الكوزمولوجيا الفضائية غير البشرية.. الأوميين* نموذجاً – 4 -
    الأحد 13 يناير / كانون الثاني 2019 - 22:32
    د. جواد بشارة
    ميتافيزياء الأوميين علم من أصعب العلوم  وأعقدها، وهو غير الميتافيزيقيا البشرية ذات المضامين الدينية الثيولوجية . فتعريف هذه الأخيرة عند البشر هو " مابعد الطبيعة"  بينما عند الأوميين فإن مفهوم " الميتافيزياء" يعني " ما فوق الفيزياء" أو الفيزياء التي لم تخضع بعد للاختبار التجريبي والمختبري لكنها علم من العلوم التي تدرس في الجامعات عندهم. ويمكننا أن نقرب الفكرة  ونعتبر ، على سبيل المثال" إن نظرية " الأوتار الفائقة" نوعاً من أنواع الميتافيزياء البشرية. علم الكونيات البشرية مؤطر بين النسبية العامة لآينشتين وفيزياء الكموم أو الكوانتوم، بين اللامتناهي في الكبر واللامتناهي في الصغر. بين الميكروسكوبيك والماكروسكوبيك، ولكن كيف يمكننا أن نتحدث عن طبيعة تحتمجهرية أو ما دون الذرية للفضاء أو المكان أو للزمكان؟ ولكن هناك دائماً حدود للمادة تحدد بـ " طول بلانك" و " زمن بلانك" اللذان يعتبران أصغر وحدات قياسية للمادة التي يعرفها البشر. فهناك في الكون المرئي جسيمات عديمة الحجم في حين أن للأوتار ، وهي أصغر الوحدات النظرية الافتراضية في فيزياء الجسيمات، أحجاماً متنوعة وهناك جسيمات بدون كتل وجسيمات ذوات كتل، وهناك جسيمات " رسل" أو حاملة للكتلة كالبوزونات الخ... فما أن نصل إلى مقياس أو إطار أدنى من " بلانك" مكانياً وزمانياً ، حتى تتوقف قوانين الفيزياء ولن تعد صالحة أو قابلة للتطبيق، وهذا هو مجال الميتافيزياء. بعبارة أخرى يصل مفهوم المكان والزمن أو الزمكان في اللامتناهي في الصغر وبحدة إلى نهاية مادية معلومة هي " أبعاد بلانك" فلا يوجد شيء أصغر وأقصر من مكان وزمن بلانك أو ما هو أكبر من كتلة بلانك في الفيزياء العادية . بعض العلماء اقترح ، في إطار" الميتافيزياء" البشرية إحتمال ألا يفقد المكان والزمن معنيهما في المستويات دون المجهرية أو دون الذرية وبالذات فيما يتعدى أبعاد " بلانك" الزمكانية بل يتحولان إلى مفاهيم مجردة أكثر جوهرية عندها لن يكون محظوراً التفكير بإمكانية " ولو من الناحية النظرية " ، بإمكانية الولوج إلى ما هو أصغر مكانياً وأقل زمانياً من حدود " بلانك " القصوى كل ما في الأمر ينطوي ذلك على سعي العلماء للتعرف على " المفاهيم" الأكثر جوهرية التي " يتحول إليها الفضاء أو المكان والزمن عند الحدود التي تتجاوز إطار أو مستويات "بلانك" . وتعميق المعرفة في فهم وإدراك واستيعاب التركيبة الكمومية أو الكوانتية للمادة والقوى الأخرى الجوهرية ما عدا الجاذبية أو الثقالة ، أي ما يتجاوز " النموج المعياري لفيزياء الجسيمات الأولية. وينتظر العلماء بشغف اكتشاف جسيمات ومكونات أصغر من الكواركات، بل وأصغر حتى من الأوتار واكتشاف الجسيم الأولي الحامل للجاذبية وهو " الغرافيتون". والحال أن الميتافيزياء تبحث في :" لماذا تحمل الجسيمات الأولية ، المكتشفة والخفية التي لم تكتشف بعد، تلك الخواص أو الخصائص والسمات التي تسمح بحصول التفاعلات  والعمليات النووية ومادون النووية مما سمح بتشكل الكواكب والنجوم والمجرات والحياة؟.
    ويدرس علماء  نظرية الأوتار الفائقة، بطريقة الميتافيزياء، نمط وتغير وتنوع الاهتزازات والفتلات أو الدورانات الذاتية المغزلية الــ  spin والذبذبات التي تقوم بها الأوتار لخلق جسيمات أولية في حين أنهم لم يروها أو يلموسها  وإنما فقط من خلال الحسابات والمعادلات الرياضياتية. ويأمل علماء نظرية الأوتار الفائقة أن تصل نظريتهم إلى أبعد من الخطوط العريضة لخواص الكون المرئي وتفسرها بالتفصيل واكتشاف الأبعاد المكانية الأخرى العشرة زائد بعد الزمان لتصبح أحد عشر بعداً وهم لايعرفون منها سوى ثلاثة أبعاد مكانية في الفيزياء العادية وهي الطول والعرض والارتفاع إلى جانب البعد الرابع الزمن، وهذه هي الميتافيزياء بعينها. 
