الأكوان الموازية 1 les univers parallèles
    الثلاثاء 12 مارس / أذار 2019 - 21:55
    د. جواد بشارة
    لقد مضى أكثر من قرن على هيمنة دعامتي الفيزياء المعاصرة، النسبية العامة والميكانيك الكمومي أو الكوانتي على عرش العلم سيما  علمي الفلك والفيزياء الفلكية، وعلمي الكونيات الكوسمولوجيا وفيزياء الجسيمات ، وتقديمهما لنظريتي البغ بانغ أو الانفجار العظيم،  والنموذج المعياري أو القياسي لعالم الجسيمات الأولية وميكانيكا الكموم. وبالرغم من ذلك ظلت هنالك معضلات  وألغاز وإشكاليات وتحديات كثيرة تواجه هاتين النظريتين وصار لا بد  من اكتشاف  نظرية جديدة للخروج من المأزق  وتجاوز حالة الانسداد التي وسمت الوسط العلمي  الذي بات يكرر نفسه . فخرجت نظرية الأوتار الفائقة والنظرية م M سعياً للوصول إلى نظرية كل شيء. ومن تداعيات هذا التجديد  ظهور نظرية تعدد الأكوان والأكوان الموازية. تساءل بعض العلماء ، ماذا لو لم يكن كوننا المرئي وحيداً في الوجود وهو ليس سوى واحد من بين عدد لامتناهي من الأكوان المماثلة والمختلفة، المتجاورة والمتداخلة ، والموازية ؟ ولكل واحد منها زمكانه الخاص وقوانينه الخاصة وثوابته الخاصة؟. وإن هناك نسخ لا تعد و لا تحصى من كل واحد منا ومن كل أرض كالتي نعيش فوقها ولكل كون ككوننا المرئي يحتوي واقعنا؟ في البداية كانت فكرة شبه جنونية ولكن مع مرور الوقت تجذرت واتخذت عناوين عديدة كالتعدد الكونيmultivers   والميغا –كون   mégavers والكون المتعدد plurivers الأكوان التوائم univers jumeaux  و الأكوان الموازية les univers parallèles . بيد أن تلك الفكرة لم تكن جديدة في الحقيقة فمنذ الحقب الزمنية الغارقة في القدم تحدث عنها فلاسفة من أمثال ديموقريطس Démocrite   ولوكريس Lucrrèce ، وقالوا بإمكانية وجودها . ولقد عادت الفكرة للظهور في القرن العشرين وبقوة، لتحتل مقدمة المشهد الكوسمولوجي وكانت بالنسبة لمنظري  البغ بانغ الانفجار العظيم والميكانيك الكمومي أو الكوانتي، بمثابة الفرضية التي تسمح بحل الكثير من المسائل التي بقيت بدون حلول  وبلا أجوبة.
    ازداد عدد العلماء أكثر فأكثر ممن يعتقدون اليوم بأنه لا يوجد فقط كون واحد بل عدد كبير من الأكوان، تشكل تنوعاً لامتناهياً من العوالم المختلفة والمجهولة كالمحيط الهائل المليء بعدد من الجزر المتباعدة أو المتجاورة ، البعض منها مأهولاً بالسكان  والآخر فارغ يفتقد للسكان. أصيب البعض بالذهول من هذه الفرضية التي يستحيل إثباتها بالمشاهدة واختبارها تجريبياً لكن الرهان عليها كبير،  ليس فقط للعلم ، بل ولنا نحن كذلك بل لكل واحد منا على هذه الأرض. فنحن نعيش ما يشبه الثورة العلمية بالبث المباشر حيث يعرض علينا العلماء كتباً وأـبحاث وأفلام وثائقية ومحاكاة كومبيوترية كأنها الواقع،  تقودنا في متاهة التعدد الكوني كأننا في نزهة سياحية وكيف فكر الكتاب والفلاسفة والعلماء والروائيون والمخرجون السينمائيون بالصور المختلفة للحياة في العوالم المتعددة . فما هو مغزى الحياة في تعدد كوني مزود بعدة نسخ من الكائن ؟ إحدى الفرضيات تقول بذلك  وبأن هناك نسخ عن كل واحد منا في كل كون لكنهم لا يتشابهون في الملبس والمسلك والتخصص والتفاصيل الحياتية ، يبدو المشهد كما لو أن الفيزياء تحولت إلى ميتافيزياء  والعلم يلتحق بالخيال والكل يتساءل أين هو موقع ّ الله" من هذا التعدد الكوني، وهل لكل كون إلهه الخاص؟ 
