دور حزب البعث في الإرهاب الداعشي 3
    الجمعة 29 مارس / أذار 2019 - 22:59
    صباح كنجي
     ـ البعث الداعشي ـ

    لكي ندخل في بوابة الأدلة والوثائق والمعلومات المؤدية لكشف علاقة حزب البعث بالتطرف الاسلامي الراهن والمتمثل بدولة الخلافة الاسلامية الاجرامية ـ داعش .. لا بد وان نتطرق الى ما يمكن تعريفه بالأسس والبدايات والمقدمات التي جعلت منه حزباً يتمادى في علاقاته الراهنة ويستخف بمشاعر المواطنين بشكل سافر ..

    وهو يعلن عبر وسائل الاعلام و الفضائيات من خلال خطاب مسجل لعزة الدوري في حزيران 2013 تقديره واعتزاه وافتخاره ومحبته لمن وصفهم بثوار القاعدة وداعش الذين دخلوا الموصل وحرروها.. بعد ان فرّ منها الجيش العراقي.. ونعته للدواعش بالثوار والمحررين..

    وقال الدوري .. إن ما حصل في نينوى وصلاح الدين ( من أعظم أيام تاريخ العراق والعرب بعد أيام الفتح الإسلامي ).

    ونقل موقع "الشفق" العراقي عنه القول: ( أن الانتصارات المتلاحقة في الأنبار وفي ديالي وعلى مشارف بغداد وفي التأميم قد شكلت انعطافاً تاريخياً هائلا في مسيرة الأمة الجهادية ).

    وأشادته بدور فصائل مسلحة عديدة في المواجهات قائلاً: ( حيا الله جيش رجال الطريقة النقشبندية ومقاتلي الجيش الوطني الباسل .. والقيادة العليا للجهاد والتحرير والجيش الإسلامي وكتائب ثورة العشرين.. و مقاتلي جيش المجاهدين ).

    وأشاد الدوري بمجموعات أخرى من القتلة المتطرفين قائلا.. ( حيا الله بعض مجاميع أنصار السنة .. وفي طليعة هؤلاء جميعاً أبطال وفرسان القاعدة والدولة الإسلامية ( داعش ) مني تحية خاصة ملؤها الاعتزاز والمحبة ) . وأكد أن اتهام من وصفهم بـ (المسلحين) بالإرهاب غير صحيح .. و تباهى .. إن نصف العراق بات خارج سيطرة الحكومة و إن ( تحرير بغداد بات قاب قوسين أو أدنى ). . ودعا في الخطاب ذاته .. المشتركين في العملية السياسية الى التبرؤ منها..

    جاء هذا الاعتراف العلني الصارخ في لجة المخطط الذي اسفر عن سقوط اكبر مدينة عراقية بعد العاصمة بغداد.. بسهولة ويسر في قبضة ارذل المجرمين في عصرنا الراهن.. بعد ان تواطأت وتداخلت عدة منظومات اجرامية هي :

    1ـ منظومة الاجرام العالمية

    2ـ منظومة الاجرام الاسلامية

    3ـ منظومة الاجرام البعثية

    لتسفر عن أحداث دراماتيكية سريعة المنحى والتطور اذهلت المراقبين.. ابتداء من تشكيل واعلان دولة الخلافة الاسلامية ـ داعش في 9 مايو/ايار 2013 من اندماج "الدولة الاسلامية في العراق" وفرع القاعدة في سوريا "جبهة النصرة" لتشكيل "الدولة الاسلامية في العراق والشام.."

    التي سيطرت قواتها الاجرامية على مدينة الفلوجة في الرابع من كانون الثاني 2014.. وهي مركز  قضاء كبير على بعد 43 ميلا غرب بغداد.. لتصبح مركزاً مهماً للسيطرة والتوسع لاحقاً.. بالتوازي مع سقوط مدينة الرقة السورية بيدهم.. بعد اقل من عشرة ايام فقط.. في 14 كانون الثاني 2014 .. لتعلن كمركز ومقر مستقل للقيادة فك ارتباطه التنظيمي بالقاعدة.. 

    كما صرح واعلن ايمن الظواهري في الثالث من شباط 2014 .. ان لا صلة لهم بالجماعة التي اعلنت  عن تشكيل الدولة الاسلامية في العراق والشام .. ولم يجري استشارة قادة القاعدة في تأسيسها..

    في ليلة 910 من حزيران 2014.. دخلت قوات التنظيم مدينة الموصل العراقية بعد انسحاب وفرار الجيش العراقي والقوات الكردية والمحافظ بشكل مخزي تاركين خلفهم كميات كبيرة من الاسلحة والذخائر وأرصدة مالية كبيرة في البنوك استحوذ عليها الدواعش بالكامل..

