الكتاب والسلوك!!
    السبت 12 يناير / كانون الثاني 2019 - 06:59
    د. صادق السامرائي
    ذات مرة كنت مدعوا على مائدة الغداء من قبل أخ لصديقي ولم أكن أعرفه كثيرا , لكني لبيت الدعوة وحضرت مع صديقي وبعض المدعوين , وقد جذب إنتباهي وجود مكتبة في غرفة الإستقبال خلف المائدة التي جلسنا حولها , وفيها عدد من الكتب التراثية التي كنت قد قرأت بعضها , فوجدتها فرصة للحديث عنها مع أخ صديقي , فبدأت الحوار لكنه تسمر أمامي صامتا وما نبس بكلمة سوى الدهشة وبعض الإبتسام , وإحترت في الأمر وأخذت أرخي عنان كلامي عن الكتب التي في مكتبته , وبعدها ندسني صديقي , فتحولنا في حديثنا عن الطعام وغيره من الأمور العادية البائسة , وعندما غادرنا قال لي صديقي: ألححت عليه في حوارك , وكان علي أن أخبرك بأنه لا يقرأ الكتب وإنما يضعها للزينة , أو أنها جزء من ديكور المنزل!!
    قلت: لا يقرؤها؟
    قال: نعم , إنها الموضة الجديدة!!
    بقي هذا الموقف عالقا في ذهني على مر السنوات , وصرت أحذر أن أناقش الذين أزورهم عن الكتب التي قد أراها في غرفة الإستقبال أو المكتبة الصغيرة في بيوتهم , وكنت أتعجب وأستهجن ظاهرة جمع الكتاب وتخزينه دون قراءة.
    ومرت السنون وتبدلت الأحوال ووجدتني في بلاد غريبة , ذات علاقة مع الكتاب عجيبة , وهوس بالقراءة لم أعهده في حياتي , حتى توهمت بأن الحيوانات أيضا تقرأ!!
    ففي المجتمعات الغربية تجد الكتاب رفيقا وسميرا وجليسا , وما أن تدخل منزلا حتى تجد عدد من الكتب على الطاولة , وفيها دلالات على أنها تحت القراءة أو قد تم قراءتها , ويدور الحديث عما فيها من أفكار وعن كاتبها وأسلوبه وغير ذلك مما يتصل بالكتاب.
    ولو فتشت حقائب النساء في المجتمعات المتقدمة لوجدتها تحوي على كتاب أو أكثر , وكلما تقدم العمر إزداد عددد الكتب في حقائبهن.
    وفي الصين واليابان الناس تقرأ بنهم شديد في معظم الأماكن العامة ومحطات الإنتظار ووسائط النقل العامة , فالمجتمعات مدمنة على القراءة , ولديها جوع شديد للكتاب.
    أما في مجتمعاتنا فمن الصعب أن تجد مَن يقرأ , أو يحمل كتابا معه في حقيبته , فالقراءة مضيعة للوقت والجهد حسب المفهوم السائد.
    وأعود للموقف الذي إفتتحت به المقالة , وربما تتساءلون لماذا ذكرته , والجواب , أن البحوث أخذت تؤكد على أن وجود الكتاب في البيت يؤثر على السلوك , فالبيت الذي فيه مكتبة أو عدد من الكتب يتمتع الساكنون فيه بدرجة من الذكاء , فالكتاب يؤثر على سلوكهم ويساهم في وعيهم ويجذبهم إليه , وسيقرؤونه حتما , ولا يمكنهم تصور أن والدهم أو والدتهم قد وضعته في المكتبة للزينة , فالوعي البشري العام يرى أن الكتاب للقراءة وليس للديكور.
    ولهذا بعد عقود وعقود تبين لي خطأ تصوري وإستهجاني للذين يجمعون الكتب في بيوتهم ولا يقرؤونها , فحتى تجميع الكتب له تأثير إيجابي على نماء العقول والنفوس والأرواح في العائلة التي يترعرع فيها الأبناء والبنات في ظلال الكتب!!
    قال لي أحد الأصدقاء : "تركتُ مكتبتي عند أقاربي وبعد سنين تبين لي تأثيرها الإيجابي على الذين نشؤوا في البيت , وأن بعضهم قد إلتهم معظمها وبلغ درجة من القدرة الثقافية والفكرية التي تستحق الإعجاب , فكان للمكتبة أثر محمود على العائلة".
    وعليه فأن إقتناء الكتب عادة علينا أن ننميها ونغرسها في الأجيال , لأن الأمم الكتبُ ما قرأت!!

    د-صادق السامرائي
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media