرى المجاورة وغير المجاورة. سيما وان افتتاح العرب لصقلية، وهي كبرى جزر البحر الأبيض المتوسط ، قد بدأ في سرعة؛ اذ لم يكن لدى العرب في تلك الفترة اي سبب يدعوهم للشعور بالنقص كما يشير عدد من المستشرقين الإيطاليين، وذلك على ضوء إعجابهم ورغبتهم في "محاكاة" الإمبراطورية البيزنطية في المجالات الإدارية والاجتماعية، بل ان العرب كان لديهم عقدة الشعور بالتفوق ولاسباب كثيرة. اما الأعمال الفنية والنظم الإدارية التي يظهر فيها التشابه مع ما في بلاد بيزنطة فان السبب فيه هو خصوصية الموقع الجغرافي لهذه البلاد وما كانت تتوفر عليه من رصيد حضاري، ولذلك فان رجالها هم الذين كانوا يعرفون أسرار تلك الأعمال التي ابتكروا فيها ما شاءوا ومن ثم فانه من المجازفة القول بالتقليد الإسلامي للروم .

    وقد وصلت عناصر من الثقافة المادية العربية والعلم والفن إلى عدد من الدويلات والإمارات الإيطالية المستقلة من خلال طرق أخرى بعيدة عن الحروب والغزوات، ذلك انها لم تصل عبر اللقاء الصدامي الحربي بين الحضارتين بل عبر لقاء الاخاء والتعاون والتفاوض والاستيعاب اي عن طريق التجارة والهجرات الثقافية، وحركة الترجمة الكبيرة التي كشفت للإيطاليين ثمار اسهام العرب في علم الطب والصيدلة والرياضيات والفلك  والجغرافيا والكيمياء، حتى منتصف الثاني من القرن الحادي عشر، اي قبل تدفق العلم المبدع باللسان العربي بكل صنوفه وأبوابه على أوروبا من خلال الدولة العربية في الأندلس. فقد ظلت جزيرة صقلية تحت السيادة العربية من سنة 827 الى سنة 1091 ميلادية. ، واصبح مدينة باليرمو تضاهي قرطبة الاموية على عهد الخليفة الناصر عمرانا ورخاء.. وظلت باليرمو حاضرة صقلية العربية الى ان سقطت المدينة في ايدي النورمان من جنوب ايطاليا في سنة 1072م، اي انها بقيت حاضرة عربية نحو قرنين ونصف القرن.

    في قاعات المعرض الكبير الذي توزعت فيه ما يقرب من مئتين والخمسين من الاعمال الفنية والحرفية النادرة والشائعة،  فالى جنب الصور الفوتوغرافية وقطع السيراميك والاواني والمنسوجات النماذج البلاستيكية للروائع المعمارية التي انجزت في العهدين العربي والنورماندي ، عرضت مجموعة من المصوغات الفضية والذهبية، سجاد ونسيج وحرائر، لوحات فنية زيتية ، سيراميك وصناعات زجاجية ،مصابيح وادوات منزلية ومعادن ثمينة ،ومصكوكات وصناعات فلكلورية وعسكرية، تجليد الكتب بالجلود وتذهيبها، اضافة الى عدد كبير من الخرائط والمخطوطات والوثائق الطباعية  . قاعات اخرى عرضت فيها روائع ما خلفه المسلمون في صقلية من تحف نادرة من أسلحة بكل أنواعها، إضافة إلى العديد من الحاجيات والكتب والوثائق والمخطوطات التي يحمل العديد منها اروع القصائد الشعرية العربية الصقلية.