     بعدها بيوم واحد، لا بل بساعات محدودة فقط  .. دخلت قوات دولة الخلافة الاسلامية مدينة تكريت في الحادي عشر من حزيران بمساعدة وتنسيق علني ومكشوف مع البعثيين واقرباء صدام حسين المرحبين بالدواعش .. ليجري بعدها في 29 من حزيران الاعلان عن اقامة "الخلافة الاسلامية" وتنصيب زعيم التنظيم البغدادي "خليفة للمسلمين" وحذف كلمتي العراق والشام من اسمها والغاء الحدود بين العراق وسوريا وفقاً لتسجيل مصور للناطق باسم التنظيم ابو محمد العدناني..

    بعد اقل من اسبوع في الرابع من تموز.. ظهر البغدادي في الموصل خطيباً للجمعة ليعلن من مسجد النوري وسط اتباعه عن اقامة الخلافة وتنصيبه خليفة للمسلمين حسب قوله ..

    وبعد أيام معدودة في الثالث من آب دخلت مجاميع المجرمين لتقتحم مركز قضاء سنجار وتوابعه لترتكب ابشع جرائم العصر بحق الايزيديين .. تلاها بأيام اكتساحه لكافة  قرى ومدن سهل نينوى ابتداء من قضاء قره قوش ـ بخديدا وناحيتي برطلة و كرمليس ومجموعة قرى الشبك ومن ثم ناحية بعشيقة وقرية بحزاني و مركز قضاء تلكيف وناحية تللسقف في السادس من آب وأصبحت قوات دولة الخلافة الاسلامية على مشارف اربيل..

    حدث كل هذا في زمن قصير لا يتعدى السنة في سياقات الحروب وحصار المدن والمعارك التي دارت بين الدول والشعوب المتقاتلة والمتصارعة.. ولا يمكن مقارنته بنتائجها وملابسات معاركها بأي شكل من الاشكال كما عرفنا وسمعنا من احداث التاريخ القديم والمعاصر ..

    لتفكيك الغاز ومسار هذا الحدث الجلل لا بد أن نستذكر ما جرى في عهد حزب البعث في السلطة واطلاقه ما سمي بالحملة الايمانية التي اعلنها صدام حسين.. وكان من اولى نتائجها.. التوجه الحثيث للكشف عن الوجه الاسلامي للحزب .. والسعي لخلق مجموعة كبيرة من الائمة ورجال الدين من البعثيين .. تجاوز عددهم وفقاً للمعلومات والوثائق التي جرى تداولها بعد سقوط النظام.. اكثر من (4000) الاف مؤذن وفقيه وسفيه .. الخ من تسميات لهؤلاء .. شكلت حثالة دينية ـ سياسية في المجتمع.. جمعت لأول مرة ودمجت عناصر الأمن والمخابرات واعضاء في الحزب في قوام مؤسسة دينية خاضعة لمشيئة الدولة والحزب.. واصبحت جزء لا يستهان به من مؤسسات الدولة الفاشية المبرمجة..

    وكان لهذا التوجه الخطير تأثيراً لا يستهان به في تقوية وتعزيز التوجهات الاسلامية للعديد من المنتسبين لحزب البعث الذين لديهم ميول دينية.. من ابرزهم عزة الدوري.. الذي مارس الدروشة     و بقي محتفظاً بتزمته الديني وتجنب مصافحة البعثيين من غير المسلمين .. بمن فيهم اعضاء فروع في حزب البعث كما ينقل عنه..

    وايضا لا بد وان نستذكر ما اعلن عن ميشيل عفلق بعد وفاته في باريس بتاريخ  24/6/ 1989 من قبل صدام حسين، والكشف عن اعتناقه للإسلام وتغييره لاسمه ليصبح ( أحمد ميشيل عفلق ) كما خط على شاخص قبره.. هذه وتلك البدايات التي خضع لها البعثيون في السلطة تزلفاً او عن قناعة دينية..

    يجمع بينها فيما يجمع من مفاهيم بين حزب البعث والدين الاسلامي من مشتركات تتمثل بتعظيم العنف وتقبل القسوة والاستعداد لارتكاب الجرائم بلا حدود .. و تحدثنا عن جذور علاقة حزب البعث بالإرهاب فيما سبق ولا نحتاج لإعادة التذكير بها.. ويمكن اكتشافها من قبل المتابع لمخلفات عفلق كما هو الحال في هذا النصوص المقتبسة من كتاباته البائسة.. ابتداء من محاضرته التي ألقاها على مدرج جامعة دمشق سنة 1943 بعنوان ( ذكرى الرسول العربي) ..  و سلسلة أحاديث له بعنوان.. (البعث والتراث) نظّر فيها للتقارب مع الإسلام، ليس فقط من ناحية تاريخية ولغوية وحضارية، بل كذلك من ناحية دينية. عقائدية.. زاد من عيار التقرب من الإسلام..  نقتبس منها:

    ( يجب أن تتحد الصلاة مع العقل النير مع الساعد المفتول، لتؤدي كلها إلى العمل العفوي الطلق الغني القوي المحكم الصائب )..

