المرض بفلسطين !
    الأربعاء 9 يناير / كانون الثاني 2019 - 16:22
    هاني الحطاب
    كان يظن بأن في أمكان الناس أن يتعلموا  من التاريخ  ، غير أن أثبت لا أحد يبالي بدروس التاريخ فقاعاته فارغة من النظارة ، والمحاضر وافق على منصته في أنتظارهم ، لأن ، كما يقول هيجل  ، لا يوجد من يتعلم من التاريخ ، وحكمته في ذلك ، أن كل شىء جديد  تحت الشمس ، فتاريخ لا يعرف التكرار . فهناك روح تسري فيه وتتطور ، في طريق صاعد ، ولا تنظر إلى الخلف . ومن هنا ، يبدو عدم مبالاة  الناس العفوية في التاريخ ، لأن دروس تبدو لا تفيدهم بما هم فيه ، وما هم عازمون على تحقيقه . ولهذا نرى يكرون أخطأ الماضي ، ونأسف لم يحدث ، ونسخر من هذا الغباء ، في أنهم لم يتعظوا من دروس الماضي والتاريخ ، ولكن ذلك تبين  في حكم المستحيل ، من وجهة النظر أعلى ، لأن الناس ، كما يقولون ، مدفوعين بقوى غير منظور من خلفهم ، لا تدعهم يلتفتون للوراء   . ولو حاولنا هنا ، أن نرى ما يتكرر في هذا التاريخ ، من أخطأ ، تحدث مرراً ، لأن ليس صعب ولا متعذر على أن يرى ما يتكرر ، ويحدث مرراً دون أن  يكون في الإمكان  منع هذا التكرر ، لأنه ، كما يخبرنا ، فلاسفة التاريخ ، بأن التاريخ لا يعيد نفسه . وما نعنيه هنا بتكرار أخطأ الماضي ، هو مجرد التشابه ، مع احداث  آخرى وقعت بالسابق ، وليس التكرا الحرفي ، والتطابق التام . وهي ، من هذا المنظور لو كان ممكن الاستفادة من احداث الماضي  ، لكان في الإمكان تجنب ، ما يحدث حالياً .  وبما أننا أكثرنا ، ترديد هذا المصطلح ، التاريخ  ، لنسأل ، من ثم ، ما هو التاريخ أولاً ؟ بالطبع أن ما نقصد بالتاريخ هنا هو مجرى الأحداث التي تقع للبشر في كل أنحاء هذه المعمورة  ، التي عادة ما ينظر  الفلاسفة  لتلك الأحداث ، من زوايا مختلف ومتباينة ، ونحن لو اخذنا بالنظرة  التي تقول ، بأن لا شيء يحدث مرتين ، كما لا يقدر المرء أن يسبح في النهر مرتين كما يقول هيرقليطس ، لأن هناك مياه جديدة دائماً .  ونأخذ بهذه النظرة ،  لأنها ، تبدو لنا ، أكثر من غيرها ، تنطبق على ما نراه في هذا العالم ، من تكرار الأخطاء الماضي ، فلو كانت هناك ثمة دروس مستخلص من الأحداث لما حدث هذا التكرر والوقوع في الخطئ عدة مرات فيه . فلابد ، أذن أن تكون هناك ضرورة قاهرة تمنع ، من الأستفادة بحكمة الماضي  ، أي الاتعاظ من تجارب الماضي !  ولكن  ، ما الذي نقصد ، بعد  ، مما قيل   ،  ، وما هو المغزى من كلامنا هذا ! ، وخصوصاً أن  عنوانا مقالتنا هو فلسطين ، فما علاقة فلسطين في التاريخ ؟ حقيقة ، أن لا يمكن الحديث عن فلسطين بدون ذكر التاريخ ، فلسطين موغلة في القدم  ، ومرتبط بالتاريخ ، ولا تزال تنتظر من التاريخ حل !  فهي مشكلة تاريخية في أمتياز ، فهي لم تكن في يوم ما بعيد عن الصراعات التاريخية ، وذاكرة فلسطين مشحون بهذا التاريخ ، ولكن البعض ، حينما يحاول حل اشكالها ، ينسى هذا التاريخ ، وينظر لها على أنها مشكلة عصرية خالصة . وإذا كانت فلسطين مشكلة تاريخية ، فعلينا أن ناخذه التاريخ في الحسبان حينما نظر لها . وبما التاريخ ، كان في جوهر ، صراع وغلبه ، فمن وجهة النظر هذه ، خارطة العالم كانت دائماً في تغير وتبدل ، فالغالب ، بعد أن يؤسس ويقيم دولة ومملكة ، تراه ، بعد حين ينوح ويبكي ، على فقد تلك المملكة والأرض التي أسس عليها وأقام حكمة ، والتي كانت في السابق ملك آخرين سلبها منهم . ويعتبرها أرض مسلوبه ، ويقاتل  من أجل استردادها ، وهكذ ، لو عاين فلسطين من ذلك المنظور لرأينا تعاقب دول ، وأقوام عليها ، وكلهم يدعي حقه فيها وملكيته الخالصة له ، وأنك لتجد آخر الحاكمين هو أكثرهم أدعاء بأنه أولى بها دون سائر الآخرين  ، ولكن بأي حق يدعي ذلك ؟  