الأكوان الموازية 2 les univers parallèles
    الخميس 14 مارس / أذار 2019 - 05:03
    د. جواد بشارة
    اللانهاية L’infini  معضلة واجهها علماء الرياضيات وعلماء الفلك وعلماء الكونيات  الكوسمولوجيين، على مدى قرون طويلة، حتى تمكن أخيراً العالم كانتورCantor، على حد زعمه، من السيطرة على المفهوم من خلال إدخال مجموعة من المفاهيم الجديدة بشكل راديكالي في نظريته ، خاصة فكرة أو مفهوم وجود عدة أنواع من " اللانهاية" يمكن حسابها ومقارنتها باستخدام أعداد جديدة عادية و ترتيبية  وكاردينالية  ordinaux et cardinaux. ومنذ كانتور أعتقد الرياضياتيون أنهم عرفوا كيف يتعاملون مع " اللانهايات" . حتى إسحق نيوتن تعاطى مع  معضلة  الكون النهائي واللانهائي أو اللامنتهي. وحاول الجمع بين الإثنين لتقديم صورة أو رؤية خاصة عن العالم . وهو يتصور  بأنه طالما يتمثل البشر عالمنا كونه ذو حدود ونهاية فمن المفترض وجود فضاءات تتعدى أو  تتواجد ماوراء أفق العالم الذي نعيش فيها وبالتالي فإن " كوننا " ليس سوى " جزيرة" عائمة داخل محيط من العوالم اللامتناهية . ولقد نظمت حلقة نقاشية كبرى سنة 1920 لتؤكد صحة المنطق النيوتني وتنعش ثيمة اللانهاية التي تؤرق بال العلماء والرياضيين خاصة في ذلك الوقت الذي كان الجميع يجهل فيه عدد النجوم في كوننا المرئي وربما يكون عددها لانهائياً. ولكي نرصد جرماً فضائياً ننتظر وصول الضوء الصادر منه إلينا وذلك يستغرق وقتاً،  فالضوء يحتاج لثمان دقائق لكي يقطع مسافة 150 مليون كلم التي تفصل بين الشمس والأرض.ويحتاج الضوء القادم من أقرب مجرة جارة لنا هي المرأة المتسلسلة أندروميدا ، إلى 2.5 مليون سنة ضوئية. فالنظر إلى أعماق الكون المرئي يعني رؤية الماضي وما حدث فيه وهذا الماضي محدود زمنياً : يقدر عمر الكون المرئي بــ 13.8مليار سنة، وهو قطعاً أقدم من ذلك بكثير. من هنا لانستطيع رؤية أجسام في الفضاء إلا تلك التي ترسل ضوءاً يحتاج إلى أقل من 13.8 مليار سنة ضوئية . والحال، يضم الكون المرئي مكونات محصورة في نطاق قطر لا يتعدى الـ 13.8 مليار سنة ضوئية ولكن في حقيقة الأمر يحتوي الكون المرئي على أكثر وأوسع من ذلك بكثير. فبيننا وبين الأجرام  والمجرات والنجوم البعيدة جداً، التي يستحيل رؤيتها أو رصدها، هناك 45 مليار سنة ضوئية حسب التقديرات والحسابات الرياضياتية والكوسمولوجية الحديثة. فرؤيتنا للكون محدودة كما لو أننا في صحراء حسب قول عالم الفيزياء الفلكية غنثر هاسينجر Gunther Hasinger، الذي صرح معلقاً " لدينا انطباع أننا نحدق في اللانهاية  لكننا نعرف أننا لا ننظر على وجه الدقة سوى على بعد 10 كيلومترات في الصحراء، وأن هناك خلف الأفق الصحراوي أكثر من ألف أفق ". ماذا يوجد وراء الأفق الكوني للكون المرئي أو المنظور؟ البعض يعتقد أن من العبث التنظير حول شيء لايمكننا رؤيته مهما طال الزمن، والبعض الآخر يقول أن من اللامنطقي  القول أن شيئاً ما غير موجود لا لشيء إلا لأننا لايمكن أن نراه ، فكل ماهو غير مرصود  غير واقعي بالنسبة لهؤلاء وبالتالي فهو ليس جزءاً من الكون المرئي الذي لا نعرف شيئاً خارجه أو وراء أفقه اليوم. فهو إذن ليس جزءاً من كوننا المرئي على أية حال ، وقد ينتمي ، لو ثبت وجوده، إلى أكوان أخرى.
