تظاهرات سلمية أم حرب بالنيابة بين إيران وأمريكا؟
    الخميس 31 أكتوبر / تشرين الأول 2019 - 03:45
    د. عبد الخالق حسين
    كاتب ومحلل سياسي عراقي مغترب

    يوماً بعد يوم بدأت الأمور تتكشف أكثر فأكثر. فما سمِّي بانتفاضة الفاتح من أكتوبر 2019، هو ليس تظاهرة عفوية وسلمية وبلا قيادة، بل نقلة نوعية في الأزمة العراقية المزمنة. إذ يمر العراق اليوم بأخطر منعطف في تاريخه الحديث، لا يقل خطورة عن إنقلاب 8 شباط 1963 الدموي الأسود الذي أدخل  البلاد في نفق مظلم لم يخرج منه حتى الآن. يعيش العراق اليوم مرحلة تاريخية عاصفة، أختلط فيها الحابل بالنابل، والحق بالباطل، والصواب بالخطأ، فهناك حملة إعلامية عربية، وعالمية واسعة لتضليل وتشويش عقول العراقيين، وإرباك المسؤولين. ونتيجة لهذا التشويش والإرباك انقسم العراقيون، وصار الكل يختلف مع الكل إن لم نقل ضد الكل.

    فالأسباب المعلنة للتظاهرات هي الفساد، وتردي الخدمات، وتفشي البطالة بين الشباب، وخاصة الخريجين منهم. نعم هذه المشاكل موجودة وبشكل حاد، تحتاج إلى علاج جذري وسريع، ولكن ما يجري على الساحة هو ليس لحل هذه المشاكل، بل لتفاقمها، ولإسقاط النظام الديمقراطي، والانتقام من الحشد الشعبي، والتخلص من النفوذ الإيراني، و تصفية كل من له ميول لإيران، وإغراق العراق في فوضى عارمة يستفيد منها أعداء الديمقراطية الوليدة، من دول الجوار، وليعود البعثيون للسلطة وتحت اسم آخر، بمثل ما جاؤوا عام 2014 إلى المحافظات السنية باسم داعش، وبحجة العزل الطائفي. واليوم أعلنوها حرباً طاحنة بين الشيعة أنفسهم، وبالتأكيد للتيار الصدري الدور الأكبر في هذا التخريب، والكل يعرف أن جماهير هذا التيار هم بعثيون شيعة وجدوا في التيار الصدري ملاذاً آمناً لهم لمواصلة تخريبهم، وإلا لماذا يحرقون مقرات كل الأحزاب السياسية في محافظات الوسط والجنوب ما عدى مقرات التيار الصدري؟

    فما يجري اليوم في العراق من أعمال فوضى تحمل بصمات البعثيين، ويذكرنا بما قام به البعثيون قبيل إنقلاب 8 شباط 1963 الدموي الأسود من مظاهرات، وفرض الإضرابات على الطلبة وأساتذة المدارس والجامعات بالقوة. وكذلك تنظيمهم لمسيرات في بغداد قبيل إنقلابهم "الأبيض" على حكومة عبدالحمن محمد عارف عام 1968 بذريعة الذكرى الأولى من نكسة حزيران. كما تفيد الأنبياء اليوم ان سجن (الحوت) في الناصرية الذي يأوي إرهابيي داعش من المحكومين بالإعدام، وينتظرون التنفيذ إستنجد ببغداد لإرسال تعزيزات مسلحة لأنهم ردوا أعداد كبيرة من الملثمين خارج السجن، وهذا دليل آخر على تحرك حزب البعث بتنسيق مع الدواعش.

    لقد بات واضحاً لكل ذي بصر وبصيرة أن السبب الرئيسي لهذه الفوضى ليس الأهداف المعلنة، بل الصراع بين إيران وأمريكا على النفوذ في العراق، حيث هيمن اللوبي الإيراني على السلطة في العراق، وغلطة رئيس الوزراء عادل عبدالمهدي بإنكار فضل أمريكا في تحرير العراق من الاستبداد البعثي الصدامي الجائر، والتوجه إلى إيران عدوة أمريكا. نفس الغلطة التي ارتكبها نوري المالكي عندما رفض بقاء عدد قليل من القوات الأمريكية في العراق عام 2011، وبضغوط من إيران وأعوانها في الحكومة. فعاقبته أمريكا بالإيعاز للقيادات السنية بفصل محافظاتهم عن الحكومة المركزية لتحكمها عصابات داعش، تلك الغلطة التي كلفت العراق عشرات الألوف من الشهداء، ومئات المليارات من الدولارات لتحرير تلك المناطق، بدلاً من استثمارها لإعمار البلاد.

