شيء من اللغة.. الأمل بين الآمل والمأمول والمتأمّل
    السبت 12 يناير / كانون الثاني 2019 - 07:13
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    تحدثنا في حلقة سابقة عن معنى التمني.. وقد طلب أصدقاء أفاضل إعادة الحديث عن الأمل فليكن موضوع حديثنا اليوم.
    وتعال ننظر في هذه الجملة المنتشرة:
    * نأمل أن نرى في المستقبل جهودا كبيرة في هذا المجال.
    ما الأمل؟ من أين جاء؟
    قد تتخيل أن الأمل هو الرجاء أو هو التمني، على ما يحدثك به بعض الكاتبين.
    كلا.. الأمل غيرهما.
    وتعال معي..
    الأميل: مرتفع من الرمل معتزل عما حوله. حدّه بعض اللغويين القدماء بمساحة معينة، ورفض آخرون تحديد مساحته.
    وفيه قال راجز يصف راحلته بالسرعة:
    (كالبرق يجتاز أميلا أعْرفا)
    أي يقطع الأميل المرتفع بسرعة.
    وكان الراحلون في غياهب الصحراء يتخذون (الأميل) موضع استراحتهم من وعثاء سفرهم وعنائه، وورد في أشعارهم كقول الفرزدق
    (وهمُ على هَدَب الأميلِ تداركوا نَعَسا.....)
    أي تداركوا نعاسهم على طرفه.
    هذا المعنى هو الأساس فيما تطور إليه لفظ الأمل من معانٍ.
    فلننتقل بخيالنا إلى الصحراء، إلى قافلة تسير في وهج الشمس وحرارتها، تتطلع إلى ما يمكن أن تستريح في ظله من ذلك الوهج، أو على سطحه إن آذن النهار بانصرام وانقضاء، فلطف الجو، وطاب النسيم.
    هذا (التطلع) نحو (الأميل) هو (التأمّل) ومن (التأمّل) جاء (الأمل).
    التأمّل يقترب من معنى التطلع والتفكّر. أنت تتأمل في هذه اللوحة، أي: تتطلع إليها وتفكّر فيها بإمعان. وبطبيعة اللغة العربية فإن قولك (تتأمل في هذه اللوحة) أمعن في التطلع والتفكر من قولك (تتأمّل اللوحة). وذاك هو دور الحرف (في) هنا.
    لماذا أنت (تتأمل) اللوحة أو فيها؟ لأن لديك، في وعيك أو لا وعيك، (أملا) في أن ترى ميزاتها، أو تشخص عيوبها.
    تطلعك في اللوحة مثل تطلع الشاعر القديم يدعو أصحابه لإمعان النظر عساهم يرون قافلة أحبابه الراحلين من ديارهم، كما في قول زهير:
    (تأمّل خليلي هل ترى من ظعائن
    تحملن بالعلياء من فوق جُرثُمِ)
    يدعو صاحبه ليمدّ بصره بتثبت وإمعان ليرى تلك القافلة.
    هذا التأمل ينتج عن (الأمل) ويؤدي إليه في الوقت نفسه.
    وكان لأحد الشعراء صاحب (يركب رأسه) في حداثته وصباه، لا يتفكّر في الأمور، ولا يتأمّل بها، ثم هدأ وتأنّى وارعوى عن لجاجته، فقال له:
    تأمَّلْ ما تقولُ وكنتَ قِدْمًا
    قُطاميّاً تأمّله قليلُ)
    والقطامي نسبة إلى قوم.
    وانظر إلى استعمال التنزيل العزيز للفظة الأمل: (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويُلهِهِمُ الأملُ)(الحجر 3) وكذلك (والباقياتُ الصالحات خير عند ربّك ثوابا وخيرٌ أمَلا)(الكهف 46) فماذا ترى فيهما؟
    القوم في الأولى مشغولون بالأكل والتمتع، ولديهم (أمل) يتوقعون حدوثه سريعا معجلا لا بطيئا مؤجلا.
    والباقيات الصالحات في الثانية لها ثوابها السريع وخيرها الذي ينال القوم عاجلا (في الدنيا) وآجلا (في الآخرة). والآخرة حتى لو كانت (بعيدة) فهي بحكم آيات القرآن قريبة جدا.
    ولا شك في أن القوافل في الصحراء حين تتطلع إلى (الأميل) فإنها تتوقع ظهوره سريعا، كي تصل إليه وتنتهي معاناتها. فيلتقي هذا المعنى بدلالة الآيتين المذكورتين: التطلع، والوصول السريع إلى ما (يأملُه) المرء أو القوم. فالدلالة تنتقل من (المادي) إلى (المعنوي).
    لذا فإن قولك (نأمل أن نرى في المستقبل جهودا كبيرة في هذا المجال) يعني ترقب حصول تلك الجهود بأسرع وقت ممكن. وفي هذه الحالة لا نرى مسوغا للقول (في المستقبل) لأن المستقبل واسع وغير محدد. مما يناقض الأمل الذي يدل على سرعة حصول الأمر (المأمول). وحذفها أبلغ بناء على (خير الكلام ما قلّ ودلّ).
    وما أجمل قول الشاعر:
    (أعلّل النفس بالآمال أرقبها
    ما أضيقَ العيش لولا فسحة الأملِ)
    فهو يخدّر نفسه بالأمل، وبقرب انتهاء معاناته. وكأنه ذلك المسافر الذي يروم الوصول إلى ذلك المرتفع من الرمال يقيل في ظله هربا من لفح الشمس، أو يتمدد على سطحه حين يطيب نسيم المساء. وبذاك يتحمل قساوة الحياة وضيقها.
    في حلقة لاحقة نتحدث عن التمني.. قل: إن شاء الله.
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media