    لم تنته العمارة والفن العربي بنهاية الدولة العربية ولا حتى بانعدام وجود العرب في صقلية، ذلك انه منذ نهاية القرن الحادي عشر طغت العناصر العربية في زخرفة الكنائس الرومية، ثم اختلطت هذه العناصر فيما بعد في الكنائس الغوطية مع العناصر الوافدة من فرنسا، كما اختلطت في ابنية عصر النهضة مع العناصر الفنية في ايطاليا، وانتقلت اليهم الفنون العربية فتأثر بها العديد من فناني عصر النهضة في كل من فلورنسا وبيزا وسيينا والبندقية وجنوى.وقد توسعت الفنون بشكل مدهش في عهد النورمان في صقلية، باطار تدهش وحدته وتستحق الاعجاب الكامل بجميع ما انتجه ذلك الموسم الفني السعيد الذي استهل عندما كان الاخوان روجر دالتافيلا، كونت صقلية الكبير في المستقبل، وربيرتو ال غويسكاردو، خلال العشرينات الاخيرة من القرن الحادي عشر، بصدد إتمام احتلال الجزيرة، وتواصل بروعة في القرن الموالي تحت حكم الملوك الثلاثة روجر الثاني ،وغوليلم الاول ،وغوليلم الثاني.  نصل الى القول بان العديد من الكاتدرائيات وكنائس المدن الصقلية تحكي أستاذية المعماري العربي القديم في تلك المدن والقلاع التي يراها الزائر هنا وهناك؛ وابرز مثال على ذلك نجده في ابراج الكنائس، تلك الابراج المربعة الشكل ونموذجها (كامبانيله) وسط مدينة فلورنسا، وبرج كنيسة القديس مرقص (سان ماركو) في البندقية، كما نجد في كاتدرائية مدينة فلورنسا القبة المشهورة التي صممها معماري عصر النهضة فيليبو برنوليسكي والتي نجد بها جملة من العناصر الهيكيلية والمعمارية العربية.  وشهدت فترة حكم النورمان التي حققتها سياسات التسامح،  بثبات على العنصرين المكونين الهامين البيزنطي والعربي المتأصلين منذ وقت طويل في الجزيرة. والدليل على ما كان هذا التوفيق بين المعتقدات الدينية المختلفة، يبرز، بعد عشرية ونيف من التتويج الفخم، في عيد الميلاد المسيحي سنة 1130، لروجر الثاني، وكانه اعلان رسمي كتب بثلاث لغات، وهو اليوم مدموج في جدار بناء بجانب كنيسة المصلى البلاطي(Cappella Palatina) في القصر الملكي بباليرمو، وعليه تتجمع ثلاثة اساليب انظمة تاريخ: التاريخ اللاتيني من ميلاد السيد المسيح ، والبيزنطي من اصل العالم الاسلامي الهجري. ان هذا الربط الايديولوجي والثقافي، الثابت بوثائق اخرى هي نقوش باللغات الثلاثة، يستمر طوال كامل العهد النورماندي.

    في احدى صالات المعرض الكبير نرى نماذج بلاستيكية ، تعود الى بدايات القرن الثاني عشر الميلادي ، لمشغولات فنية عربية فيها بما ندعوه بـ "الفن المهجن" والذي استمر حتى القرن الثامن عشر، ونجده اكثر صراحة في الفنين الاسباني والايطالي الجنوبي الشعبي، حتى بدا ذلك الطراز تعبيرا تلقائيا راسخا فيهما؛ والواقع ان الكتابة العربية وطرز الخط العربي استهوت الفنانين في عصر النهضة ايضا وانتقلت على سطوح اعمالهم الفنية الخالدة.

    الوجود العربي في صقلية الحاضر،ليس في البناء المعماري وحده وانما ايضا في مئات الكلمات العربية التي تطعم العامية الإيطالية الصقلية، في المقاهي المنتشرة في كل مكان، وهي تصخب بلعب الدومينو والدامة، وفي الآيات القرآنية المجيدة المخطوطة على أبواب وجدران جوامعها القديمة التي تحولت إلى كاتدرائيات وكنائس، وكذلك بالنساء والعجائز المحجبات بالزي الأسود، وبالأزياء الفلكلورية، والأسواق الشعبية، وبنظم الري والسقي، وحل الخلافات في مشاكل المياه والصرف التي مازالت في العديد من المناطق النائية تسير حسب النظم والقوانين التي شرعها العرب.

