عراق التظاهرات - إن عرف السبب بطل العجب!
    الثلاثاء 22 أكتوبر / تشرين الأول 2019 - 05:43
    صائب خليل

    احداث:
    1. انتشرت في مجال التواصل الاجتماعي العراقي، مجموعة أمثال عنصرية ذات لغة في غاية الانحطاط، قيل انها "شعبية عالمية” تشتم الفرس وتقول انهم ليسوا بشر وحيثما يحلون يكون الخراب والكذب والظلم الخ، والمدونون ينشرونها...
    2. مقتدى الصدر اصدر بياناً يخلو من إيران بره بره، تمت مهاجمته كما لم يهاجم من قبل، ورسمت له الكاريكاتيرات البشعة وفي احداها صور شريراً يحمل مسدساً ويبتسم بخباثة ويقول: سأقضي على التظاهرات العفوية!
    3. فيسبوكي ينشر صوراً لمعمل دروع متظاهرين ويكتب: دروع عراقية ضد القناصة الإيرانيين! وآخر استبدل الدعوة المعهودة لمقاطعة إسرائيل بالدعوة لمقاطعة البضائع الإيرانية "لأنهم يقتلون ابناءنا".
    4. "آل حسين" يدعو لقطع جميع الطرق في بغداد إضافة الى مخارجها وطريق المطار والسيطرة على المدرج، والسيطرة على الإذاعة والتلفزيون ووزارة الاتصالات وبث بيان حي بمناشدة القائد عبد الوهاب الساعدي لتولي زمام الأمور وتشكيل حكومة طوارئ وإعلان سقوط النظام. ... وآخر يهتف: "الابطال يرفعون العلم العراقي على السفارة الإيرانية".
    5. أنور الحمداني، يلبس الخاكي ويوجه رسالة شديدة الى رئيس الجمهورية وغيره من المسؤولين والقادة الدينيين وغيرهم..
    6. مجموعات عراقيين في الغرب تطلب من ستيفن نبيل ان يكتب لها شعارات تظاهرتها..
    7. عامر الكبيسي يحذر من "مصيبة على البلد" .. "اخطر من العنف نفسه" و "إهانة لعلاقاتنا مع العالم"... والمصيبة هي: اعتقال صاحب المواقع الإباحية شجاع الخفاجي لبضعة أيام!!
    8. ايدي كوهين ينشر قائمة المحطات التي ستنقل تظاهرات 25 تشرين الأول، ويقول ان السفارة الامريكية ستوفر الدعم، ومنظمو التظاهرات ينشرونها على انها مأخوذة من RT
    9. احراق صور السيستاني وجماهير تسير وراء هتافات تثير الكراهية ضده وتحرض على الاعتداء عليه.
    10. الخامنئي يغرد أن "الشعب الإيراني والعراقي شعبين ترتبط أجسادهما وأرواحهما بالإيمان بالله وبالمحبّة لأهل البيت وللحسين بن علي، وأن الأعداء يسعون للتفرقة، لكنهم عجزوا ولن يكون لمؤامرتهم أثر"، فيهاجم وكأنه ارتكب جريمة الجرائم!
    11. مهندس قديم يلوم العراقيين للوقوف على الحياد بين ايران وأميركا، ويصرخ كالمجنون : "انحازوا لمصالح العراق يا غبران... الشعب يباد!!"
    12. انتفاض قنبر يدعو صراحة للتحالف مع إسرائيل للتخلص من ايران
    13. احدهم يشرح بالرسوم وبصراحة كيف تصنع قنبلة مولوتوف ويضعها على الفيسبوك (دون ان يمنعه الفيسبوك طبعا!) ..
    14. احدهم باسم "مهدي مجيد” يدعو لحرق كافة مقرات المخابرات العراقية والجيش العراقي وكافة المراجع الدينية وأولهم السيستاني وارجاعهم الى ايران.
    15. يسمي نفسه "قاهر ولاية السفيه"، ويحتفل بقصف إسرائيلي جديد لعتاد الحشد في بسماية ويؤكد (وكأنه سفير إسرائيل): "الأيام القادمة سوف تشهد ضربات موجعة والأيام بيننا يا عبيد ايران".
    16. فيسبوكية باسم "زهراء نواف" تعرض صورة تصادم سيارات وتقول ان "تاكسي انتحاري” ضرب باص إيرانيين، وهي سعيدة بذلك و "تنتخي" الآخرين ليقوموا بهذا الفعل الانتحاري ضد باصات الزوار الإيرانيين.. المنشور ينتشر..

