رأينا في العدل/ الجزء الأول
    الأثنين 1 أبريل / نيسان 2019 - 20:24
    آية الله الشيخ إياد الركابي
    الكلام  عن  -  العدل  -  والبحث  فيه   بحد ذاته   مُخاطرة  وأيةُ مخاطرة  لذلك  يستوجب  البحث فيه  وعنه  المزيد من الحذر والدقة  والتأني   ،  لأن البحث هو   رحلة  في الكشف  عن خبايا  المادة  وعن مفهومها ومعناها  ،   في ظل التناقض والتساؤل والتفاوت الغالب في الحياة وفي الطبيعة والمجتمع  ،  كما إن الكتاب المجيد  لم يُقدم لنا أسماً لهذه المادة  ولا مصدراً  لها   ، إنما  ترك المجال  لنا  للإشتقاق والتوظيف من  الصفة  والفعل  ودعانا للتعامل  معاهما   ،  ولهذا  تبدو مهمتنا  ليست سهلة  فيما لو أتخذنا  أحكاماً  أو أستنتجنا  قواعداً  نبني عليها    ،  وبما إن الجدل المعرفي  يدور حول   المضمون الفلسفي و الكلامي   ،  وما يشتق منهما  من معاني  وتراتبية  وأحكاماً   .
      إن الإفتراض  القائل  إن العدل  منهج  في البحث الكلامي   ، إفتراض صحيح  هذا  إذا نظرنا للأمر من وجهة  ماهو بالفعل  من سيادة الكلامية  وسطوتها  في الأصول والفروع الدينية المُتبعة    ،   وفي الكلامية أيضاً نتج القول التالي  :  (   إن الصفات  عين  الذات  )  ،  وجر هذا القول ليكون  أساسياً  في  بعض المدارس  ،  وليُقال  :  -  إن الصفات  هي الأسماء حين تُنسب إلى الذات الإلهية  -  ،  جاعلين من هذا القول   أصلاً كلامياً  يساوي  في درجة المعنى  والقيمة  له  بين  التوحيد والمعاد  ،  وتداركاً  من الخشية  المعرفية تبنوا  مقولة  -  اللطف  -  كمبدأ  وكهبة من الله   ،  والحق إن هذا التدارك  ليس دقيقاً  ولكنه صار غالباً بفعل  (  الكلامية السياسية  )   وليس الكلامية العقلية أو المنطقية   ،  ومن هنا كان لا بد من التوضيح والبيان  فثمة ما يحتاج للتصحيح والموافقة بين عالمي التكوين والتشريع  ، والمزج بينهما والتأسيس على ذلك واحدة من المخاطر التي سننوه عليها في تلابيب البحث ..
    ولكن ما معنى العدل  ؟
    وللجواب  نقول  :  العدل  في  اللسان  العربي  يأتي بمعنى  : -    ضد  الظلم  -   ،  قال تعالى : - [  وإذا  حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل .. ] -  النساء 58   ،   وقال تعالى  : - [  وإذا قلتم فأعدلوا  ]  -  الأنعام  152  ،  ومنه  قيل   هو  :  (  القصد  في الأمر  )  -  ،  قال أبن منظور :  - والعدل ما قام في النفوس أنه مستقيم   - ،   أي إنه  (  غير ذي عوج  )  وإلى ذلك أشار  إلى مفهوم التسوية والتعديل    بقوله  تعالى : -  [ هو الذي خلقك فسوآك فعدلك  ]   -  الإنفطار  7    ،   ومنه الإعتدال والمساواة  بل وحتى    الوسطية   ،  في إشارة إلى  قوله تعالى : -  [   وأقصد في مشيك وأغضض من صوتك ..  ]  -  لقمان  19   .
    وجاء في الأثر قوله   : -  وأما العدل فهو وضع الشيء في موضعه  -  ،  من غير تقديم ولا تأخير ولا زيادة ولا نقصان    .  
