عمر الكون ومعضلة الزمن 2
    السبت 19 يناير / كانون الثاني 2019 - 04:42
    د. جواد بشارة
    هناك مقولة مكسيكية قديمة تقول :" إن الزمن هو أداة الله  لمنع حدوث الظواهر في آن واحد" ماهو الزمن؟ هل هو مجرد مفهوم معنوي مرتبط بسيكولوجية الإنسان ورؤيته؟ هل هو كينونة مادية حقيقية موجودة تعتبر جزءاً من نسيج الكون؟ ماهي علاقته بالمكان أو الفضاء؟ هل يمكن للزمن أن يتحول إلى مكان وبالعكس؟ هل هما مرتبطان على نحو عضوي لا ينفصم كما قال آينشتين ودمجهما في تسمية واحدة هي الزمكان؟ هل هو موجود قبل إنبثاق الكون المرئي وظهوره، أي أزلي وأبدي، أم محدود المدة وله بداية ونهاية مرتبطة ببداية الكون المرئي ونهايته؟ 
    كل شيء في الكون  مرتبط بما يسمى " الظروف الأولية الأساسية  البدئية " التي تحكمت بعملية انبثاق وظهور الكون المرئي منذ لحظة الإنفجار العظيم بالنسبة للكون المرئي، وهي تشكل أحد أهم المعضلات والمشاكل والتحديات التي يواجهها علماء الفيزياء والكونيات. إن معرفة تلك " الظروف الأولية البدئية  الأساسية les conditions initiales أمر في غاية الأهمية في علم الكوسمولوجيا ــ الذي يدرس تركيبة وبنية وهيكيلية وهندسة وشكل وتطور الكون المرئي باعتباره كل لايتجزأ. فبدون إمتلاك المعلومة الحقيقية سيبقى فهمنا للكون المرئي ناقصاً . وتركز كافة النظريات الفيزيائية على هذه الناحية لمعرفة أصل وبداية الكون مكانياً وزمانياً . وفي نفس الوقت إن ما يميز تلك الظروف الأولية البدئية الأساسية أو التأسيسية" الكونية هو أنها تؤدي إلى نشوء  تبعات وتداعيات ميتافيزيقية  ماورائية أو غيبية ، فلو كانت مثل تلك الشروط  الأولية موجودة بالفعل لتشرح لنا تطور الكون، فإنهها ستثير عدد من الأسئلة الجوهرية من قبيل من الذي أوجدها بهذه الدقة المتناهية هي وثوابتها  وقيمها اللوغارتمية؟، ولماذا جاءت بتلك الصيغة وليس بغيرها؟ فهي تحدد تطور الكون في حركته التي قادته إلى ما هو عليه في الوقت الحاضر. كما تحدد بالإجمال  بنية الكون في أبعاده على أكبر نطاق ــ في اللامتناهي في الكبر ــ كما تساهم في تحديد حجمه  وشكله  ودرجة حرارته ومكوناته ، ما يعني أنها هي التي تقف وراء ما بات عليه الكون المرئي في الحاضر كما هو مرصود ومنظور ومرئي، وما علينا سوى العثور على طبيعتها وماهيتها، ولكن المهمة ليست سهلة إن لم نقل شبه مستحيلة في الوقت الحاضر، لأنها وجدت قبل أكثر من 10 مليار سنة عندما كان الكون المرئي بمثابة مختبر كوني  هائل للفيزياء بطاقات لامحدودة. وإن أخذها بالحسبان يولد توافقاً وتلاقي بين الكوسمولوجيا  ومفاهيمنا عن البنية القصوى للجسيمات الأولية المكونة للكون المرئي. فمسألة طبيعة وماهية تلك الظروف أو الشروط الأولية التأسيسية البدئية  والحالة الراهنة للكون المرئي متشابكة لايمكن الفصل بينها وهي التي تتعاطى مع الوضع الحاضر للفيزياء الجوهرية la physique  fondamentale  .
