ليبراليبة ماكرون: أو الديكتاتورية الفرنسية المقنعة ج1
    الأحد 10 مارس / أذار 2019 - 05:42
    د. الطيب بيتي العلوي
    مغربي مقيم بفرنسا / مستشار ثقافي سابق بمنظمة اليونسكو/ باحث انثروبيولوجي
    "إن الأزمنة التي ستعيشها البشرية  مستقبلا ، ستكون مليئة بالشروالفساد،و بدون عيني الوشق الحادة،لا يمكنك أن ترى الشروالفساد بسهولة ".ماكيافيلي

    " السياسيون هم بالتأكيد  سطحيون وعديمو البصيرة والتفكيرأكثر مما قد يُتصور،ونادرا ما يغوصون عميقا في المواقف والأسئلة والرؤى ولا يمتلكون حلولا سوى الإدعاء و الكذب والثرثرةّ "   أناتول فرانس

     "لاتوجد سياسة جديدة، بل هناك، فقط السياسة بالمعنى الواضح، تلك السياسة المؤسسة على الخبرات التاريخية، وعلى 
    معرفة والشعوب والأمم وصناع التاريخ" جاك بانفيل Jacque Banville(المربي الروحي للجنرال دوغول)

    كتبت غير ما مرة بأن الأحكام في  القضايا  الكبرى  للأمم ، يَصدُرها التاريخ  من خلال قادته وأجياله،وحكم التاريخ  القهاريُقوَمُ العوج ليرجع الأمور إلى الجادة،ويعلو بأمم ويهبط بأخرى  ليعيد الموازين إلى الإعتدال. وصفحات التاريخ  تتكرر أو تتغير، والغاية هي العدالة  
    ومن هذه الزاوية ،فإن التاريخ  الحالي لفرنسا في عهد" ايمانويل ماكرون"، يضع اليوم مراياه الجديدة في مواقع العبر،وكأنها عيون نفاذة  باصرة ، ليظهر للسياسيين الفرنسيين الحاليين ما يصنعونه  بسياستهم لشعوبهم-  ، كما سيُظهر لهم حكم التاريخ القهار،ما سيُصنع بهم وهم لايشعرون.

    و حركة السترات الصفراء التي إنبجست  في صبيحة يوم  على حين غفلة ، تذكرنا  بقوانين الطبيعة الغلابة :" بأن لكل فعل رد فعل مضاد له في الإتجاه ومساو له في المقدار"  وماأحداث  تظاهرات هذه الحركة لمدة أربعة عشر أسبوع ، سوى وليدة  رد فعل طبيعي  لاحداث "سوسيو-سياسية"  تكدست لأزيد من ثلاثين عاما 

     إحدى التعريفات الهامة  للحركة  جاءتنا  من وراء الأطلسي، وبالخصوص من بلاد العم سام ،حيث  وصف موقع"النيويورك تايمز ذوي السترات الصفراء في  إستهلالية  للموقع، نُشر يومه الرابع من ديسمبر2018  :"اللباس ذو اللون الأصفرالفاقع البراق،هوالرمزالذي إختاره المتظاهرون الفرنسيون ،وهي البزة الموحدة للمتمردين الفرنسيين الجدد  الذين قد يؤثرون في فرنسا وأوروبا والعالم بأسره"... في حين ما مايزال أهل الإختصاص الفرنسيين في سوسيولوجيا الحركات الإجتماعية ،يتجادلون في ماهية وشأن حركة السترات الصفراء،بينما تفاجؤهم هذه الحركة صبيحة 
    كل يوم سبت بتحد  وبعنفوان جديدين، تُثيرالجميع وتُرعب، تستفزوتُعجب  في آن واحد. !