        ولم  يرد  اللفظ   في الكتاب المجيد  بصيغة  الأسم  أو أسم الفاعل     -  عادل  أو العادل   -  كما  هي العادة الجارية   في أسمائه الحسنى الأخرى  التي نقرئها في الكتاب   ،  ولكن  ورد  اللفظ  في  صيغة   الفعل  -  أعدلوا  أو تعدلوا -   ،  و في   صيغة  الصفة أو الصفة  المشبهة  على نحو  -    العدل  أو بالعدل  -  ،    ،  واللفظ  لا  يكون أصيلاً   إن لم يكن  مصدراً  والمصدر أبلغ   في الدلالة وفي التعريف   ،   قيل  :  ومن  العدل  أشتقت  العَدالَةُ   والتي  هي  :  -   ملكة  جامعة  إن حصلت  للفرد فيكون  المتصف  بها  أو الموصوف  جامعاً  للفضائل والقيم  -   .


      أقول  :   ولا يبعد  المفهوم  اللغوي  للعدل    عن  المفهوم  الإصطلاحي   كثيراً   ،  وفي المفهوم  العام أعتُبر   العدل   من  المبادئ الوجودية  السامية   ،  لأنه  يُحصن  الفرد  والمجتمع   من الظلم  إن عُمل به    ،     ومن  خواصه  إنه  لا يكون  متعيناً  العدل  ليست  بفرد خاص  من أفراد  عالم الوجود   دون سوآه  لكي يكون معلوماً   ،   بل  هو  يفيد العموم   سواء  في معناه   أو في تطبيقاته      ،  وإن كان  اللفظ  لم يرد  مباشراً في عالم التكوين  ،   وإنما وردت  الصفة المتبوعة  على نحو  إشتقاقي   كما  في  قوله   تعالى  :  - { والسماء رفعها ووضع الميزان }  - الرحمن 7   ،    ويُفهم   منه   إن  لفظي    -  رفع  و وضع   -   أتيآ  في السياق    دلالة  وإشارة   على  حالتي  التوازن و التعادل  في  نظام الكون والطبيعة  (  وهو مقتضى العدل ) في  الصفة والفعل    ،   والتوازن والتعادل    شرطين موجبين  ومسبقين   في صحة  النظرية الفيزيائية  المادية  للكون   ،  وعلى هذا  ورد  التأكيد  في سياق  الأثر  قوله   : -  (   بالعدل قامت السماوات والأرض )  -   أنظر التفسير الكبير للرازي ج 5 ص  346   ،  والقياس  في  ذلك  يشبه  كثيراً  ما  بُني عليه  عالم التشريع  حسب  قاعدتي  (   الحقوق  و الأولويات  )  .
      
    وأصل  القياس   هذا   (  مبدأ الخاصة  الذاتية  )   ،    وهو  مبدأ  فلسفي  أقيم على أساس  قاعدة  التقابل  بين  الوجود  والعدم    ،   و منه جاء  قياس البرهان  عن   مبدئي الخير والشر   ،
      وقد آمن بذلك  مثاليوا الفلسفة الأغريقية القديمة    ،  فهذا  بوليمارخس  مثلاً  قد عَّرف  حد العدالة    بأنه   :  (   ما  يرد للإنسان  ما هو له   )   ،    ولكن ماذا تعني عبارة   -  ماهو له  -   هل  تعني المتعلق  بتمام الحق  لكي يُرد إليه    ؟   ،   أم   إن  المُراد  به  ما يُرد إليه  من   كل الحق   ؟    ،  أو إنها تعني  طبيعة الحق  من حيث هو أو  المتوقف على طبيعة العلاقة بين المتعاملين   ؟   .