فنراه ، لا يجد ، دليل سوى أنه آخر المالكين لها ، حتى وإن بطريقة غير مشروعة ، ويهمل من سبقه أليها  ! ففلسطين لم تكن في يوم ملك للأحد ، وهناك نظريات كثيرة عن الأقوام التي سكنتها وحكمتها . فهي دائماً لمن يحكمها ، فقد تعاقب على حكمها ، كما يخبرنا المؤرخون ، اليهود ، وأقوام سامية عديدة  . ولذا ليس من حق آخر من حكمهم سوى من العرب أو اليهود أن يدعي ملكيتها الصرفه  له . ومنذ العشرينات من القرن العشرين سيطر عليها اليهود وباتو يحكمون جزء كبير منها وتوسعوا فيها وبما حولها نتيجة الحروب المتعاقبة ، وهذه الحروب والانتصار أضفت في النهاية الشرعية على وجودهم ، بحسب منطق عالمنا الذي سار عليه حتى يومنا هذا ، ومن ثم يحق لنا أن نسأل باي حق يطالب الفلسطنيون بحقهم فيها وهم مجردين من القوة وخسروا هم والعرب حروب فيها ! وبما إن نريد نعالج هذا الموضوع من وجهة نظر فلسفية وليس من وجهة نظر تاريخية  ، والتي ، لا  تقر بالعدل والحق المجرد ، وتنظر للأشياء من وجهة نظر القوة ، التي  هي وحدها من لها في النهاية كلمة  الفصل في الموضوع وشرعية من يحق لها ملكيتها ، فالأقوايا ، هم من يصنعون القوانين  ، كما يقول ، أحد شخصيات أفلاطون بجمهوريته  ، وعلينا أن نبعد العواطف السياسية والتحيزات ونظر بتجرد ، ومن منظور عصرنا ، الذي  ، يحتكم للقوة وأملائتها . لقد أضحت  اسرائيل في فترتنا دولة عظمى ، ودولة قوية ، والعرب من ناحية يتضائلون وينحسرون عن مجرى التاريخ. فهل هي المكابر والعناد والغايات السياسية الضيقة لبعض الفئات  التي تمنع الاعتراف في اسرائيل واقامت العلاقات معها ، مادام أسست شرعية وجودها على القوة ، فيما أصبح العرب والفلسطينين يناشدون الضمير الاخلاقي للعالم أن ينصفهم ، ويرد لهم أرضهم التي يدعون ملكيتها  ، حسب تعبير نيتشة ، بأن الضعفاء ، حينما يخسروا المعركة أمام الأقوياء يلجون إلى القيم الاخلاقية لابتزاز  الأقوياء ! أما تراهم يبقون على عناد في أنتظر غير مجدي لتبدل الأحوال وتحول في ميزان القوى  لصالحهم في مستقبل مجهول ، قد لا يحدث ، ولا يحدث ، لكونه ، معارض لكل منطق الأحداث والتوقعات ! ما نريد أن نقوله ، أنه ، آن الآون للعرب والفلسطينين أن يقروا في الواقع ، ويعملوا وفق شروطه . فعالم اليوم لم يختلف كثيراً عن عالم الأمس ، في نظرته إلى الأشياء ، فالقوي دائماً على حق . وإسرائيل لم تعد ما كانت عليه من قبل ، والعرب ، بجزء الكبير منهم ، والمسلمين لم يعدو ينظروا لها بالمنظار السابق . فالعرب أكثرهم له علاقات معها ، البعض علناً ، مصر  ، قطر البحرين السعودية ، المغرب ، وغيره ، أما الدول الإسلامية ،  وخصوصاً ، تركيا  ، وأيران   ، فتركيا ، لها علاقة جيدة ، رغم فترات الزعل بينهم ، أما أيران ، فهي تتجار بهذه ، العلاقة وتستخدمها الأغراض  سياسية مؤقته ولن تخوض الحرب مع اسرائيل أبداً . ما الآخرين من