الإنسان : ماله وما عليه في الكون المرئي -4-
    الثلاثاء 5 مارس / أذار 2019 - 15:57
    د. جواد بشارة
    في العام 1998 وفي إطار البرنامج الأوروبي لاستكشاف الفضاء ومكونات الكون المرئي، ظهرت دراستان حول عدد من النجوم التي تم رصدها ودراستها بتمعن واتضح أن الأكثر بعدا من بينها تقل درجة نصوعها بنسبة 25% مما كان منتظراً. أي كانت ابعد مما كان متوقعاً، وبناءاً على ذلك خمن العلماء أن الكون يسترع في تمدده وتوسعه. وفيما بعد ، وبعد مرور عقود طويلة وتقدم تكنولوجي مذهل، أثببت المشاهدات الكوسمولوجية ذلك الاستنتاج النظري في ذلك التاريخ، وقام العلماء بحسابات قادت إلى نفس النتائج حسب تصريحات العالم جان بول كنيب Jean Paul Kneib، الأستاذ في مدرسة البولتكنيك الفيدرالية في لوزان ــ  سويسرا . وتأكد هو وفرق عمله أن هناك قوة مجهولة تعمل بالضد من الثقالة أو الجاذبية فعكس ما تقوم به المادة بفضل قوة الجاذبية فيها تقوم الطاقة المجهولة المسماة مظلمة أو سوداء بجهد معاكس أي تقوم بدور القوة الطاردة أو النابذة، والحال أن تحديد ومعرفة طبيعة وماهية هذه القوة الغامضة والمجهولة صار هو التحدي الأكبر أمام علماء الكونيات الكوسمولوجيين. أحد الافتراضات التي تعاطت معها هي فكرة قديمة للعالم الفذ البرت آينشتين والتي عرفت بــ " الثابت الكوني" التي قرر المتحمسين لهذه الفرضية العودة إليه، أي إلى الثابت الكوني الذي ألغاه آينشتين من معادلاته واعتبره أكبر خطأ جسيم ارتكبه في حياته. وكلنا يعلم أن النسبية العامة التي صاغها آينشتين في بداية القرن الماضي هي الإطار النظري الذي يسمح بتصور وتمثل الكون المرئي والتعامل معه فيزيائياً ورياضياتياً، إلا أن المعادلات الرياضياتية التي تميز تلك النظرية ، لو طبقت على الكون كله، سوف تشير بوضوح أن الفضاء الكون في حالة تمدد وتوسع ، وهو الأمر الذي أرعب ىينشتين واثار نفوره لأنه كان يعتقد بكون ثابت ومستقر ودائم في حين أن الحلول التي جاء بها الراهب البلجيكي والعالم الفيزيائي في نفس الوقت جورج لومتر سنة 1927 ، وهو الأب الحقيقي لنظرية الانفجار العظيم، تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الكون في حالة توسع وتمدد. ما دفع آينشتين إلى اقتراح الثابت الكوني في معادلاته لكي يعارض فكرة التوسع والتمدد الكوني باعتباره القوة المناهضة والمعادلة أو المكافئة لقوة الجاذبية إلا أنها قوة نابذة أو طاردة . ولكن بعد سنتين من ذلك ، أي سنة 1929 أثبت العالم إدوين هابل بالتجربة العملية والتحليل الطيفي لنتائج رصد التلسكوب الذي يعمل فيه أن مشاهداته تؤكد تمدد وتوسع الكون المرئي ، لكن الثابت الكوني، بتسمية أخرى بالطبع، عاد وانبثق من جديد في القرن الحادي والعشرين لأن العامل المفترض الوحيد الذي من شأنه أن يبطيء ويكبح أو يسرع  التوسع  والتمدد الكوني ولقد سماه العلماء بـ " طاقة الفراغ énergie du Vide" التي تقوم بتمديد الفضاء الكون أكثر فأكثر. الإشكالية هي أن هذا " الفراغ" يدخل في الكثير من المجالات الفيزيائية الأخرى وإن " فراغ " الكوسمولوجيين أو علماء الكونيات ـ، لا يتطابق مع علماء الفيزياء النظرية أو المنظرين فطاقته أضعف بــ 10120 مرة . ما أدى إلى بروز