    ما الذي جرى؟ هل يمكن ان يدفع شعب خلال بضعة أيام الى مثل هذه الهستيريا؟ افهم ان الجو ملبد بالدماء والمناظر المرعبة التي تفقد الانسان صوابه، لكن لماذا يتجه كل شيء ضد ايران باعتبارها العدو، وتصبح مسبتها علامة الوطنية اكثر من دعم التظاهرات وأهدافها واسقاط الحكومة؟
    لنفهم هذا الحال، دعونا ننظر الاخبار التي قرأها الناس قبل واثناء هذا الهياج:

    1. "قائد الوحدات الخاصة الإيرانية: ارسلنا 7500 عنصر من القوات الخاصة الى العراق!!"  - في إم بي سي نيوز، وسكاي برس والخوة النظيفة وغيرها...
    2. انباء عن دخول عشرة الاف من الحرس الثوري عبر الشلامجة وانتشارهم في محافظات الوسط والجنوب.. وصورة لسليماني في العراق.
    3. مدونة تؤكد: أهل الكاظمية يدهشون ويفرحون بوجود فتاة "عراقية" في اسواقهم المغرقة بالإيرانيين!!
    4. كاريكاتير: احدهم يسأل جندي إيراني – لماذا قتلته وهو شيعي؟ فيجيبه: - لأنه عربي وغير موال لإيران!
    5. قائمة صور بالدول التي "سمحت بتدخل ايران فيها" وكلها خربة: اليمن ولبنان وسوريا والعراق، وأخرى "لم تسمح بتدخل ايران”، وكلها عمارات ورفاه : السعودية والإمارات والكويت والبحرين
    6. "في بناية في السنك تم القاء القبض على هذا القناص الذي يحمل الجنسية الإيرانية!!"
    7. خبر: جوازات إيرانية "تتساقط سهوا" من قتلة متظاهري العراق !!
    8. خبر ينتشر عن خطيب جمعة طهران: "اقتلوا المتظاهرين عملاء أمريكا!!"
    9. البروفسور كاظم حبيب والنائب السابق فائق الشيخ علي يؤكدان ان خطيب جمعة طهران نادى بقتل المتظاهرين!!
    10. صورة لمقاتل يحمل علم ايران على كتفه وخلفه العلم العراقي.
    11. خبر: تم تسليم الملف الأمني لمحافظة كربلاء الى الحرس الثوري الإيراني!!
    12. خبر: الحاكم العسكري الإيراني الجديد لمحافظة كربلاء فرهاد قزويني يصدر أوامر بصرف جنسية عراقية لكل زائر إيراني!!

    حين اقرأ كل هذا، لا يصيبني العجب ان يصاب الناس بما أصيبوا به! فمن يقرأ هذا ويصدقه، او حتى جزء منه، لابد ان يعتبر ايران الشيطان الرجيم الذي بيننا وبينه مسألة حياة او موت! وإن كنت عزيزي القارئ قد اتخذت موقفا كهذا بعد قراءة تلك الاخبار فلن الومك ابداً.
    لكن ما مدى صحة تلك الاخبار؟
    ماذا لو تبين ان "القناص الإيراني"، الذي نشروا صوره "في السنك"، لم يكن سوى جندي عراقي، لا يحمل الجنسية الإيرانية ولا شيء؟ هل ستهدأ قليلا وتشكك؟ هل ستراجع الأخبار الأخرى بحثاً عن الحقيقة، وخشية "ان تصيبوا قوماً بجهالة"؟
    ماذا لو تبين ان "قائد الوحدات الخاصة الإيرانية" لم يقل ان هناك اية قوات أرسلت الى داخل العراق، وانه كان يتحدث عن نشر قوات داخل ايران فقط؟
    ماذا لو أن ام بي سي وسكاي برس ورويترز والخوة النظيفة وغيرها الكثير، كانت تشارك في الكذب عليك، إضافة الى فائق الشيخ علي وكاظم حبيب وغيرهم؟ هل ستتوقف عن الكراهية للإيرانيين؟ بل هل ستغضب ممن يحاول الكذب عليك؟ ام ستوجه غضبك إلى يكشف لك الكذبة؟
    نعم، ان حكومة ايران للأسف الشديد، تدعم هذا العميل مثلما دعمت كل من جاء قبله، بموقف براغماتي يراعي مصلحته، وهو مخيب للأمل.
    خطيب جمعة تحدث ضد التظاهرات وقال "بلا شك فان اعداء الشعب العراقي ركبوا هذه الموجة من التظاهرات" بهدف تخريب زيارة الأربعين وابعاد شعبي البلدين ايران والعراق عن بعضهما البعض.. وهذا خلل كبير في رؤيته لأنه لا يحس بما يحدث في  العراق. ونعم ان الحكومة الإيرانية عموماً ترى ان في التظاهرة من يحاول حرفها للتآمر على العلاقة بين الشعبين العراقي والإيراني، وهناك من قال ان هؤلاء تدربوا في اميركا والسعودية، لكن الكثير من العراقيين، وانا منهم، يعتقد ان هذا الأمر وارد جداً! واهم من ذلك أن هناك فرق شاسع بين هذا وبين ان تقود ايران عمليات القنص والقتل او ان تشارك فيها!! فهذه الأخيرة لا دليل حقيقي عليها على الإطلاق، كما انها ليست منطقية ابداً.