    الفرضية الأكثر إقناعاً وقبولاً هي تلك القائلة أن العالم يمتد إلى ما وراء أفقنا الكوني المرئي أو المنظور والقابل للرصد، وقد يكون مماثلاُ أو مشابهاً أو مختلفاً عما يوجد في نطاق كوننا المرئي. يفترض هذا الطرح وجود مجرات ونجوم لايمكن لضوئها أن يصل إلينا أبداً لأنها بعيدة جداً وقد تحتاج لأكثر من 45 مليار سنة ضوئية لكي تصل إلينا  وتلك النجوم المتواجدة خارج كوننا، تشكل مجرات  والمجرات تشكل أكداس وحشود وعناقيد مجرية تشبه أو تختلف عما هو موجود في كوننا المرئي وتكون أكواناً خاصة بها. إن كوننا المرئي أو المنظور متجانس وكل شيء فيه متناظر ومتماثل ومتجانس وفق ما عرف بــ " المبدأ الكوسمولوجي  le principe cosmologique" حسب تفسير العلماء للمعطيات والمعلومات الفلكية المتراكمة لديهم. فنحن نعيش في " فراغ كوني أكبر بكثير من كوننا المرئي أو المنظور وهو فراغ لا نهائي. في حين أن قطر  الوعاء الكوني لكوننا المرئي أو الفراغ الكوني النسبي الخاص بكوننا المنظور يمتد لحوالي مليار سنة ضوئية حيث المادة أقل كثافة مما هي في أماكن أخرى وبالتالي يتمدد ويتسع هذا الفراغ أسرع مما نظن. ويمكن اعتبار ذلك بمثابة نظرية بديلة لفرضية وجود الطاقة المظلمة أو المعتمة أو السوداء التي يفترض العلماء أنها هي السبب في تسارع التمدد والتوسع الكوني للكون المرئي. هناك قلة من العلماء من يتبنى هذه النظرية، أي نظرية الفراغ الكوني vide cosmique في حين تتبنى أغلبية العلماء فرضية الطاقة السوداء أو المظلمة، ومبدأ كوبرنيكوس. فمن وجهة نظر رياضياتية محضة ، يمكن أن يكون الفضاء مسطحاً ليس له حدود illimité  لكنه نهائي fini، لكن أقلية من العلماء تعتقد بمثل هذه الإمكانية، فيما يعتقد كثيرون أن الشمس والأرض والقمر والنجوم  والمجرة التي تحتوينا تتواجد في فضاء  أو زمكان يمتد بعيداً وفي جميع الاتجاهات على نحو لانهائي. يعتقد جون بارو John Barrow أستاذ الرياضيات والفيزياء في جامعة كمبردج ، أن الكون المطلق كبير على نحو لانهائي وأن كوننا المرئي أو المنظور ليس سوى واحد من بين عدد لانهائي من الأكوان ، وهذا العالم هو أحد رواد الفيزياء  والكوسمولوجيا الجديدة، فبالنسبة له من البديهي أن ننتهي من النظرة القياسية الضيقة والاختزالية السائدة اليوم ونتطلع إلى كوسمولوجيا ثورية تعددية أو تتقبل فرضية تعدد الأكوان وتعدد العوالم.