عدد من الافتراضات والتخمينات بشأن طبيعة وماهية الطاقة المظلمة أو السوداء، وهي كلها محصورة في الطور الافتراضي النظري و لا بد من العودة إلى عمليات الرصد والمشاهدة التلسكوبية ، الرضية والفضائية، وإعادة قياس وحساب الأبعاد الهندسية للكون المرئي. وهنا بالتحديد تكمن مهمة أقليدس التلسكوب الفضائي الأوروبي الذي سيطلق سنة 2022 والذي سوف يستكشف مكونات الكون المرئي على مدى العشرة ملايين الأخيرة من عمره من أجل اكتشاف لحظة " التحول " التي عجزت فيها المادة عن كبح التوسع الكوني. فالكون لم يكن في حالة تمدد وتوسع متسارع على نحو دائم ومستمر كما يقول أوليفييه لو فيفر Olivier Le Fèvrr من مختبر الفيزياء الفلكية في مرسيليا ــ فرنسا ــ والمسؤول عن مهمة أقليدس فالتسارع في التوسع والتمدد لا يخص سوى الثلث الأخير من عمر الكون المرئي التقديري وهو 13.8 مليار سنة . سوف يرصد هذا التلسكوب الفضائي المتطور جداً ، وعلى مراحل ثلاثة ، الثلث الأخير من عمر الكون، ففي المرحلة الأولى سيتقصى ويستكشف 1.3 مليار  مجرة بعيدة من خلال تحليل الطيف الضوئي القادم منها والذي يخترق امتداد الفضاء الكوني من تخوم الكون إلينا ويمر بمعوقات وعقبات وانزياحات وانعكاسات كثيرة بسبب النجوم والغازات والسحب الكونية مما يقوم بتشويه الصور كما في العدسات البصرية التشويهية وفي نفس الوقت يوفر لنا معلومات عن كل من يمارس تاثير ثقالي على الضوء بما في ذلك المادة السوداء أو المظلمة ما يمكننا من تقدير كمية الكتلة الخفية أو المفقودة في الكون المرئي. في المرحلة الثانية من مهمة أقليدس  سوف يمسح حركة ومسافة 25 مليون مجرة ، والحال أننا لا نعرف اليوم سوى ما يتعلق بــ 4 مليون ونصف المليون مجرة. وسيتيح لنا على نحو أفضل معرفة توزعها كما تخيلها العلماء في النماذج النظرية للشكل الكوني والبنية الكونية الكبرى. ومن المتوقع أن تنتهي صلاحية العديد من النماذج النظرية الكونية بعد حصولنا على نتائج المسح والمراقبة والمشاهدة والرصد التي سيقوم بها تلسكوب أقليدس بعد انتهاء مهمته. قد يتوجب علينا مراجعة قانون الجاذبية نفسه واقتراح مفاهيم جديدة أخرى لتفسير وفهم تسارع التوسع الكوني. المهمة الأهم والأكثر طموحاً لأقليدس هي تحديد تطور une longueur caractéristique cosmologique de l’univers au cour du temps
    الطول الكوسمولوجي  المميز للكون في مجرى الزمن المعروف بــ concillation acoustique des baryons –BAO أو التوفيق أو التنسيق الصوتي للبريونات حيث تقبع خصيصة جوهرية تعود تاريخها لطفولة الكون، بعد بضعة مئات من السنين، في أعقاب الانفجار العظيم، عندما كان الفضاء مليئاً بخليط من الجسيمات الأولية والضوء ، وفي داخل هذا الحساء الأولي هناك نقاط أكثر كثافة من غيرها صارت تفرز مادة وبعض الأشكال الأولية بتأثير من جاذبية بدئية ، هو ما سيقود لتشكل المجرات ، ومن ثم عندما يبلغ الكون عمر 380000 سنة انفصلت المادة عن الضوء إلا أن حجم الكتل grumeaux  ظل ثابتاً، ومن الضوء البدئي جائتنا الإشعاعات الأحفورية الكوسمولوجية الميكروية المنتشرة التي تشير إلى الاختلافات الطفيفة في درجات الحرارة ، في حين أن حجم الكتل على مر الزمن بات يتنوع فقط وفق هندسية