    الصورة المرفقة تجمع عددا (ليس كاملا بالتأكيد) من الأكاذيب الإعلامية التي تم اثبات كذبها بشكل قاطع، (راجع ايضاً الروابط في نهاية المقالة). كما ان هناك بعض المنشورات التي تحتاج الى التفكير الهادئ لدحضها، مثل الصور التي تمثل "الدول التي تدخلت فيها ايران مقابل الدول التي لم تسمح لإيران بالتدخل فيها". فهذه الأمثلة تعطي انطباعاً خاطئاً عن الدور الإيراني. فبداية، الدول المخربة هي دول قامت ايران بمساعدتها لمنع سقوطها نهائيا، لكنها لم تنجح بمنع تخريب الكثير فيها، مثل اليمن والعراق وسوريا (داعش) ولبنان (تحريره ودعم مقاومته). اما الدول الخليجية المرفهة، فليس لأنها لم تسمح بتدخل ايران، انما لأنها لم تتعرض اصلاً للهجوم، لأنها كانت في خندق المعتدي!
    ربما، ان واجهت أيها القارئ، ادلة لا سبيل لدحضها، ستقول: "حتى لو كان هذا كذب، فإيران ترتكب بحقنا الكثير من الجرائم الاخرى"؟ طيب ان كانت "ترتكب الكثير من الجرائم" لماذا لا يأت هؤلاء ببعض من تلك الجرائم بدلا من الكذب؟ هل يعقل ان ايران لم تترك ولا اثراً يثبت عليها أي من تلك الجرائم، ولم تترك لخصومها طريقاً لإيصال "الحقيقة" سوى اختراع جرائم لم ترتكبها واقوالاً لم تقلها؟
    كيف يجوز لنا ان نتهم جهة بأشياء لا دليل لدينا عليها سوى الأكاذيب، بحجة انها قد تكون من العبقرية بحيث محت كل الأدلة الحقيقية؟ وكيف سنميز البريء ان سمحنا لأنفسنا ان نعتبر ان من لا دليل لنا عليه، مجرم نجح بإخفاء الأدلة الحقيقية؟

    إنني اتفهم صعوبة مواجهة الأكاذيب التي صدقناها وتحمسنا لها ومشينا خلفها بقوة، فهذه الاستدارة النفسية شديدة الثقل، لكن مصير البلد في الميزان، ومصير الشعب كله في كف عفريت ان تبين ان كل هذه الادعاءات كذب. فهو يعني ان هناك جهة تريد خداعنا لهدف ما، ولا يمكن ان يكون هذا الهدف لصالحنا. وهو يعني ان تلك الجهة تمتلك الاعلام بشكل مهول حتى لا يكاد يكون هناك فيه منفذ يكشف الحقيقة.
    هذا كله لا يعني لحظة واحدة، ان حكومة عبد المهدي ليست أسوأ واخطر حكومة وصلت الى حكم العراق، وان على الشعب العراقي ان يتخلص منها بأسرع وقت ممكن وان يلغي جميع قراراتها وان يحاسب من نصبها بعيداً عن الدستور. ولا يعني ابداً رضانا عن الموقف الإيراني المؤسف الذي سنكتب عنه اكثر، في الاستفادة مما تلقي هذه الحكومة لإيران من فوائد لتدعمها، ولا اعتقد ان هناك من كتب بقدر ما كتبت في هذا الاتجاه، ولا بالقوة التي كتبت بها. لكن هذا كله لا يبرر ابداً تصديق الأكاذيب والسير وراءها. ولا يفسر تلك الحملة المهولة من الأكاذيب شيء سوى وجود مؤامرة منظمة تستغل التظاهرات. فإن استطاعت التظاهرات ان تسير رغم ذلك، بعقلانية الى اسقاط الحكومة، وان تضع العراق هدفا لها بحق، وليس هدف من يسير الإعلام، فستكون اعظم تظاهرات العراق في التاريخ...
    إنها مهمة المتظاهرين ان يطمئنوا الناس إلى اهداف تظاهراتهم، وإلى انهم يسيطرون عليها تماماً، وإلا ، فمن حقنا ان نخاف من مصير تظاهرات ليبيا وسوريا والمدن المحروقة!
    السؤال الأول بالنسبة لك: هل ستوجه غضبك الى من حاول ان يكذب عليك، أم على من كشف لك ذلك؟ الامر متروك لك!

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media