    وعندما تنزل إلى الشارع صبيحة كل يوم سبت(كما أفعل لمواكبة تطو الحركة من الداخل  بعيدا عن هذاءات الإعلام الرسمي)، 
    وعندما تستمع إلى مختلف التوجهات الإيديولوجية " الموزايكية" للسترات الصفراء التي لا  يحكمها لون واحد ،فتجد أن هؤلاء يجمعون على ما يتفقون حوله ويرجئون ما يختلفون فيه  (وذاك من أهم مقومات إستمراريتهم  المرجحة لنجاحهم على المددين المتوسط  والبعيد) فيمكنني تلخيص مقاصدهم  ومحفزاتهم  ومطالباتهم العامة التي يقع عليها إجماع  للحركة-(أفرادا وجماعات) حيث  يتم  الإلتفاف المبدئي على بعض  النقاط الرئيسية –كما جمعتها من أفواه بعض رموز تجمعاتهم- وهي على سبيل المثال لا الحصر:

      حيثيات رموزالحركة بإختصار هي:
    "عندما نتعامل مع أشخاص من دون إيمان أوأخلاق أوقانون أوضمير،حيث تكون حججهم الوحيدة هي الغطرسة ،وممارسة سياسة النعامة ، والإعتماد على "ديموقراطية"مفرغة ذات بعد أحادي جامد، في بلد"الحضارة والتاريخ والثقافة والأنواروحقوق الإنسان"، بالإعتماد على التخابث والتحقيروالعنف والتهديدات اليومية الدائمة المرهقة مثل (سحب تراخيص السياقة بدون مبررات معقولة ،العقوبات المجحفة المتواصلة على الطرق،إثقال كاهل الشعب الفرنسي بتزايد الضرائب لملإ جيوب" المترفين والنصابين،وخزائن الشركات المتعددة الجنسيات وأبناك روتشيلد "
     
     وعندما يباع الوطن إلى "مجموعة لصوص  بروكسيل"،
     وعندما تٌقتل فرنسا (التاريخ والأرض والحضارة والأنوار) لتصبح مجرد ذيل  للأطلسي و" للمجموعة الأوربية" ...

     وعندما يتم إختزال " الأمة الفرنسية " إلى مجرد مفهوم "جمهورية "نكرة،ظهرت مع  الثورة الفرنسية (التي من حقنا مراجعة عنفها ودمويتها و هناتها وخطاياها ، والتذكير بمثالبها بالحفاظ على مزاياها) ورفض تشطيب التاريخ الفرنسي إلى لما قبل نابوليون،لتصبح فرنسا  المجيدة رديفة للكولونيالية  المضطهدة للشعوب ، ولتصبح فرنسا  اليوم  مجرد "دولة موز" تدور حول دعم  "السيادة الأوروبية"(التي  هي مجرد أداة لواشنطن وتل أبيب) والدوران  حول أهداف الأطلسي وأآطماع اليانكي  منذ عهد فرانسوا ميتيران ، أو التمحور بقزامة حول محور" الأممية  العولمية" المشبوهة  ، ليتجر بها سياسيونا المتعفنون....،
    وعندما يتم تسيير مشاكل  الدولة وترشيدها ووضع سياساتها الداخلية والخارجية من خارج البلاد(منذ ساركوزي وهولاند إلى ماكرون)....،

     وعندما  يتم إتخاذ قرارات السلم والحرب والتدخل في شؤون دول ذات سيادة بدون إستشارة الشعب(مثل الحروب في إفريقيا  ودعم  المنظمات الإرهابية  على الجغرافية العربية وتدمير ليبيا  بإغتيال القذافي، ومحاولة تطبيق نفس السيناريو على سوريا )
    وعندما تتخلى النخب الفكرية والفلسفية والثقافية  عن دورها  المبدئي في نقد " النظام" ويصبحون شركاء في الجريمة، 
    وعندما " تتخلى  ما  يسمى زورا ب"السلطة الرابعة" عن دورها  في التوعية ونقل الخبر الصحيح ونشر الحقيقة، ويشغلنا ببذاءات  نجوم السينما وكرة القدم 
     وعندما يتم  القمع المستمر للشعب الفرنسي الراغب في العيش الكريم وممارسة أبسط الحقوق من أجل الإستجابة للتحدي الكامل من الحس السليم في مواجهة مصاعب الحياة ....فلا يمكننا في مثل هذه الحالات سوىالمطالبة بتشطيب هذه السياسات البشعة ، بترحيل نخبها وسياسيها العديمي الإيمان والأخلاق والضمير، والخارجين عن والقانون ،ونطالب بما يلي:
    -إقالة رئيس الجمهورية: وهو هدفنا الأول(الذي هو حصان طروادة وسمسار" الدولة العميقة" ) 
    -حل مجلس النواب
       