    بداية أم بدايات؟
    إذا كان الكون المرئي في حالة توسع ، فهذا يعني أنه كان في الماضي أصغر، وقبل ذلك أصغر فأصغر، ولو استمرينا في هذا التصور الذهني لوصلنا إلى أن الكون كان مضغوطاً في حيز  بحجم حبة بزاليا أو أصغر بكثير ، بل حتى أصغر من الذرة البدائية التي تحدث عنها جورج لوميتر ، بل وأصغر من ذلك في نقطة لامتناهية الصغر ولامتناهية الكثافة سميت " الفرادة الكونية" وهذا جوهر نظرية الانفجار العظيم. فالكون المتمدد والمتوسع يتوافق مع فكرة ،" الحالة البدئية الأساسية للنشوء état initial " وهي ساخنة جداً وكذلك تتوافق مع حل لمعادلات رياضياتية أفرزتها نظرية آينشتين النسبية العامة وهي التي توصل إليها الراهب والعالم الفيزيائي البلجيكي جورج لوميتر سنة 1920وقادت إلى نظرية البغ بانغ وكان المعارض الأشرس لهذه النظرية آنذاك هو العالم الفرد هويل من جامعة كمبردج الذي كان ينادي بنظرية الكون الأزلي والأبدي الخالد الثابت اللامتغير والساكن، وإن النجوم والمجرات جزء من حلقة دورية تعاقبية من الولادات والاختفاءات فلا وجود لبداية ساخنة ولا لخاتمة منتظرة أو متوقعة . وكان الفرد هويل يعتقد أن الكون متشابه ومتجانس في كل أركانه وعلى نحو دائم. ولكن في سنوات الستينات حسمت المعركة بين دعاة الكون المستقر الثابت والساكن و أنصار  وأتباع نظرية الانفجار العظيم البغ بانغ لصالح هذه الأخيرة وذلك إثر اكتشاف آرنو بنزياس  وروبير ويلسون اللذان يعملان لدى مختبرات بيل إثناء اختبارهما للاقط اتصالات مع الستلايت أو القمر الصناعي وبعد فحص وتدقيق لنوع من الإشارات الصوتية  الخفية المثابرة والمستمرة كضوضاء خلفية منتظمة في تردد الموجات المكروية فاكتشفا أن هذا  الصوت هو من بقايا الإشعاعات الخلفية الأحفورية المكروية المنتشرة في الكون كله والذي عرف بإشعاع الخلفية الكونية المنتشرة وفي سبعينات القرن الماضي هيمنت نظرية البغ بانغ الانفجار العظيم على الوسط العلمي وتم قبولها كحقيقة مفروغ منها إلى جانب تجارب مختبرية لإثبات صحتها ومعرفة المزيد عن المادة وتكون العناصر التي تصب في صالح النظرية وصلاحيتها. 
    من المصيب ومن الخاطيء؟
    عند استجواب علماء الكونيات الكوسمولوجيين، هناك من يعتقد أن علم الكونيات في أوجه اليوم أو أنه على حافة الهاوية، حسب البعض الآخر . وهناك مشكلتان لهذا التصادم في الرؤى والاختلاف في الموقف، وهما مرتبطتان ببعضهما البعض. الإشكالية الأولى تقول أننا لو جمعنا كافة المعطيات الناجمة عن عمليات الرصد والمشاهدة والمراقبة ، مع النظريات الفيزيائية ، بنموذج كوني كوسمولوجي ، فسوف نحصل على تحفة فنية أو أثر فني كامل ومقنع ومنتهي أو ختامي. لكن ثمن ذلك سيكون مرتفعاً . فعلينا أن نتقبل مسلمة أن الكون المرئي مكون بنسبة 95% من كتلة وطاقة غريبة وغامضة لانعرف منهما اليوم سوى أسميهما وهما المادة السوداء أو المظلمة والطاقة السوداء أو المظلمة أو المعتمة . والإشكالية الثانية تقول أنه في النانو / ثانية بعد الانفجار العظيم، في تلك اللحظة الزمنية بالغة الصغر، كانت المادة والطاقة من الكثافة بمكان ، أنه لا النظرية النسبية و لا الميكانيك الكمومي أو الكوانتي، يمكنهما وصف تلك الحالة ، لذا نحن بحاجة لنظرية نسبية وكمومية مندمجة  جديدة عرفت باسم نظرية كل شيء والتي هي غير موجودة في الوقت الحاضر. كل ما لدينا سيناريوهات