    ( أن يقظتهم القومية اقترنت برسالة دينية، أو بالأحرى كانت هذه الرسالة مفصحة عن تلك اليقظة القومية)

    ( لسوف يجئ يوم يجد فيه القوميون انفسهم المدافعين الوحيدين عن الإسلام ويضطرون لأن يبعثوا فيه معنى خاصا إذا ارادوا أن يبقى للأمة العربية سبب وجيه للبقاء )..

    ( ان الإسلام بالنسبة إلى العرب ليس عقيدة أخروية فحسب، ولا هو أخلاق مجردة، بل هو أجلى مفصح عن شعورهم الكوني ونظرتهم إلى الحياة، وأقوى تعبير عن وحدة شخصيتهم التي يندمج فيها اللفظ بالشعور والفكر، والتأمل بالعمل، والنفس بالقدر. وهو فوق ذلك كله أروع صورة للغتهم وآدابهم، وأضخم قطعة من تاريخهم القومي، فلا نستطيع أن نتغنى ببطل من أبطالنا الخالدين بصفته عربيا ونهمله أو ننفر منه بصفته مسلما. 

    قوميتنا كائن حي متشابك الأعضاء، وكل تشريح لجسمها وفصل بين اعضائها يهددها بالقتل فعلاقة الإسلام بالعروبة ليست إذن كعلاقة أي دين بأية قومية. وسوف يعرف المسيحيون العرب ، عندما تستيقظ فيهم قوميتهم يقظتها التامة ويسترجعون طبعهم الأصيل، أن الإسلام هو لهم ثقافة قومية يجب أن يتشبعوا بها حتى يفهموها ويحبوها فيحرصوا على الإسلام حرصهم على أثمن شيء في عروبتهم. واذا كان الواقع لا يزال بعيدا عن هذه الأمنية، فإن على الجيل الجديد من المسيحيين العرب مهمة تحقيقها بجرأة وتجرد، مضحين في سبيل ذلك بالكبرياء والمنافع، إذ لا شيء يعدل العروبة وشرف الانتساب إليها )

     ونقل محمد عباس في نقده لكتاب الدكتور محمد عمارة عن عفلق قوله: لقد أعلن ميشيل عفلق في خطاب مذاع: (إنه كان يحب الإسلام كثمرة لحبه للعرب.. أمّا الآن، فلقد أصبح الحب للإسلام.. وما العرب إلا أمة الإسلام.. وما العروبة إلا ضرورة لنصرة الإسلام ..!

    وبدافع من الحب للأمة العربية، احببنا الإسلام، منذ السن اليافعة. و بعد أن اقتربنا أكثر من فهم الإسلام، أضحى حبنا لأمتنا يتلخص في حبنا للإسلام، وفى كون الأمة العربية هي أمة الإسلام )..

    وعن عواد ناصيف العضو الاحتياط في القيادة القومية نقل: ( أن عفلق أخبره أنه قرأ كتابا للكاتب الإسلامي محمد حسين هيكل عن بعث الأمة فكان حزب البعث..! )

    دون ان ننسى أن عفلق كان جاراً ملازماً لعدنان سعد الدين المراقب العام الأسبق لجماعة الإخوان المسلمين السوريين اثناء وجودهما في بغداد في منزلين متجاورين..

    وسنكتفي بما قاله شريف حلاوة الأمين العام المساعد لحزب البعث التقدمي الأردني عنه.. ( عندما نعود لكتابات عفلق نجد أن حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين لم يكتب عن الرسول كما كتب ميشيل عفلق ) ..

    هذا عن الجذور والمنابع الفكرية للبعث الداعشي .. استكمالا للبحث سنتوقف في الاسطر القادمة عند البيئة الجغرافية الحاضنة للعنف المنفلت.. المنتجة للقتلة و المجرمين .. التي ما زالت ترفدنا بسيول من الدماء الناضحة من الضحايا الابرياء..

    ـــــــــــــــــــــــ

     صباح كنجي

    3032019 

    ـ  تنبيه.. لم استطيع من نشر هذه الحلقة في الحوار المتمدن .. بسبب حضر النشر مؤقتاً.. من جهة دخلت على رابط موقعي في الحوار المتمدن.. وبالتأكيد انها الجهة المنزعجة مما ورد في الحلقتين الماضيتين ..   

    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media