     إعادة  النظر في هيكليات تأسيس الإنتخابات 
    إعادة هيكلة كيفية إقامة الإنتخابات البرلمانية
    هيكلة ممنهجة  وعقلانية للحركة، بتنظيم السترات الصفراء مع مراسليهم الإقليميين في مختلف نقاط ودوائر تجمعاتهم على المستوى الوطني 
            إنشاء هيكل هرمي للحركة  من القاعدة إلى القمة مع كل "المراسلين الإقليميين" للحركة، بهدف خلق شبكة تواصل مستديمة على هيئة "ولايات متحدة صدرية  للسترات الصفراء"
            (مع مراقبة الدخلاء على الحركة)،مهمتهاملؤ نماذج شكاوى لكل مشارك في الحركة، GJ للحركة  ترتيب الأولويات بتخصيص:  شبكة التظلم والشكاوى والملاحظات، ووضع ملخص المظالم (عن طريق الجهة ، والدائرة ،و المنطقة ، يتكلف بها كتاب التظلمات على المستوى الوطني). 
            وضع مبدأ الكفاح ضد عدم المساواة الاجتماعية الدائمة ومفاجأة الفقراء برفع تسعيرات  المواد الضرورية (بما فيها البنزين) وذلك بوضع التسعيرات  المناسبة  للمواد الإستهلاكية الرئيسية  الشعبية وفقا للدخل الفردي ( على مبدأ أننا نعيش بشكل دائم في الحياة اليومية ، دون أن ندرك ذلك) وذلك لوضع حد للصوصية الإحتكارات 
        والخلاصة:     
     أن ماأشرت إليه في هذه الخلاصة هومجرد غيض من فيض،وهي مطالب مشروعة-ديموقراطيا ودستورا-،غيرأنهاطوربيدات قاتلة"ّللدولة العميقة" الفرنسية ، ومهددة  لمصالح الأوليغارشية الفرنسية الحاكمة ،وتهديدا لأدواتها  الإعلامية والثقافية والسياسية ، وهي مطالب معقولة ومنطقية  تتكرر كمفردات  وجمل وتعابير موحدة  للجموع الغفيرة للشعب الفرنسي، التي تملأ كل زوايا وأركان الأرض الفرنسية  في صبيحة كل يوم السبت ،وكأنها طقوس دينية  لقداس يوم الأحد، والتي يقلل الإعلام الفرنسي الرسمي من شأنها .
    كيف فقد الإعلام الفرنسي الرسمي مصداقيته لدى غالبية الشعب الفرنسي"؟
     إستيقظ الشعب الفرنسي بفضل حركة السترات الصفراء على حقيقة إعلامه المزيف و الأجير لدي تسعة مليونيرات متحكمين في تسيير البلاد   ، والذي بدأ يبحث عن طوق نجاة للطغمة  البنكية  الحاكمة من وراء"الماكرونيين"لتصبح القناة الروسية RT هي القناة  " الأجنبية"  المثيرة للشغب ، و"الكاجيبي  الروسي  الخفي " المثير "للشعبوية المنحطة  الفرنسية ،وهي القناة التي إتهمها ماكرون -من خلال ما يسمي ب مهزلة " الحوار الوطني"– شخصيا ورسميا- ويتحدث عن  التدخل الروسي  في الشؤون الداخلية الفرنسية،لتتكررنفس مهزلة"روسياغيت"أو  Russiagate المدسوسة في عقول الأمريكيين التي تم  إسنباتها في الولايات المتحدة بهدف تخوين ترامب من أجل عزله أوإعدامه من جهة ولتبرير إشعال حرب نووية مع الروس من جهة ثانية (نفيذا لخطة منظر الحزب الديموقراطي الراحل بريزينسكي قبيل وفاته ) -علما بأن إيمانويل يلقب في إمريكا ب"أوباما الأبيض"-
