شيء من اللغة..حضر.. واقتراح بتعديل لفظ المحاضرة
    الثلاثاء 29 يناير / كانون الثاني 2019 - 22:52
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    الجذر (حضر) دالّ على مشاهدة ووجود. والحضارة: الإقامة في الحَضَر. فالحضارة مقابلة للبداوة. وقد جمعهما المتنبي بقوله:
    حُسْنُ الحضارة مجلوبٌ بتطرية
    وفي البوادي حسنٌ غير مجلوبِ
    ومن البديهي أن التطرية أيامه تختلف عن التطرية أيامنا. فقد تزوج أحد من ابتلاهم الله بحب الطلاء ومَن طلتْ، وحين غسلت وجهها من آثار التطرية الرباعية وخلعت شعرها الصناعي ورموشها الصناعية الطويلة، وعدساتها اللاصقة وأشياء أخرى، ولّى هاربا، وللنجاة طالبا.
    ولك أن تقول: دواء محضورٌ، أي له تأثيرات بالغة السوء والإضرار. قياسا على قوله، تعالى: (وأعوذ بك ربِّ أن يحضرون) أي أن يصيبوني بسوء بحضورهم، فكيف بمحاضراتهم؟
    ذلك أن من تطورات هذه الكلمة ما نستعمله اليوم على غير الأصل اللغوي، وأعني بذلك كلمة (المحاضرة) التي يلقيها أستاذ على طلابه، أو يلقيها مُحاضر في ندوة من الندوات.
    وتعلمون أن للراغب الأصبهاني كتابا بعنوان (محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء) وأن للمحسن بن علي التنوخي كتابا بعنوان (نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة). ولكنك إن نظرت فيهما لا تجد ما نطلق عليه اليوم لفظ (المحاضرة) وإنما هي أشتات من الأقوال والروايات والنُقول، منظمة في فصول.
    وعلى الرغم من شيوع مصطلح المحاضرة وانتشارها في هذا الزمن، فمن الأفضل أن يوضع بدلها مصطلح آخر. لانعدام صلته المعنوية بدلالات صيغة المفاعلة من هذا الجذر. فأصل المحاضرة: المسابقة. حاضرت الرجل: سابقته. وحاضرت خصمي أمام القاضي، أي: انتصبت له ردا وردعا.
    لذلك أميل إلى استخدام لفظ المحاورة بدلا من المحاضرة. فليس المحاضر في حالة سباق مع مَن يحاضرهم ليكون الشأن شأن مغالبة، بل هو حوار قبل أي شيء آخر، أو هذا ما يجب أن يكون عليه.
    ويجدر الانتباه إلى أن لفظة المُحاضر غالبا ما تمنح من (يحاضر) سمة استعلاء على من يتكلم أمامهم أو معهم. وهذه صفة غالبة في كثير من بلداننا مع الأسف. ولعلك كثيرا ما حضرت محاضرات، كان المحاضر فيها أكثر جهلا من أيّ من الحاضرين. وهذا من أبرز أسباب عزوف الناس عن حضور المحاضرات. وإليكم أمثلة:
    * محاضر استدعاه بلد عربي من بلد غربي ليحاضر في التنمية الزراعية، وبعد ضيافة كريمة ألقى محاضرة لخص فيها رأيه أن يستبدلوا الزيتون بالنخيل، فتصدى له طالب جامعي بأن طبيعة التربة وشحّة المياه في البلاد لا تسمح بتنفيذ اقتراحه. ولم يستطع المحاضر الردّ.
    * محاضر دعي من بلد عربي لبلد عربي آخر لإلقاء محاضرة في التنمية الحيوانية، وبعد أن جال في البلاد شهرا عقد محاضرته المنتظرة، وكانت خلاصتها أن يطعموا الأبقار سمك (السردين) فنهض له أحد المستمعين الشبان وقال له: نشكر جهودكم المضنية. ولكن لعلمكم فإننا ومن عهد أجداد أجدادنا نطعم الأبقار السردين بعد سحنه وطحنه مع بعض المزروعات، فماذا أفدنا منك؟
    وثمة صور عديدة كثيرة.
    ومن الواضح أني لا أقصد كل المحاضرين، بالعكس، ثمة محاضرون أجلاء محترمون. ولكن إطلاق صفة المحاضرة على ما تعارفنا عليه، يسبب، بحد ذاته، استعلاء لدى الكثيرين.
    أما المحاورة فتساوي بين الطرفين أخذا وعطاء.
    وننتقل إلى اقتراح عمليّ: فنحن نقرأ من حين لآخر إعلانا يقول:
    (إعلان/ محاضرة... سيلقي فلان محاضرة بعنوان كذا) ثم يحدد الزمان والمكان.
    فأرى أن نغير ذلك إلى:
    (إعلان/ محاورة.. يحاوركم فلان في موضوع كذا..) ثم يعين الزمان والمكان.
    وفي هذا التجديد يشعر قارئ الإعلان أنه معنيّ به، فهو حوار معه ومع غيره. ولن يكون على هامش المحاضرة، متلقيا فحسب، وربما لن يستفيد مما يتلقاه شيئا.
    أما إذا كان الحديث متلفزا فيكفي وصفه بالحديث أو الحوار أو اللقاء (مع فلان).
    وعلى المستوى الشخصي أشير، دائما، إلى أية جهة تدعوني لإلقاء محاضرة، أن تجعلها حوارا لا محاضرة، فلست في تنافس مع الحضور، ولا في تسابق معهم.
    هذا... ولكلّ امرئ ما نوى.
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media