    عندما اكتشف هابل في عشرينات القرن الماضي أن الكون المرئي في حالة توسع شامل اضطر العلماء ، ومن بينهم آينشتين نفسه ، إلى قبول فكرة أن للكون المرئي بداية . إن حقيقة التوسع لايمكن أن تمتد إلى ما لا نهاية في الماضي. وبالتالي سوف نجد أنفسنا أمام فكرة  أن الكون في لحظة ما في ماضيه السحيق كان ذو كثافة لانهاية  ومادته كلها مضغوطة في حجم  شبه معدوم ــ في اللامتناهي في الصغرــ  وهو ما أطلق عليه  حدث " البغ بانغ أو الإنفجار العظيم" . وفي ستينات القرن الماضي تعزز هذا الطرح  النظري باكتشاف حقل أو مجال للإشعاع الحراري  الذي برد مع استمرار التوسع وغدا آثراً للحالة الساخنة جداً للمرحلة البدئية للكون المرئي. جاءت نظرية النسبية العامة لآينشتين منذ العام 1915 لتؤكد التنبؤءات المفصلة عن الحالة البدئية الأولية للكون المرئي التي افترضتها نظرية الإنفجار العظيم عندما لم يتجاوز عمر الكون  بضعة ثواني. ومن ثم تبنى علماء الكونيات الكوسمولوجيين حقيقة الكون المرئي منذ الثانية الأولى لوجوده لغاية الوقت الحاضر بعد مرور 13.8 مليار سنة ضوئية هي عمر الكون المرئي التقديري أو الافتراضي. لكن ذلك لا يعني أننا فهمنا ماحدث في الماضي الكوني، فنحن لانعرف سيرورة نشوء المادة وتحولاتها وتشكيلها للمجرات والسدم والحشود المجرية  والنجوم والغازات والأغبرة أو السحب الكونية ، فبعد ثانية من بداية ظهور الكون للوجود وجد العلماء الذين يدرسون تلك الحقبة أنفسهم على أرضية متموجة  كالرمال المتحركة، فهم لايمتلكون سوى " الخلفية الإشعاعية الميكروية الأحفورية المنتشرة للكون" كمصدر للدراسة والتحليل للطيف الضوئي القادم من الماضي السحيق للكون لتخمين ما كان يوجد بالفعل آنذاك، و ليعيدوا صياغة تاريخه. ولمعرفة ذلك يتعين معرفة سلوك المادة والجسيمات الأولية المكونة لها في الطاقات العليا القصوى وهو الأمر الذي لا تسعفنا فيه التقانة أو التكنولوجيا البشرية الحالية لتحقيقه. تجدر الإشارة إلى أن نظرية الإنفجار العظيم لا تتضمن ولا تدلنا حقاً على بداية للكون المرئي فيمكن أن يكون توسعه أبدياً وأزلياً مع متوسط سرعة ثابت . ويمكن لنظرية موحدة شاملة أن تقترح لنا كوناً بدون بداية في الزمن ويتوافق توسعه وامتداده مع نظرية الكون الساكن والثابت  لأن التوسع سيكون محلياً وليس شاملاً . ومع ذلك لاتقدم مثل هذه النظرية أجوبة لعدد آخر من الألغاز والظواهر التي لم يجر تفسيرها لحد الآن مثل سرعة التوسع والتسارع والتضخم  والخلل في التوازن بين المادة والمادة المضادة وأصل المجرات الخ .. 