    إن ميتافيزياء الأوميين تتعامل مع علوم أخرى متعددة غير الفيزياء  وعلم الكون ، مثلما هو حال الميتافيزيقيا البشرية التي قادت إلى صراع بين العلم والدين، وإن الأديان تستند إلى خاصية الإيمان والاعتقاد وتصديق النصوص المنزلة حتى لو تضمنت تناقضات أو معلومات منافية للعقل والعلم وقوانين الطبيعة لا لشيء إلا لأنهم يعتقدون أن مصدرها رباني إلهي، في حين تقوم العلوم التجريبية بعرض الأدلة العلمية والبراهين المختبرية لذلك لايرتاح رجال الدين والمؤسسات الدينية التقليدية عندما يطالبون بتقديم الأدلة والبراهين على صحة ما جاء في نصوصهم المقدسة، فعندما اعترض  عليهم جيوردانو برونو أحرقوه حياً لأنه تجرأ على تحدي الكنيسة الكاثوليكية ومحاكم التفتيش. فللعلم  مجال هو مجال المعرفة القابل للطعن والمراجعة  وللدين مجال هو الإيمان والاعتقاد بلا نقاش. من هنا أبعدت الميتافيزيقيا عن حقول ومجالات وأطر البحث العلمي لأن الميتافيزيقيا البشرية تتضمن كل شيء غث وسمين من معجزات وأرواح وأشباح وارتفاعات في الهواء والسير على الماء وخرق قوانين الطبيعة والتخاطر والطاولات الدائرية لاستحضار الأرواح والآلهة  والله  والشياطين والجحيم والفردوس ويوم القيامة والعقاب والثواب ، وبالتالي بات مفهوماً أن العلم العقلاني  والمادي لا يمكن أن يلوث يديه بمثل هذه الخرافات والخزعبلات. ولكن الرفض المطلق لكل هذا العالم الغريب ليس موقفاً علمياً . ولنبدأ من تعريف البشر للميتافيزيقيا التي هي " كل ما هو " ما وراء الفيزياء أو ما بعد الطبيعة au-delà du physique والحال إن العلم لا يدرس إلا ماهو مرئي مرصود وملموس وقابل للقياس والحساب ، أي كل ما هو فيزيائي. الأمر يختلف عند الأوميين بما لديهم من أجهزة وتقنيات متطورة جداً وعلم متقدم أقدم منا بخمسة مليون سنة، سمحت لهم في سبر أغوار  عوالم تقع في نطاق الميتافيزيقيا عند البشر لكنها تقع في نطاق الميتافيزياء عندهم ، أي هي علم من العلوم.  فليس كل ما هو ليس بمادي غير موجود بالضرورة بل يجب أن يخضع لبحث وتقصي واستكشاف معمق كمجال النفس والروح والوعي واللاوعي والذكاء وآلية التفاعلات  الدماغية ومفاهيم كالقدر والجبر وحرية الاختيار libre arbitre الخ.. فالإنسان، بكل مكوناته، هو آلة معقدة جداً ومتقنة الصنع و لايمكن تجاهل هذه الحقيقة ، إلا أن البشر ينفقون بسخاء في مجال الأبحاث والتجارب لصنع أسلحة فتاكة ومدمرة ولا ينفقون أي شيء لدراسة الروح البشرية علمياً.
    لقد اكتشف الأوميون أن الكون المرئي مكون من عدة مكونات منها المادة والطاقة، المرئية منها والسوداء أو المظلمة ومن المادة المضادة ومن مادة أخرى يجهلها البشر ويسمونها الروح أو النفس. فهناك روح جمعية منتشرة في كافة أرجاء الكون المرئي ومكونة من جسيمات أولية " روحية" غير مرئية تتمتع بمزايا خاصة، وكل جسيم منها يتفاعل مع الغلاف المادي لأي جسد أو كائن حي، وهي لاتموت كما تموت المادة بل ترجع للاندماج بالروح الكلية أو الجمعية عندما يموت الجسد المادي . وبالتالي  أخرج الأوميون  مفهوم الروح من دهاليز الدين والثيولوجيا الغيبية وأدخلوه في رحاب العلم والتجارب العلمية وعالم المعرفة.  
     فليس كل ما يتعدى الفيزياء هو بالضرورة يتعدى العلم. لقد تمكن الأوميون من إجراء المصالحة بين الفيزياء والميتافيزياء وتغلغلوا علمياً داخل المناطق الممنوعة وعثروا مختبرياً على عدد من الكيانات الميتافيزيائية  كجسيمات الروح الجمعية، ما أتاح لهم تحديد وظيفة ودور الإنسان في الكون المرئي ،  والمقصود هنا الإنسان في كل مكان في الكون المرئي وليس فقط على الأرض ، فهناك أكثر من 20 مليار كوكب مأهول قابل للسكن ولنشوء الحياة فوقه بدرجات متفاوتة من التطور في مجرتنا درب التبانة وحدها حسب آخر إحصاءات وتقديرات العلماء في نهاية عام 2016، وهناك بالتأكيد مليارات المليارات من الكواكب في باقي المجرات في الكون المرئي، فالعلم صار يتقبل ويؤمن بفكرة وجود حياة خارج الأرض في الفضاء الخارجي وتجرى التجارب والمحاولات حثيثاً للعثور على آثر لحياة ما سواء في نظامنا الشمسي أم خارجه على كواكب أخرى. 

    يتبع 

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media