    وهكذا استطاع العرب ان يغذّوا اوروبا بانتاج مبتكر، وصناعات جديدة، وفنون كانت ومازالت موضع إكبار الاوروبيين ومثار إعجابهم. ففي الصناعة تجلت مهارة العرب واضحة في كثير من الصناعات، مثل صناعة النسيج والجلود والورق والخزف والزجاج. اما النسيج فقد نبغ العرب في صنع انواع مختلفة منه، واقبلت اوروبا في العصور الوسطى على المنسوجات العربية إقبالا يتجلى في اسماء الاقمشة العربية التي ما زال بعضها مستعملا حتى يومنا هذا. فقماش الفيستان منسوب الى الفسطاط، وقماش الدمسقي منسوب الى دمشق، وقماس الموسلين منسوب الى الموصل، وقماش جرينادين منسوب الى غرناطة، وقماش التابي منسوب الى محلة العتابية ببغداد، التي اشتهرت بصناعة هذا النوع من القماش ومنه انتقل الى صقلية واسبانيا وفرنسا وايطاليا. وقد حرف الايطاليون اسم بغداد الى Baldacco ثم اطلقوا هذا الاسم الاخير على  اقمشة الحرير الفاخرة المستوردة عن طريق العرب، كما اطلقوه على المظلة الحريرية التي كانت تعلق على المذبح في كثير من الكنائس، وصارت تسمى Baldacchino. وعندما وجد الاوروبيون في اواخر العصور الوسطى ومستهل الحديثة ان المنسوجات العربية  لاقت رواجا كبيرا في بلادهم وان الطلب اشتد عليها في الاسواق ادركوا الاهمية الاقتصادية لصناعة النسيج، وبدأوا ينافسون العرب في صناعتهم وتجارتهم.

    باستطاعة المرء مشاهدة العديد من الآثار العربية في العديد من المدن بصقلية، إلا ان ابرز الآثار المعمارية العربية التي شملتها الرعاية في الآونة الأخيرة هي مجموعة من القصور والقلاع التي تحولت إلى فنادق ودور سياحة وقصور خاصة. ومن الأماكن العربية التي يمكن مشاهدتها في الوقت الحاضر بقايا حمامات (جفلوذى) وبقايا الأبنية، والحمامات في القصر الملكي الذي يقع بالقرب من مدينة باليرمو والمعروفة بـ (البحر العذب)؛ إذ يلاحظ ان بناء هذه الحمامات وزخرفتها لا يختلفان على الإطلاق عن بناء وزخرفة الحمامات العربية في الأندلس وفى العراق على عهد العباسيين، حيث يمكن مشاهدة الخطوط الملتوية الخارجة عن المألوف وكتابات كوفية منمنمة مع زخارف عربية توريقية والتي فسرت على انها (حسن استخدام خطوط متلاقية متعانقة، ثم متجانسة متلامسة متهامسة) يستقيها الفنان العربي من الطبيعة، ثم يتظاهر الخيال المبدع والإحساس المرهف والحدس النافذ على اضفاء التناسب الهندسي على الشكل الزخرفي المتكون. اما الأثر المعماري الآخر المهم فهو قصر (الفوارة) الذي أكد المؤرخ الإيطالي ميخائيل آمارى، منصف العرب وحضارتهم، بان هذا القصر يعود إلى عهد الأمير  جعفر الكلبي الذي حكم ما بين 988- 1019م، ويشير اسم القصر الى أنه كان يحتوي على  نوافير تستمد مياهها من أحد الجبال المجاورة. ولاتزال واجهة القصر تحمل حتى يومنا هذا بعض التشكيلات المعمارية التي يطلق عليها تسمية (البواكي) وهو شكل شائع يتكرر في فن العمارة العربية.

    جزيرة صقلية : موسى الخميسي

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media