المكان أو الفضاء . وفي نفس الفترة الأولية الطفولية للكون تكونت أجسام فضائية غريبة هي الأخرى مظلمة أو سوداء ذات كتل عالية وكثافة كبيرة  عرفت بالثقوب السوداء المجهرية  و في حين تشكلت على مر الزمن بفعل النجوم العملاقة المنهارة على نفسها بفعل ثقالتها  ثقوب سوداء فائقة الكتلة كما أظهرت ذلك عمليات المحاكاة في الكومبيوترات أو الحواسيب العملاقة . لقد استحوذ موضوع الانفجار الكبير The Big Bang على مخيلتنا دون غيره من النظريات العلمية، من حيث أنه يمثّل الولادة الحقيقية والرائعة لكوننا. ولكن، ما الذي حصل بعد ذلك؟ بعد نحو 100 مليون سنة من الظلام الدامس، وبعدما أضاء الكون أخيراً عبر نجومه الأولى، كانت تلك النجوم أكبر وأكثر لمعاناً من كل الأشياء التي تلتها لاحقاً. أدت الأشعة فوق البنفسجية القوية الصادرة من تلك النجوم إلى تحويل الذرات المحيطة بها إلى أيونات. حيث استغرق الفجر الكوني l’Aube cosmique - ابتداءً من ولادة النجم الأول وحتى اكتمل التشكّل الكوني - ما يقرب مليار سنة. يقول البروفيسور مايكل نورمان Michael Norman  مدير مركز سان دييغو للحواسيب العملاقة والمؤلف الرئيس للدراسة التي نُشرت حديثاً في مجلة Frontiers in Astronomy and Space Sciences: "من أين جاءت تلك النجوم وكيف كوّنت لاحقاً المجرات التي تملأ الكون الذي يعجُ بها، كما نراه اليوم، إلى جانب الإشعاعات الأخرى والبلازما؟ نمتلك العديد من النماذج المعيارية في الفيزياء التي تفسر لنا العالم وتشرح لنا بنية الكون لكن أكثر من ثلاثة أرباع الكون يغيب عن مداركنا وهذه أزمة تصيب هذا العلم إذ أن هذه النسبة هي ما نسميه اليوم الجزء المظلم من الكون والذي يضم المادة والطاقة السوداء أو المظلمة هذه هي الأسئلة التي تشغل تفكيرنا اليوم". هل من المفترض مراجعة قواني الفيزياء وإعادة النظر في الثقالة أو الجاذبية؟ وه يتعين علينا إضافة قوة خامسة للقوى الجوهرية الأربعة التي تتحكم بالكون، وهي الكهرومغناطيسية والجاذبية أو الثقالة والقوة النووية الضعيفة والقوة النووية الشديدة؟ أم يجب أن نفترض وجود نسيج كوني مختلف بقدر كونه غامض وغريب مكون من جسيمات ضعيفة أو معدومة الكتلة وهي آكسيونات يصعب رصدها وكشفها إن لم نقل يستحيل اكتشافها ، هذا إلى جانب لغز وغموض  الطاقة السوداء والمظلمة والمادة السوداء أو المظلمة واختفاء المادة المضادة التي كانت موجودة بوفرة في بدء الكون وطفولته بعد ولادته مباشرة . يعمل الباحثون أمثال البروفيسور نورمان على إيجاد حلول للمعادلات الرياضية لبناء كون افتراضي مكعب الشكل. يضيف البروفيسور نورمان: "لقد أمضينا ما يزيد عن 20 سنة في استخدام وتحسين هذا البرنامج، وذلك من أجل تحقيق فهم أفضل للفجر الكوني". هُيِّئَت في البدء النصوص البرمجية التي سمحت بتشكيل ونمذجة النجوم الأولى في الكون، حيث تقوم تلك المعادلات بوصف الحركات والتفاعلات الكيميائية داخل الغيوم الغازية في الكون الذي سبق ظهور الضوء، وقوة الجاذبية الشديدة التي تتمتع بها بعض الأجسام الأكبر حجماً التي لا نستطيع رؤيتها والتي يطلق عليها المادة المظلمة matière noire ou sombre.  . يتبع

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media