    واليوم يعيد عادل عبد المهدي نفس الغلطة بتنكره لأمريكا، وتوجهه لإيران، فعوقب بنموذج آخر من العقوبات، ألا وهو توظيف معاناة الشباب الشيعة ضد الحكومة التي تقوده الشيعة، لتستغلها حثالات البعث، والحكومات الخليجية وإعلامها. وليس مستبعداً أن تنفجر حرباً شيعية- شيعية، إلى أن تسقط الحكومة وتأتي حكومة موالية لأمريكا كما حصل بعد إسقاط حكومة المالكي، حيث تشكلت حكومة برئاسة الدكتور حيدر العبادي المتحرر من الهيمنة الإيرانية.

    لقد نجح رئيس الوزراء السابق الدكتور العبادي بإتباعه سياسة فن الممكن في كسب الدعم الأمريكي لصالح العراق، ودون معاداة إيران، لذلك حرر المناطق المحتلة من الدنس البعثي الداعشي، بتضحيات الجيش العراقي والحشد الشعبي، وبالدعم الدولي بقيادة أمريكا. كما نجح العبادي في استعادة المناطق المتنازع عليها، والمداخل الحدودية في كردستان من هيمنة حكومة الإقليم إلى الحكومة المركزية كما أقره الدستور وبدون سفك دماء. فلولا الدعم الأمريكي له، لما نجح العبادي في تحقيق هذه الانتصارات الكبيرة.
    والمفارقة أنه رغم ما حقق العبادي من انتصارات، كافئه الناخبون في الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2018، بالمرتبة الثالثة، بينما الذي جاء بالمرتبة الأولى هو التيار الصدري المعروف بدوره التخريبي للنظام الديمقراطي. وهذه النتائج المجحفة تعطينا فكرة واضحة عن الذهنية التدميرية السائدة على المجتمع العراقي، ومدى الخراب البشري الذي تركه حكم البعث الفاشي.

    كثير من المعلقين وكتاب المقالات أنكروا في أول الأمر دور المندسين البعثيين، وأشباههم في هذه التظاهرات، وراحوا يكررون باستمرار الكليشة القائلة: أن أغلب الشباب المشاركين في المظاهرات تربوا ونشأوا بعد البعث، ولم يتأثروا بفكره، لذا فهذه الانتفاضة عفوية كفلها الدستور، من أجل حقوق مشروعة. ونحن بالتأكيد أيدنا هذه التظاهرات وشجعناها بشرط أن تكون سلمية، وحذرنا من المندسين وأعمال العنف والشغب، وأن البعثيين لم ينتهوا، فهم خبراء في توظيف معاناة الشباب وغيرها من الأزمات، وتحريف التظاهرات عن أهدافها المشروعة لصالحهم وأغراضهم الدنيئة. وهذا بالضبط ما حصل، وانكشف مع الأيام، إذ توالت الأعمال التخريبية في بغداد، ومحافظات الوسط والجنوب، وتحولت المظاهرات العفوية السلمية إلى ساحات حرب بين القوى الأمنية والمتظاهرين، حيث تم إحراق مباني الحكومات المحلية، وسقوط ضحايا بمئات القتلى وألوف الجرحى.

    نؤكد مرة أخرى أنه تم اختطاف تظاهرات أصحاب الحقوق المشروعة، وتوظيفها لأغراض لم يعرف بها المتظاهرون من الشباب المحرومين من الحياة الكريمة، و تحويلها إلى حرب بالنيابة بين أنصار أمريكا وأنصار إيران، وبدماء العراقيين. هذه الحرب ستستمر إلى أن يتخلص العراق من النفوذ الإيراني، أو يتحول إلى خرائب وأنقاض كما حصل في سوريا وليبيا واليمن، أو تعاد علاقة حميمة مع أمريكا.