    بين النسبي والمطلق:
    بدأ البشر بالتفكير البسيط واعتبروا الأرض هي الأهم وهي مركز العالم،  والشمس والقمر والكواكب والنجوم تدور حولها فرد عليهم نيكولاس كوبرنيكوس بأن ذلك ما هو إلا وهم واعتبر الشمس هي المركزية التي تدور حولها باقي الكواكب بما فيها الأرض ولقد اهتزت قناعات البشر عن وجودهم وأهميتهم ونظرتهم لأنفسهم  ومكانتهم عند خالقهم. وبعد مرور بضعة عقود محيت هذه الصورة القاصرة المختزلة للواقع وحلت محلها فكرة تقول أن الكون ليس فقط النظام الشمسي ولا المجرة التي تحتويه، بل و لا حتى حشود  وعناقيد المجرات المحيطة بمجرتنا،  والتي تشكل محتويات ومكونات الكون المرئي، بل هنالك كون متعدد أو بالأحرى عدد لامتناهي من الأكوان.  وتصادف أننا نتواجد في أحد هذه الأكوان  وهو ليس أكثر من جسيم أولي ميكروسكوبي نسبة للكون المطلق، كما هو حال الجسيم المادي الأولي بالنسبة لكوننا المرئي. وكل كون ممكن الوجود يكون موجداً بالفعل وكل قصة لفرد ممكنة الحدوث تحدث حقاً ولكن ليس في نفس الكون الذي يعيش فيه بل في كون آخر ، من هنا يمكن أن نحل معضلة وجودنا وسره ومآله ومصيره فهناك عدد لامتناهي من الانفجارات العظيمة الناجمة عن تصادمات كونية أو تقلبات كمومية أو كوانتية، وكل انفجار عظيم يؤدي إلى نشوء عدد لامتناهي من الأكوان على نحو دائم ومستمر، وكل كون يخلق مجراته ونجومه وكواكبه ومكوناته الأخرى وكائناته الحية  الخاصة به ومنها ماهو عاقل وذكي ومتطور جداً كالبشر أو الكائنات الفضائية الأخرى المختلفة عن الهيئة البشرية المالوفة. ولقد قام العالم ليونارد سيسكايند Léonard Susskind، أستاذ الفيزياء في جامعة ستانفورد في كاليفورنيا بصياغة نظرية شاملة تشرح البغ بانغ، الانفجار العظيم، كما لو إنه مجرد عالم مجهري nanomonde وقام نظرياً بعملية جمع بين النسبية والنظرية الكمومية أو الكوانتية  ليطرح الخطوط الأولية للنظرية الجامعة  أو نظرية كل شيء لتفسير محتويات الوجود بين اللامتناهي في الصغر واللامتناهي في الكبر . فعندما نتجاوز الحد الأقصى من اللامتناهي في الكبر نلج إلى الحد الأدنى من اللامتناهي في الصغر والعكس صحيح ، في نوع من التعاقب الدوري . وكان سيسكايند يأمل التوصل إلى الصيغة الرياضياتية التي تشرح وتفسر وتحل كافة القوانين والمعادلات الرياضياتية والثوابت في طبيعة هذا العالم  المحدد بكوننا المرئي . وابتداءاً من عام 2005 بدأ سيسكايند يفكر بأنه لا توجد نظرية كل شيء واحدة لأن العالم ليس وحيداً، ونظراً لوجود عدة أكوان  تستدعي عدد لامتناهي من النظريات، فلكل كون نظريته الجامعة وهو الأمر الذي أثار تخبط العلماء والباحثين لأنه أقرب للخيال العلمي منه للعلم، ولأن ذلك يذهب عكس ما اعتادوا عليه من العرف المهني  والأكاديمي. يرد عليهم أتباع  التعدد الكوني بأن هذه الفرضية تعود إلى القرن الأول قبل الميلاد عندما تنبأ لوكريس بأن السماء والمحيطات والنجوم والشمس لها مثيلات منتشرة في كل أرجاء الكون وبأعداد لامتناهية. من هنا فإن فرضية التعدد الكوني يمكن أن تغدو الفكرة السائدة في القرن الواحد والعشرين وليست مجرد ثمرة لمخيلة البعض مآلها الاختفاء والانهيار لاستحالة اختبار صحتها تجريبياً لأننا غير قادرون على رؤية ورصد كوننا على نحو مباشر ، بأجهزتنا البدائية القاصرة، فما بالك الأكوان الأخرى بعددها اللامتناهي؟ يلجأ العلماء اليوم إلى لغة الرياضيات كما فعل أسلافهم في بداية العلم المعاصر من كوبرنيكوس وكبلر وغاليليو غاليله الذين وصفوا الطبيعة بلغة الرياضيات قبل اكتشاف الأجهزة الحديثة وتطور التكنولوجيا.  كانوا يتبنون فكرة أن الطبيعة تتبع قوانين ثابتة حتى لو كان دور" الله" في خلق القوانين وتكريسها لا اعتراض عليه آنذاك. ولكن يشهد علم الكونيات الكوسمولوجيا حالة من السكون والمراوحة بعد تكريس نظرية الانفجار العظيم  والنموذج المعياري لفيزياء الجسيمات رغم أن الانفجار العظيم يجيب على جزء من مشاهدات العلماء والفلكيين ولكن ليس كلها. وكلما تقدمت دقة الحسابات والقياسات التي يقومون بها بفضل التكنولوجيا المتقدمة الحالية، كلما لمسوا نواقص وثغرات وعقبات في النظرية ، ولم يتم  التوصل إلى تعريف كامل وفهم عميق ومبرهن عليه لمحتويات نظرية الأوتار الفائقة التي ظلت  على مدى عقدين  المرشح الأوفر حظاً للوصول إلى النظرية الجامعة والموحدة ، نظرية كل شيء التي تفسر الكون المرئي من الكوارك إلى تخوم الأفق الكوني وهي نظرية الثقالة الكمومية أو الكوانتية. من هنا يعتقد عدد كبير من العلماء أننا على أعتاب ثورة جديدة في الفيزياء وعلم الكونيات واقتراح نظرية أو نظريات جديدة تطرح المزيد من التنبؤات والتوقعات  إلى جانب البساطة والأناقة. كانت نظرية كوبرنيكوس تجديدية في وقتها لكنها اصطدمت بعقبة مناقضتها للنص التوراتي رغم جمالها وأناقتها وحلولها للعديد من المسائل سيما تلك المتعلقة بحركة الكواكب مما قاد إلى نشوء محاكم التفتيش في عام 1616 وحرمت نظام كوبرنيكوس الكوني وتبعها محاكمة غاليليو غاليله سنة 1633 وصارت من المحرمات التي يمنع الاقتراب منها أو مناقشتها أو الاطلاع عليها . بدأت الانعطافة في علم الكونيات الكوسمولوجيا سنة 1920  عندما اقتنع العلماء والفلكيون أن مجرتنا درب التبانة هي كل ماهو موجود في الوجود وهي الكون كله  وذلك لعدم تمكنهم من رصد مجرات أخرى آنذاك. ولكن سرعان ما تغيرت المفاهيم وأصبح الكون متحركاً ولامتناهياً في أبعاده وحدوده وحجمه وكتلته، وهو في حالة تطور وتوسع وتمدد بل وتسارع في التوسع، كما شهد مرحلة من التضخم المفاجئ الهائل في جزء من مليار المليار المليار المليار من الثانية. وتراكمت معلومات مذهلة ومشاهدات رصدية جراء تطور التلسكوبات الأرضية والفضائية التي مسحت الكون المرئي ورصدت مليارات المجرات البعيدة جداً. ونجح العلماء بفضل دراسة المستعرات العظمى ونجوم السفييد céphéides في حساب وقياس المسافات بين الكواكب و النجوم والمجرات بدراسة الطيف الضوئي ودرجة النصوع للأجرام السماوية المختلفة وكانت حساباتهم الفلكية تتم بالسنين الضوئية ــ السنة الضوئية هي مايقطعه الضوء بسرعة 300000 كلم في الثانية خلال عام كامل  ــ  واكتشف الناس المسافات المهولة التي تفصل بين النجوم والمجرات مايعكس ضخامة وحجم الكون المرئي غير القابلة للتصور والإدراك والاستيعاب . عند ذلك اتخذ مفهوم اللانهاية بعداً آخر وأهمية أخرى بالنسبة للعلماء وبالأخص علماء الرياضيات . 

    يتبع 
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media