الدول الإسلامية  ، يقفون الآن على الحياد ينتظرون ما تسفر عنه الأحداث . وهذا كل يدل ، على أن العالم بات يقر بحق اسزائيل بالوجود ، وشرعية التعامل معها ، الذي كان موضع إنكار ورفض في الماضي  . هذه هي ما تسفر عنه القرأة الموضوعية وليس العاطفية ، والتي تغمض عينها عن كل ما حدث وتطور فيما يخص تلك القضية . وقامت علاقة مع اسرائيل ، لا تعني بأي حال ، الرضوخ لها وإلى أحلامها ، أو ما يصوره البعض ، من أنه يعني السير في ركبها ونهاية عصر السيادة والوقوع بين براثن الصهيونية ،  وإنما وضع حد إلى الأستنزاف ،  إلى القدرات الوطنية في سبيل هدف بات مستحيل . فلم يجني أحد شيء من العداء للأسرائيل منذ وجدت . بل أن هذه العلاقة ، إذا تحققت ، ونبذ حالة العداء ، قد تخدم العرب والفلسطينين بشكل مفيد أكثر ، فلقد أصبح تتعايش الفلسطينين والاسرائلين  ممكن ومفيد للطرفين ، بعد نبذ العنف وحل التفاهم محله ، مادام لا العرب ولا الفلسطينين قادرين  فرض حل على عليها . فاسرائيل بات قوى كبرى مدمرة ، لو حدث نزاع بينها وبين أي دولة في المنطقة ، فمصر وهي أكبر دولة عربية تأخذها في الأحضان ، وكل الخليج حليف لها في تدمير سوريا ، ويعمل الكل على جعل العراق الدولة الوحيد التي تعادي أسرائيل ، لكي ينظر له بنفس المنظار إلى أيران . فمشكلة أسرائيل مع الدول العربية حلت تماماً ، ولم تبق سوى لمسات لتصبح علنية وصداقة عميقة . فالقضية الفلسطينية كانت في السابق قضية عربية ، ولكن نتيجة التطورات والتغير في أوضاع الكل ، بات قضية فلسطينية وقضية الامم المتحدة ، فالعرب قد أختفوا عن المسرح السياسي ، وتحولوا إلى دول متحاربة ، ولا يجمعهم جامع . وأعجز  من أن يقدموا مساعدة في حل هذهالمشكلة ،  وفق ما يريده بعض المتطرفين الفلسطينين الذين يراهنون على الكل أو لا شيء . وفي النهاية ، قد يشم مما قلناه ، تعبير عن روح التخاذل ، وتجاوز على الثوابت ، غير أن ليس كل تفكير في ما قر في الاذهان وعد من الثوابت ، هو جزء من روح التخاذل وتجاوز على الثوابت ، فالحياة ، في  منعطفاتها ، تفرض على المرء  والشعوب أن يعيد التفكير بما لديه من أفكار وثوابت ليرى مدى ملائمتها لما اصاب العالم من تغير ، فكل الأشياء في خدمة الحياة ، أما النظريات والثوابت فسرعان ما تشيخ وتغدو عقب في طريق الاستمرار ، فالنقد الدائم والمستمر هو ما يجعل المرء والشعوب فعالة وملائم للحياة ، أما أولئك الذين  لا يتغيرو ويرفضون النظر بثابتهم ، عن تحجر وضيق أفق ، فهم يساهمون عن وعي أو غير وعي في تفاقم المشكلة والوصول لطريق مسدود . ففلسطين ما عادت هي القضية الأولى في الأهتمام ، فهاهي سوريا والعراق ، ودول عربية مهدد في الانقراض ، فالخريطة توشك أن ترسم من جديد ، وتغدو فيها فلسطين نقطة وذكرى ، فهل بعد هذا ثمة وعي للحفاظ على ما تبق قبل ضياع الكل ! فالكل  الشعوب في حياتها هزائم وانتصارات ، وعليها أن تقر بالهزيمة مثلما تفرح بالانتصار ، وفلسطين كانت معركة خاسرة وهزيمة ، يجب الإقرار بها وتجاوزها ، وتركيز على ما يهدد ما بقى في اليد ، فذلك ما يقول به العقل والمنطق وليس الرضوخ للعواطف المستحوذ عليه وتعمي بصيرته . 

                                               هاني الحطاب 
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media