    وفي هذا الخصوص وصلني تعليق من صديق على مقالي الأخير الموسوم (من المسؤول عن الفساد في العراق؟)(1)، قائلاً :
    ((أتفق مع ما جئت به عن شراسة واجرام البعثيين، وضعف وفساد القائمين على السلطة في العراق الحالي. فخلال الأيام القليلة من تواجدي في لندن التقيت بالصدفة بخلية بعثية تسهر طول الليل حتى الصباح في قيادة المظاهرات وتوجه أشخاص في التأجيج، والاستمرار، وترسل لهم الشعارات، وتنتج وترسل مقاطع الفيديو، وما تبثه قناة الشرقية من أخبار، تنسيقهم على مستوى عالي، يستخدمون أسماء مثل (أبو فلان والدكتور فلان) من مختلف الدول الاوربية. وهناك من يتابعهم بشكل يومي للإدلاء بتقاريرهم عن مجريات الأمور من عملائهم في مختلف المحافظات. أما احزاب السلطة الحالية فلم يعوا خطورة السرطان البعثي، والخبرات الإجرامية التي يمتلكونها، والدعم المادي الكبير والاستخباراتي من مختلف المصادر والدول لتدمير العراق، وفي رأيي في حالة تحرك البعثيين وعملائهم ستجري أنهار من الدماء على طول العراق.)) انتهى.

    كذلك وصلتني معلومات من صديق ذو صلة مع صناع القرار في الداخل والخارج، قال ما يلي:
    ((... أنا متفق معك، وقراءتك للأحداث صحيحة، ولو أنت لم تكن بداخلها، ودليلي أنني كنت في بغداد حين تجديد معاهدة الإطار للتعاون المشترك بين أمريكا والعراق، [عام 2011]، ورأيت تأثير إيران على الحكومة العراقية.... العراق كان ولا يزال تحت مطرقة لوبيين إثنين أقوياء جدا وهما: إيراني في بغداد، وإسرائيلي في واشنطن. اللوبي الإيراني يقوده الولي الفقيه بسلطة مطلقة، واللوبي الإسرائيلي تقوده إسرائيل بشبكة مصالح مؤثرة جدا من ضمنها أولا، إدارة مباشرة  للإقليم بحزبيه الأربيلي [نسبة إلى أربيل] والسليماني [نسبة إلى السليمانية] داخل العراق، وثقله داخل البرلمان ومن يشترونهم من باقي النواب والسياسيين العرب من الطائفتين الذين يحصلون على أموال العقود، ونسبة مما يدفع لكردستان وعقارات في كردستان، وهؤلاء هم الذين يبيعون العراق، بالإضافة الى مصالح خارجية دولية هائلة.)) انتهى.

    أدلة أخرى على الحروب بالنيابة
    بالإضافة إلى ما سبق، فما يؤكد الاعتقاد بأن ما يجري في العراق باسم التظاهرات المشروعة، هو حرب بالنيابة بين إيران وأمريكا وبدماء العراقيين، الأدلة التالية:
    1- انحياز حلفاء أمريكا وإسرائيل من الحكومات الخليجية وجميع وسائل إعلامها لهذه التظاهرات في المحافظات الشيعية، تماماً كما كان موقفها أيام الاعتصامات في المحافظات السنية، والتي مهدت للإحتلال الداعشي لتلك المحافظات عام 2014،
    2- إنحياز جميع وسائل الإعلام الغربية وخاصة الأمريكية، لدعم هذه التظاهرات، بشكل غير معهود، وبالأخص قناة الحرة (عراق)،
    3- الإعلام البعثي، فجأة راح يذرف دموع التماسيح على مظلومية الشباب الشيعة، وهناك تقارير تفيد أن شباب الأعظمية قاموا بتوفير الطعام والماء للمتظاهرين في ساحة التحرير. وهذا يذكرنا بما حصل أيام ثورة 14 تموز من الانتشار الواسع لصور المرجع الشيعي السيد محسن الحكيم وفتواه سيئة الصيت (الشيوعية كفر وإلحاد) في الأعظمية والمحافظات السنية إلى أن تكللت جهودهم بإغتيال الثورة وقيادتها الوطنية النزيهة، في إنقلاب 8 شباط 1963، ومن ثم انتقموا من أسرة الحكيم، وكل المراجع الشيعية بعد أن حققوا أغراضهم منهم.
    4- وقوف الحكومة الإيرانية وإعلامها ضد المظاهرات، بل واتهامها بالمشاركة في قمعها،
    5- وقوف القادة السياسيين العراقيين الموالين لإيران ضد المظاهرات،
    6- وقوف زعيم التيار الصدري السيد مقتدى الصدر، المعروف بولائه للسعودية والدول الخليجية الأخرى مع التظاهرات،
    7- دور التيار الصدري ومشاركتهم الفعالة في التظاهرات، وفي أعمال التخريب وحرق مقرات الأحزاب السياسية في محافظات الوسط والجنوب ما عدى مقرات التيار الصدري،
    8- تصاعد هتافات: (إيران برا برا..بغداد تبقى حرة). وعدم صدور أي هتاف ضد السعودية المعروفة بدورها الإرهابي التخريبي ضد العراق الجديد، أما الهتافات الخجولة ضد إسرائيل فلذر الرماد في العيون ولا قيمة لها،