       وصيغة   -  بين المتعاملين  -   وردت في سياق الإشارة للنقيضين    ،   (  الأصحاب   و  الأعداء  ...  الأخيار  والأشرار  )  .. وهكذا      ،   ولفظ   الأصحاب   في  صيغة  الأسم  الفاعل   وردت   من صحب   ،  والدالة  على معنى     (  الخاصة  )  كأصحاب الجنة  في قوله  تعالى  : - (  .. ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم  .. )  -  الأعراف  46    ،   وأصحاب  الحجر   في قوله تعالى  :  -  (   .. كذب أصحاب الحجر المرسلين  )  -  الحجر 80   ،  إذن   فالوصف يحتمل الإيجاب  ويحتمل السلب    ،   (   وقيل  الأصحاب بالألف واللام  هم  خاصة الرجل  الذين  يعتقد  فيهم  الصلاح والأمانة  )    ،   والجمع  المُحلى  -   الأصحاب  -  لغةً  يُراد به   العموم      ،   وأما  الصحبة   من حيث هي هي فلا تدل  على الصلاح والأمانة  ،  لأنها في  الأصل تدل على    مجرد الرفقة  في المكان أو في الطريق  وخلافه  ولمدد متفاوتة     ،  وهذا الأصل يبطل  ما ذهب  إليه   الخبر  التالي    : (  أصحابي كالنجوم  بأيهم أقتديتم أهتديتم  )   من الحجية والإعتبار   ،  وبنفس  الإعتبار   يبطل   الرأي  القائل       -  عدالة الصحابة  -   .
    ولو سلمنا جدلاً   في صحة  شرط     -  الأمانة والصلاح    -  فهذا  لا يكون   من الملازمات الذاتية  لشخصية الصاحب  ولا يعني      ، والتسليم  بهذا   يقودنا    للقول  (   بعصمة الصحابة  )    وهذا خطأ بيَّن   ،  لأن ذلك يترتب  عليه    :  -  أن   يكون لهم  ما لا يكون لغيرهم   -    ،   وهذا التوجيه  مغالطة منطقية وعقلية  ،  ثم إن  إطلاق  مفهوم  -   العدالة   -    على  جماعة  من  الناس  بعينها   ،   سيؤدي  حتماً  إلى  توالي فاسدة   وهذا ليس  من العدل المحكي عنه     ،  كما إن  الإيمان بذلك  يجرنا  إلى مضرة  أكبر   ،  تشمل الجميع  حتى  الصالحين  منهم    . 
       ومن أجل  تصويب  المعنى  نقول   :   (   إن من البداهة   إنتفاع  الأصحاب الأمناء والصالحين   من العدالة    )    ،   ولكن ما أهمية  هذا  التقسيم الإيحائي   للناس إلى صالحين  وأشرار  ؟    ،   طالماً   نعرف  إن ضرره  سيكون  أكثر من نفعه   ،   والمبالغة  بالتقسيم  وفقاً  لذلك الإعتبار  سيجعل من  الأشرار  أكثر شراً   ،   وهذا ضد  العدل   ..
        
       ولكن  ماذا لوكان   العدل  في خدمة  الأقوياء   ؟    .
     
       الأقوياء  :  جمع   قوي   وهو جمع مُحلى   ،  ويصح  في الوصف مبالغة  وتفضيلاً  على أساس  الكثرة  في القدرة والنفو ذ       ،  ودلالة معنى  -  الأقوياء  -  مختلفة   بحسب الوضع   الزماني والمكاني  :
    فمنهم  من قال    :   -  هم  رجال السلطة والحكم  -    .
    ومنهم من فال  :  -  إنهم  رجال المال والثروة من أصحاب البنوك والشركات الرأسمالية - 
    .
        وهناك من   قال : -  إنهم المرتزقة من  رجال  الدين والكهنة  والوعاظ  -      - .
     
       والحق  يمكننا إعتبار  هؤلاء  جميعاً   ، المؤتلفين ضمن  هذا  الحلف  الثلاثي  القائم   بين  -  رجال  المال ورجال  الحكم  ورجال الدين      -   فهؤلاء  هم أهل السطوة والنفوذ    ،  والعدالة  في  أغلب المجتمعات    قد  جُعلت  من أجل هؤلاء  و من أجل تحقيق مصالحهم      ،    أقول هذا   من وحي هيمنة   هذا  -  الحلف الثلاثي  -   على  صناعة القرارات والقوانين  وتنفيذها   (  فهم   من يصنعون القوانين وهم من ينفذونها  )     ،   بحيث  يكونون  هم جهة الإدعاء والحكم وجهة الدفاع  في آن معاً    ،  أي  هم  الجهة الممثلة  للعدالة  والناطقة بأسمها     ،   ومتلازمة   -  الحلف الثلاثي  -  موجودة  على طول الخط  في الماضي والحاضر (  وفي قصة فرعون وهامان وقارون خير مثال )   ،  والمُشار إليها  بهذا  التعاون والعمل المشترك  بين هذه الفئات     ،    وعالمنا  يشهد إن الحق  يدور مع  رأس المال  حيثما دار  إيجاباً  أو سلباً   .