    فماذا تبقى لماكرون فعله في الوقت الضائع:؟ والجواب هو أنه من هول الضربة القاضية التي أصابت الرجل فإنه يترنح  من هول الضربة وهو واقف –كما كما وصفه الصحفي القديم وخبير تقنيات التواصل السياسي "جيل لو جوندر" حين قال عنه:" إن الأواني المكسرة الغير متساوية واللامتناسقة على طريقة " الماكرونية" لا يمكن رأبها ،والفقرلا بد أن يتجذر في مجتمعنا، وأن يغتني المترفون أكثر ، ووداعا لديموقراطيتنا  "المثالية" ولنذرف الدموع الساخنة على فرنسا التي هو رابع أو خامس أغنى بلد في العالم"-علما بأن الصحفي ليس ماركسيا أو يساريا بالإصطلاح-
     وخلاصة القول فإن" إيمانويل ماكرون": بمعية بطانته من البيروقراطيين الليبراليين الجدد، وحماته من "الأثرياء المتخمين "وعشيرتهم الأقربين منطينة"الذئاب الفتية الجائعة الصاعدة" المنحدرة من سلالات أبناء وأحفاد"الطفرة الإقتصادية  المفاجئة العابرة" لسنوات الستينات والسبعينات،المسماة ب" Baby Boom التي شاهدناها نماذجها  في الفيلمين الأمريكيين "وول ستريت" لمايكل دوغلاس" وبالخصوص فيلم  The Wolf of Wall Streetللمخرج Martin Scorsese وبطولة Leonardo DiCaprio,كقصة حقيقية 
    حيث أن  ماكرون وأضرابه من الليبراليين الجدد الذين لالون سياسي  يميزهم ،ولا إيديولوجية واضحة  تًسِمُهم ،والذين لا خلاق لهم سوى اللصوصية والإحتيال  والنصب والغش والكذب،هم الذين يمسكون اليوم بزمام الأمور في المجموعة الأوروبية وهم "مستشاري" معظم العربية والأفريقية،  ومساندو الديكتاتوريات  و الأنظمة البخورية فيها، فيها،حيث قد مصوا في فرنسا آخر قطرة تبقت منذ  ساركوزي وهولاند" ...
    ،وبالتالي سواء أتم الرهان على فشل السترات الصفراء أو نجاحها ، فإن ماكرون معلق ما بين السماء والأرضوسقوطه  أمر مقضي فيه حتما (سواء بالإستقالة أو بالثورة  أو أن يقيله "أسياده" ) 
      بمعنى.. ! وحتى لو فرض فشل حركة السترات الصفراء،فإن هذه الحركة ستولد حركات أخرى، بمسميات جديدة وستكون الخيارات فيها أمر عارم لا يستطيع " النظام" الذي تداعت مراسيه ردها أو الإستدارة عليها لقوتها ولعنفها ،وسيتم الأمرفي فرنساماكرون،إمابقلب النظام بالطرق السلمية للسترات الصفراء(وذلك أمرمستعبد في المرحلة الحالية)،أوب "تحرك"رجالات العسكرالمتمسكين" بالديغولية"، أو الوصول إلى حروب أهلية غير مسبوقة ..وتلك هي التراجيدية  الفرنسية الجديدة المعاصرة

    baiti@hotmail.fr
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media