    خلاصة القول:
    لا يستقر العراق إلا بعودة العلاقة مع أمريكا، ودون معاداة إيران، يعني حكومة على شاكلة حكومة الدكتور حيدر العبادي، الرجل الذي نجح في تحرير المناطق المحتلة، واستعاد المناطق المتنازع عليها والمداخل الحدودية في الإقليم الكردستاني، إلى سيطرة الحكومة الفيدرالية. فبدون هكذا حكومة رشيدة تعمل بفن الممكن، سيتمزق العراق. وموقفي هذا ليس حباً بأمريكا، وإنما لأن العراق أنهكته الحروب وبأمس الحاجة إلى دعم الدولة العظمى، وبدون هذا الدعم ستعمل أمريكا على تمزيق العراق وتدميره على أيدي أبنائه، وبدون إرسال قوات عسكرية، تماماً كما حصل في إنقلاب 8 شباط 1963، و1968، وما يجري الآن هو تحضير لما حصل في الماضي.
    اللهم احفظ العراق وشعبه من كل شر.
    abdulkhaliq.hussein@btinternet.com
    ـــــــــــــــــــــــــــــ
    روابط ذو صلة
    د. عبد الخالق حسين: من المسؤول عن الفساد في العراق؟
    https://www.akhbaar.org/home/2019/10/263902.html

     أحمد عبد السادة : رأس الحشد الشعبي هو المطلوب!!
    (عن المسلحــين الملثمين والمخطط الخارجي في التظاهرات)
    http://alahadnews.net/index.php/permalink/185782.html
    __________
    ملحق
    وصلني المنشور أدناه بدون ذكر اسم الكاتب، بعنوان (أيها البعثي)، يخاطب فيه البعثيين المتباكين على حقوق الشباب الشيعة، جدير بالقراءة، جاء فيه ما يلي:

    ايها البعثي:

    لا تحدثني عن الفقر والجوع، ففي زمنكم مات اكثر من مليون وثلاثمائة الف من اهلنا جوعا في وقت الحصار فقط.

    لا تحدثني عن حقوق المتظاهر، ففي حكمكم كان يعدم  العراقي بمجرد التفكير بالتظاهر.

    لا تحدثني عن حقوق الشهداء من المتظاهرين، ففي حكمكم كان من يعدم تأخذون ثمن الرصاصة التي قتلتم بها العراقي من اهله.

    لا تحدثني عن حقوق عوائل الشهداء، ففي حكمكم كنتم تمنعون اهل الشهيد من اقامة مجلس عزاء على ابنهم، بل تمنعونهم من البكاء عليه.

    لا تحدثني عن عدد شهداء التظاهرات، ففي حكمكم  في انتفاضة شعبان وخلال اسبوعين فقط قتلتم 350 الف عراقي.

    لا تحدثني عن حرية التعبير، ففي حكمكم تقطعون لسان كل من ينتقدكم بكلمة.

    لا تحدثني عن فساد السلطان، ففي حكمكم قصور الطاغية وصلت عدد اسماء الله الحسنى.

    لا تحدثني عن عز وكرامة العراقيين، ففي حكمكم اذللتم العراق من الحروب الخاسرة الى اخراج رئيس الدولة العراقية من  حفرته في مشهد لم تشهده البشرية منذ ان خلق الله ادم (ع)

    لا تحدثني عن اعمار وبناء، ففي حكمكم لم تبنوا منشأة حيوية واحدة، بل هدمتم ما بني في زمن الملكية وعبدالكريم قاسم.

    لا تحدثني عن  شئ له علاقة في العراق، لاني لو اردت ان اكتب عن اجرامكم وطغيانكم وفسادكم  سأحتاج الى مجلدات يشم نتانتها كل من في الارض، فأنتم لا يحق لكم الحديث، لاننا خبرنا افعالكم، واتركونا كشعب يحب بعضنا بعضا ويحرص بعضنا على بعض وينتقد بعضنا بعض ويصحح بعضنا لبعض.... نحن في العراق جسد واحد وان اختلفنا او تقاطعنا، فلا شأن لكم بنا.

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media