      هذا  القول  يقودنا  للتعرف  :  عن مدى خطورة  هذا التوصيف   ،   الذي  يجعل  من  الناس خدماً  وعبيداً   لهذا الحلف  فتفقد العدالة مضمونها ومعناها    ،  فالحكومة بكل تفاصيلها   ليست مقدسة ولا معصومة   أو إنها  لا تفعل ولا تقوم  بأفعال  ليس فيها خطأ   ،  وليس هناك   حاكماً    في الأرض   لا يخلط  في  قضاياه  و رغباته  الخاصة وبين  حاكميته  ؟   ،  ولا توجد  حكومة   في العالم    تسن  القوانين  دائماً   لمصلحة الشعب    ،   كما إن المشرع  وجهة التشريع   فيها  ليست مقدسة   لدرجة  بحيث  لا يجوز  عليها الخطأ   ،  وفرق كبير بين تشريع القوانين وسنها  وبين مفهوم الطاعة ودواعيها     .
    وفي هذه  الفقرة بالذات   ذهب بعض من  فلاسفة  الإسلام  مذهباً  مثالياً  ، حين جعلوا من فن الحكم  مقدساً في ذاته   مما يستوجب الإنقياد إليه   وطاعته  ،  يأتي هذا  من معنا  مثالي  يدور في فلك  (  إن الحكومة  إنما تقيم أحكامها  تبعاً لمصالح المحكومين  جميعاً  )    ،  حسب  نظرية الراعي والقطيع  وهي نظرية موغلة في القدم ، وهي قائمة بالفعل على ما يقوم به الحكام   ،  حتى شاع  في التاريخ الإسلامي  ذلك القول  السيء  عن معنى  إطاعة الحاكم   : -  [  وإن  ضرب ظهرك  وأخذ مالك ]    -  !!  ،  فالضرب والتعدي هنا حرره الفكر المثالي  تحت بند المصلحة  ،  في الحماية والأمن والإستقرار والنظام  ،  وقالوا :  -  يكون التعدي  أفضل وأنفع  من العدالة  -  ،    حال تكون العدالة تضييع للحقوق  .
    ولكن  هذه  الفكرة السلبية  والتي تبرر الظلم   ،  تذهب مذهباً  في جعل المصلحة مرتبطة بهذا الحاكم ،  وكأن الحاكم هو من يهب للناس الرزق والعيش والحياة   ،  ناهيك عن أن الضرب ليس فيه مصلحة  ،  ولا دليل على أن الضرب من حيث هو عمل يرتبط بإستتباب النظام والأمن  ،  والفكرة  وردت مجردة  من ضميمة مفهومية  تقول :   (  إن أصل تولي الحاكم للحكم لم يكن بإرادة شعبية ،  إنما كان بالغلبة والسيف والقهر  )   ،  فكيف تصح طاعته والتسليم لأحكامه  ؟   .
    إن مفهوم الدمج  بين  العدل والظلم   تحت مسمى  (   العدالة فطرة صالحة  والتعدي  سياسة حسنة  )  ،  ذهبت بنا  لتبني مقولة  -  العادل المستبد -  التي ظهرت لدى   فئة من الإنتهازيين والوصوليين المروجين  والمبررين لغلظة حكم الخليفة عمر وشدته المفرطة   ،  التي بررها القوم على أنها بمثابة العدل  الذي ينصف الجميع ،   فأستخرج من فمهم  كلاماً يقود إلى معنى قولهم :  (  إن الظلم بالسوية عدل  )    ،   وهذه  محاولة لخديعة الناس في جعل ما يفعله الظالم  إنما هو في سياق العدالة العام  .