    إن هذه اللاتكاملية  المنطقية توسم كل النظريات والنماذج الكونية التي تصف كوناً لانهائي القدم  حتى لو لم توجد لحظة بدئية تأسيسية أساسية بالمفهوم الزمني. ففي كون لانهائي في قدمه فإن الظروف الأولية البدئية يجب أن تتحقق في ماضي زمني لانهائي أيضاً. ولقد حاول الفلاسفة القدماء ورجال الدين  والثيولوجيين  أن يحلوا هذه المعضلة بخصوص القدم اللانهائي للكون وتوصلوا إلى لامعقولية التفكير بزمن لانهائي في القدم، فهذه الصفة لا تنطبق إلا على الله الخالق للكون، وهي نفس المسألة التي يتذرع بها العلمانيون فيما يخص لانهائية أو أزلية وأبدية الله ، خاصة بعد أن وثب الثيولوجيون ورجال المؤسسات الدينية على مفهوم الانفجار العظيم ليجيروه إلى جانبهم ، وفرحوا بمسلمة أن لا بد من بداية للكون المرئي في مسار الزمن وبالتالي ضرورة وجود خالق  لهذا الكون الذي حدد بدايته بأية طريقة كانت. وحجتهم أن لكل شيء سبب لوجوده وفق مبدأ السببية والعلة والمعلول وبالتالي فإن للكون سبب وعلة لوجوده ولا بد من موجد له هو الذي يعرف سبب وجوده وغايته. ولهذا  ظهرت مدارس كوسمولوجية  تحدثت بعدم ضرورة معرفة  الظروف الأولية البدئية الأساسية أو التأسيسية وأنها قد لا تكون موجودة أو لا تلعب دوراً أساسياً وجوهرياً في نشأة وتطور الكون المرئي لكنهم لم يفلحوا في فرض نظرياتهم في الوسط العلمي الذي ظل متمسكاً بأهمية الشروط التأسيسية الأولية البدئية للكون المرئي وتأثيرها الجوهري على مسيرة وتطور وتاريخ الكون وتركيبته.  إلى أن اقترح أحد العلماء حلاً سحرياً  وهو آلان غوث Alan Guth  بخصوص سرعة التوسع  والتمدد الكوني ، تمثل بفكرة " التضخم الكوني الهائل والمفاجيء  Inflation" الذي يقلل من أهمية الظروف والشروط الأساسية الأولية بدون القلق من الإنتاج الهائل للحرارة. سميت هذه النظرية بالكون التضخمي Univers inflationnaire.
    من هنا نشأ مفهوم " الثقالة الجاذبة التي تحدث عنها نيوتن وآينشتين ، والثقالة النابذة أو الطاردة " والتي يعتقد البعض أنها نوع من الطاقة الغامضة غير المرئية سميت بالطاقة السوداء أو المظلمة أو المعتمة أو الداكنة. حيث يوجد معها مادة  خفية غامضة هي الأخرى سوداء أو مظلمة أو معتمة أو داكنة  ويشكلان معاً الجزء الأكبر من مكونات الكون حوالي 95%.
    كشفت عمليات الرصد والمراقبة والمشاهدة الكونية ، في إطار نظرية البغ بانغ " الإنفجار العظيم الكلاسيكية" أن الكون المتوسع يشهد حالة من  الإنتظام   uniformité  النسبية في مناطق مختلفة من الكون مما يشكل لغزاً، ولفهم هذا اللغز علينا أن نفرق بين " الكون الكلي Univers Entier" و الذي يفترض  أنه ممتد إلى اللانهائية  و" الكون المرئي univer visible"  الذي يشكل جزءاً ضئيلاً جداً من الكل الشامل  المطلق وقد يكون اصغر من الجسيم الأولي الذي يشكل بنية المادة للكون المرئي نفسه. مانراه ناجم عن الضوء الذي ينتقل عبر الزمن بمقياس السنوات الضوئية ــ أي ما يقطعه الضوء خلال سنة  أرضية بسرعة 300000 كلم في الثانية  ـــ  منذ بداية التوسع الكوني إلى يوم الناس هذا. ويمكننا تشبيه الكون المرئي ككرة تحيط بنا وبكل الموجدات المادية القابلة للرصد والمشاهدة والقياس في نصف قطر يصل إلى 15 مليار سنة ضوئية تقريباً إلا أن نجوم بعيدة جداً لم يصلنا بعد الضوء الصادر منها وقد يحتاج الأمر إلى مليارات السنوات الضوئية الأخرى أيضاً فهي تقع خارج نطاق الأفق الكوني . يمكننا القول أن الكون المرئي محدود وله حواف ونهايات  لكن الكون الكلي المطلق غير محدود و لا توجد له نهايات ، لا في المكان و لا في الزمن، ومن هنا يمكننا حل معضلة أو مشكلة " الأفق الكون le problème d’horizon cosmique  للكون المرئي. 

    يتبع
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media