شيء من اللغة.. المناصب بين التذكير والتأنيث
    الأربعاء 6 فبراير / شباط 2019 - 21:15
    د. هادي حسن حمودي
    باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    ثمة خلل شائع، انتقل من القدماء إلى المعاصرين، في تذكير المنصب بالرغم من أن شاغلته أنثى لا ذكر. وكأن المنصب هو الذي يقوم بالعمل لا الإنسان الذي يشغله، ذكرا كان أم أُنثى.
    فمن حين لآخر تطالعنا أخبار مثل: إن مدير الوحدة بمركز دراسات (..) قالت: نحن في خطر ولست متفائلة. أليس من الغريب أن تكون: بداية العنوان لفظ مذكر (مدير)، وسياقه يتحدث عن مؤنث (قالت، متفائلة). فأين الحقيقة اللغوية في هذا؟
    للجواب نبدأ من ابن الأنباري (تـ 328 هـ) في كتاب (المذكر والمؤنث). فهو يرى أن الألفاظ المختصة غالبا بالمذكر تعامل معاملة المذكر حتى لو كان المقصود بها امرأة. قال: (ومما وصفوا به الأنثى ولم يُدخلوا فيه علامة التأنيث – لأن أكثر ما يوصف به المذكّر – قولهم: أمير بني فلان امرأة. وفلانة وصيّ فلان ووكيل فلان). وفي المثال الأول مغالطة واضحة، فتذكير (أمير) هو الأساس لأن السامع لم يعرف بعد أن شاغل المنصب أنثى. ولو صيغ المثال بشكل آخر لكان: فلانة أميرة بني فلان، على غرار كلمة ملكة.
    ثم استدرك بعد ذلك (وربما أدخلوا الهاء فقالوا أميرة، ووكيلة، ووصية) ثم عاد فاستبعد بعض تلك الألفاظ لأن الأغلب أنها تكون للرجال دون النساء. ومضى يذكر خلافات من سبقه في بحث هذا الموضوع.
    فمرجع الأمر عندهم أن هناك مناصب خاصة للرجال، فعناوينها تلزم التذكير حتى لو شغلتها امرأة، فلا تقول: رئيسة، ولا وزيرة، ولا مديرة، ولا أستاذة... إلى آخر آخره من وظائف شغلتها النساء عبر التاريخ.
    فهل هذا صحيح؟
    كلا. لقد قالوا (ملكة) مؤنث ملك، على الرغم من قلة النساء اللواتي كن ملكات قياسا بالرجال. فما دامت لفظة (ملك) قد تأنثت بوجود امرأة في ذلك المنصب فظهرت لفظة (ملكة) فلماذا لا نقول مديرة ما دامت امرأة قد شغلت المنصب كما في المثال السابق: صرحت مديرة المؤسسة؟
    قاعدة تذكير المنصب لأنه كان للذكر دون الأنثى (غالبا) مردودة عليهم. فهم قد ارتضوا تأنيث الصفة، التي هي المنصب، حين تشغله امرأة. وحقيقة قاعدتهم تلك تعود إلى أن ثمة نساء شغلن منصب الملك، فقيل لهن: ملكات. ولم يقيسوا عليها المناصب التي ظهرت فيما بعد وشغلتها نساء. لقد أهملوا قاعدة نحوية متفقا عليه أن الصفة تتبع الموصوف، وما المنصب إلا صفة لمن يشغله، فلان وزير، وفلانة وزيرة.
    ومن طريف هذا الموضوع أن المنادين بالمساواة والمدافعين عن حقوق المرأة متعلقون بتذكير هذه الألفاظ، ربما من أجل أن يضفوا على أنفسهم صفة الحداثة تقليدا للغات الأوربية.
    وهم واهمون هنا.
    خذ كلمة مدير في اللغة الإنكليزية ستراها (Manager) وإذا ذهبت إلى تأنيثها ستجد (Manageress). وفي الإنكليزية ألفاظ تستعمل للجنسين مثل (Child) تستخدم للطفل والطفلة و(Writer) للكاتب والكاتبة. فهل هذا يسوغ إلغاء لفظ (طفلة) و(كاتبة) من اللغة العربية بحجة التحديث اللغوي؟
    وفي الفرنسية تفرقة واضحة بين التذكير والتأنيث في المناصب، لا تقتصر على تغيير في اللفظ بل في أداة التعريف والتنكير نفسها حيث ترى (Le) للمذكر و(La) للمؤنث أو (Un) للمذكر و(Une) للمؤنث. وقد حرصت الفرنسية على تحديد جنس الموصوف بتلك الأدوات كما في (un journaliste) و (une journaliste). فأداة التعريف تبين المذكر والمؤنث، كما في (le bateau) و(la maison).
    بل إن الألمانية تضع ثلاث علامات، للمذكر والمؤنث والمحايد: (Der, Das, die).
    إن رفض تأنيث لفظة الرئيس أو الوزير أو المدير أو الأستاذ أو السفير إلى آخر آخر آخره، بحجة التحديث، أو متابعة فكرة التغليب الموروثة، فمما لا يتلاءم مع القوانين اللغوية ذاتها التي تصف المذكر بوصفٍ مذكر والأنثى بوصفٍ مؤنث، وما المنصب إلا صفة لمن يحتلّه، كما في: كانت فلانة مديرة مدرسة، وكاتبة مُبدعة، وسفيرة للنيات الحسنة، مثلا.
    ----
    * باحث وأستاذ جامعي عراقي - لندن
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media