    تدعي الميثولوجيا  الدينية  إن  خدعة الظالم  هذه تأتي من  خلال التبرير الطوباوي عن جهات العدل الأربعة  ، معتمدين على تمويه مرده إلى القول التالي : -  إن كل  ذي فن قادر على غلبة غيره فيه -  ،  والغلبة من جهة الوعي وجهة تحريك الدلالات في غير محلها  (  كالخدع  البصرية  التي تنطلي على  غير  أهل  هذا الفن  )      ،   فالمروجين  لفكرة  -  الظلم بالسوية عدل  -   هي  محاولة  منهم  لتغرير الصالحين قبل  غيرهم    ،  وهي محاولة ديماغوجية   يظن أصحابها  إنها ستنتج   مفاداً  وتقريراً   على هذا  النحو : -   (  إن الفكرة   في  حد  ذاتها    عدل وصلاح وحكمة )   -  ،   وبناءاً عليه  يكون  المُخالف  الذي  في الطرف الأخر جاهل وشرير ومعتدي   ،  وبهذا يتم التبرير للأعمال الشنيعة والفظيعة  كقول البعض منهم   :  - (   قُتلَ  الإمام الحسين بسيف جده  )   ،   وهذا الوصف  يعتبرونه  من قبيل   درء  للفتنة  تحت مظلة  درء الإنقسام  والنزاع  وحفظ النظام والإستقرار     ،   وهذه  السفسطة  التاريخية  أعتبرت  نوعاً من العدالة   التي  تحقق الوئام  والإتساق   ،  وبنفس الدرجة  أو بطريقة اللاوعي  تقضي على كل توجه من شأنه  حتى السؤال عن فداحة العمل وبشاعته   .
    يأتي هذا  في تحد واضح  للعقل  وأحكامه  وحدوده  الحسيَّة  والمرئية    ،   والعقل بطبيعته  أو بما هو هو  لا يعتبر العدالة   قائمةً  في الأساس على   تبرير عمل الحاكم  أو تبرير عمل  المريدين له   ،  بل العدل  هو  -  ما يتسق  مع   طبيعة  الواقع أو طبيعة الحقيقة  بحسب وضعه الأصلي  -  ،   ومنه  يظهر أن التوجيه  الذي تبنته  جماعة الحكم   لا ينفك يخرج  عن طبيعتها  المادية تلك  ونظرتها ،   والتي هي الوجه الأخر للظلم   ،  فالتركيز منهم على تبرير الظلم على أنه عدل  لا يحقق المصلحة إلاَّ في نظر المتبنين ولفترة محددة تنتهي بإنتهاء المنفعة  ،  والتأكيد على  المنفعة أو المصلحة  لا يمثل منطق الحق  من الوجهتين الطبيعية والمكتسبة   ،   وقياس ذلك على تمام مراحل التاريخ  قياساً باطلاً    ينتهي إلى الإعتراف بالعجز  وعدم القدرة في مواجهة الظالم والظلم   .
    فإن قلتم   : -  هذا   مقتضى السياسة   التي  تعتبر  الحق  متعلقاً  بالحاكم  -   .
    قلنا    : -  إن هذا الإقتضاء   قهري  ولا أساس له  سوى كون  الحاكم   يمتلك  القوة  ،  وهذا ما  يجعله  فوق القانون والعدل  -  .
    وهذا القول الإفتراضي منهم   يجرنا للإعتراف  بالفوضى  كمنفذ  للحق  ،  وبالتالي  الإستسلام لهذا  المنطق  فتفقد العدالة   قيمتها  و معناها   ،   ومن أجل  إقامة  التوازن  لا بد  من الإشارة إلى هذا الخلل  في الفهم   ،  وهذا هو الجانب الأول  أو  المُقدمة  في الموازنة   بين العدل والظلم  وحدودهما   .
    لقد عجز  أنصار   تلك  الفكرة   في  التبرير  لما يفعله  الظالم  ولم يجدوا  الجواب الشافي   ،  وكذا  لم يجدوا   تلك  الدرجة  التي تؤهل  التشريع  ليكون  منسجماً   مع  هذه  الفكرة  اللامنطقية  وتوابعها    ،  من هنا  نقول  :  -  لا يصح   أبداً  إدراج  الأقوال أو الأفكار  التي تروج  أو  تخدم الحاكم   ،   ولا يصح  إعتبارها هي العدل أو من العدل   أو  أنها  المعبرة عنه ،   لأن تلك الأفكار والأقوال   توازي ما  تتبناه  -  المثالية  الكلاسيكية  -  المستسلمة   والتي تؤيد   الخنوع  بحجة الحفاظ على الأمن والنظام  ،   حتى لو أعتبرنا   هذا  التوجه  أو هذا  التفسير منها   زمني   لكن الشيء المهم إن  فيه  الكثير  من الإلزام  والخضوع  الممنوع   .