وافتراضات وتمنيات وتخمينات ليس إلا، عن اللحظة البدئية والتأسيسية الأولى للكون المرئي أو المنظور. أفضل تلك السيناريوهات المتخيلة هو سيناريو التضخم الكوني الهائل والمفاجيء حيث حصل تمدد خارق فوراً بعد الانفجار العظيم وبسرعة مذهلة تتجاوز سرعة الضوء بكثير ولقد حاز سيناريو التضخم الفوري على قبول وتقدير الباحثين والعلماء لأنه يقدم العلاج لمعضلات شائكة ناجمة عن نظرية الانفجار العظيم التقليدية الأولى . ولكن ظهر سؤال جديد يحتاج إلى جواب ، ماهي القوة التي تسببت بوقوع هذا التضخم الفوري المفاجيء والهائل ؟ ربما تكون الطاقة السوداء أو المظلمة أو الداكنة أو المعتمة التي تعمل كقوة ثقالية نابذة أو طاردة وليست جاذبة . هذا ما يؤكده بعض العلماء والمنظرين المستمرين منذ عقود طويلة بحساباتهم لتأكيد وإثبات صحة هذا السيناريو فحسب فرضية التضخم الكوني الفوري المفاجىء كانت كافة عناصر الكون في الأصل في حالة اتصال واندماج وبامكانها أن تتخذ درجة حرارة متساوية ومتجانسة مثل الجزيئات في كأس ماء. ومن ثم  نفخ التضخم الكون بسرعة مذهلة تفوق بكثير سرعة الضوء فالفضاء أو الزمكان المتمدد تفوق على الضوء ومن ثم جاءت مرحلة التوسع المنتظم بسرعة عادية أدنى من سرعة الضوء وغدت الآفاق المكانية للكون من السعة بحيث تعذر قياسها أو حسابها ومعرفة المسافات  والمديات التي بلغتها ولم يعد هناك أي اتصال بينها ولكن لديها جميعاً ماضي واحد مشترك. وكانت درجة الحرارة متماثلة ومتساوية في كل مكان. استمر هذا التصور  لغاية سنة 1997 ، إذ قضت النظرية السائدة في الكوسمولوجيا بأن توسع الكون تباطأ بفعل قوة الثقالة الكونية الجاذبة للمادة المرئية والمادة السوداء أو المظلمة . وإن الكون سوف ينهار على نفسه في يوم ما في نوع من الارتداد والتقلص والانكماش العظيم Big Crunch، وربما سيعقب ذلك انفجار عظيم جديد على نحو تعاقبي. ولكن اكتشف العلماء أن هناك تسارع في التوسع الكوني بدل التباطؤ ويحدث التمدد بسرعة أكبر فأكبر وبأن هناك قوة خفية ومجهولة الهوية والماهية لا نعرف طبيعتها ومكوناتها تقف خلف مثل هذا التسارع في التمدد والتوسع سماها العلماء الطاقة السوداء أو المظلمة أو المعتمة وكلما توسع الكون تشتت المادة العادية داخله وهيمنت عليه الطاقة المظلمة أو الداكنة أو السوداء وبعد بضعة مليارات من السنين سيكون الكون المرئي برمته مكون من الطاقة السوداء أو المظلمة وهو ماتخبرنا به قصة النشوء المتعارف عليها اليوم ويمكن أن يبدأ من جديد انطلاقاً من الطاقة السوداء أو المظلمة كما يعتقد علماء البغ بانغ الذي حلوا بذلك معضلة أو لغز الخلق من لا شيء  فبفضل هذا الطريقة الغامضة اخرجنا الباحثون والعلماء من نطاق السحر والميتافيزيقيا الربانية لأن الطاقة السوداء أو المظلمة هي جزء من خصائص ومكونات المكان الكوني فكمياتها تحصر في أحجام مكانية  تسمى كثافة الطاقة وهي ثابتة وهذا يعني أنه عندما يتوسع المكان فإن الطاقة السوداء أو المظلمة لا تذوب فيه بل تزداد . ولكن يطرح سؤال آخر يحتاج إلى جواب، ماهي الطاقة السوداء أو المظلمة لا يوجد لدى العلماء سوى المضاربات الذهنية والتخمينات  والافتراضات بهذا الصدد ويتقنون قواعد اللعبة لإقناع المتسائلين عن ماهية وسر هذه الطاقة اللغزية السوداء أو المظلمة.  

    يتبع 


    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media