    ومن هنا نُعيد  التأكيد  من جديد   والقول  : -  إن العدل  لا يكون صحيحاً حين يجسد إرادة الأقوياء  -   ،  ولا يكون  صحيحاً  كذلك  حين  يكون لمصلحة الأصحاب والأقرباء   ،  لأن في ذلك  التوجه  أو الإيمان  شياع للظلم في مسمى جديد  ، وإقتراحات بعض الفلاسفة المثاليين الكلاسيكيين  ليست على مايُرام   ،   ولا ينبغي إعتمادها أو الأخذ بها  كما لا يجب تبرير مقولات أهل الفقه التراثي في ذلك  ،  فثمة خدوش كبيرة في متبنيات الطرفين   ،   وثمة تماهي  وسيرورة  واضحة  مع إرادة  الحاكم   مهما كان   وحاشيته   مهما تكن   ،  وهذا  هو الظلم المنهي عنه  ،  وأما العدل فحقيقته  وأساسه ومعناه  هو  في  وضع الشيء في موضعه  .
     
    العدل الإلهي  :
    في البداية   نسأل   هل   الله  عادل  ؟   ،   ثم   لماذا  نفترض إن الله عادلاً   ؟ 
    وللبيان  نقول  :   لم يرد   لفظ  -  عادل  -  لا أسماً  ولا مصدراً    في الكتاب المجيد  مطلقاً  ،  ولكن الذي  ورد    هو  صيغة  الفعل  و الصفة   ،   واللفظ  في  كليهما  ورد في  باب  التشريع  والقانون   و بصيغ  (  أعدلوا   و   بالعدل  )  وغاب  الأسم  وأسم الفاعل  والمصدر  ،  وهذا  يقودنا  للكلام  عن أو  في أصل  التكوين  والخلق   ،   وفي هذا الأصل  نقول  :   هل كان هناك قيداً  أو مانعاً   يمنع  من ذكر  الأسم   ؟  ،  وإذا كان موجوداً  ،   فما   هو   وما  نوعه    ؟   ،   والسؤال عن الماهية والنوعية  في معنى القيد   ،   يقودنا للجواب الذي  ورد  تحت معنى   (  آية  أو  آيات  )  كدليل  غير مباشر لعدم الذكر ،   وهذا يعني إن التساوي  في الخلق  ظلم    ،  ولذلك جعل الإختلاف  سُنة طبيعية لتوازن  الكون  والحياة   ،  لذلك كان   من مقتضيات  صحة نظام الطبيعة  هو  رفع حالة التساوي  في  طبيعة الخلق ،  لا في الفئة الواحدة ولا في الفئات المتنوعة  ولا في الفرد الواحد ولا في الأفراد الأخرين   ،  ومن ذلك أستلهم  الفقيه  والكلامي  هذا المعنى  ووظفوه  في أبحاثهم    ،  فأهل الكلام مثلاً  أعتبروا   : - (   وجوب  العدل  على الله  )  -  !!   ،    وهذا الإعتبار منحاز للسياق  ولطبيعة الله  المعنوية  ،  ولكن  كيف يكون ذلك ولماذا  ؟ 
    أي كيف يكون  العدل واجباً  على الله   ولماذا  ؟   ،   يأتي  هذا  في سياق  المُتبنى  عند   أهل الكلام  في قولهم  بوحدة   الأسم والصفة    ،   ولكن  الإعتبار  منهم  أُخذ  من  معنى  الصفة   ،   وكما قلنا  لا  يميز الكلامي   في  الدلالة   بين  الصفة  والأسم   ،   ومهما يكن اللفظ فيكون دالاً على الأخر   ،  نفهم هذا  من مقولتهم الشهيرة   والقائلة  : -  إن أسمه عين صفته  ،  وصفته  عين أسمه  -  ،   في الإشارة  والوصف  إلى الله   ،  مع إن  هذه  المقولة ليست بيانية بدرجة   ،  ولكنها  إلتفاف وإجابة من بعيد  (  على هكذا موارد قد يسأل فيها سائل  )   .
       ولكن كيف يكون العدل واجباً  ؟   ،  والجواب   :  إن الوجوب  ليس بما نفهمه  من المعنى السلبي  المُلزم   ،   ذلك إن الله ليس محكوماً  ولا تابعاً  للغير بالفعل ولا بالقوة ،  ولكن الله لما سمى  نفسد   -  الرحيم  -   وعرفناه  كذلك  ،  قلنا  هذا  :  من باب إشتقاق المعنى التضمني  لمفهوم الرحمة   ،   والذي  بمقتضاه    : -   لا يظلم عند الله   أحدا  -  ،  وبناءاً  على هذا المقتضى   يكون  الله  -  عادلاً -  ،  قال تعالى  :  [  كتب ربكم على نفسه الرحمة ] -  الأنعام  154  ،  ولفظ كتب   يدل  على الوجوب  وقد مر  بيانه  في معنى الوصية والميراث  فلا نعيد  ،  ويكون المعنى المُراد  :  -  (    أوجب ربكم  على نفسه الرحمة )  ،  أو بتعبير أخر : -  (  إن الرحمة  واجبة  على الله   )  ،  قال تعالى : -  [  وربك الغفور ذو الرحمة .. ] -  الكهف  58   .
    ولكن مامعنى عدم  ذكر  أسم الله  (  العادل  )  ولا أسم  الصفة  (  العدل )    في عالم الخلق والتكوين   ؟ 
     مع أن المفروض  أن  يكون الأسم والصفة موجودان  في عالم الخلق  والتكوين  ،   حتى لا يدع مجالاً  للشك  أو  إتهام الله  فيما صنع وخلق وسوى  ،  ونحيل أوراق  هذه  القضية  والكلام   فيها   لمعنى الإختلاف الموجود  في اللسان واللون  ،   وتعلمون  كم  أصاب  بعض  القوم  من هذا الإختلاف  ضرر ومخمصة  أدت إلى  شعور البعض   بالضعة والضعف ،  بل وأدى ذلك  إلى إحتقار الغير لهم وإستعبادهم  ،   فهل هذا التفاوت يدخل  في صحة  معنى  قوله تعالى  : -  [  .. وإختلاف ألسنتكم وألوانكم ، إن في ذلك لآيات للعالمين  ] – الروم 22  ، 
      
     تدعي  المثالية  :  -  إن  ساحة العدل الإلهي  من السعة  بمكان  بحيث لاتدع مجالاً  لإتهام الله  فيما صنع أو خلق أو شَّرع  -   ،  أي إنه  لا يمكن إتهام الله  في خلقه  لبعض الكائنات  ،  وجعلها  متفاوتاً  باللون  واللسان   من جهة   ومن  جهة  جعلها متفاوتاً  بالعلم ودرجة الإستيعاب  ومن جهة  الرزق   ،  ولعل الكتاب المجيد أدخل هذا  التفاوت  في المعنى التكاملي للحياة  ،  إذ  بدون ذلك يتعذر العيش  والحياة   عبارة  (  آيات الله  )   ،  أي إن هذا التفاوت والإختلاف  هو من آيات الله  المرتبطة بالخق والتكوين       ،  وليس لمعنى الآيات  مجالاً  في عالم التشريع  والقانون   ،  ومن هنا  فالربط   الموضوعي  بين  الإختلاف والآيات   يرتبط حصراً بعالم التكوين    ،  وفي هذه  بالذات  لا يعد الإختلاف    ظلماً  بل هو عين  العدل  ومقتضاه   ،  فالتساوي في الخلق  في عالم التكوين   يفقد الحياة معناها   ،  ويفقدها هذه الصورة  الجميلة التي هي عليها الآن   ،  والإختلاف   وفق هذا النظم   عده  أهل  الحقيقة   (  بيان في حيوية  الخلق  )    .
    إذن  فلإختلاف  في الخلق  تكويناً  هو القاعدة التي يُبنى عليها  ،  ويغدو من العبث  السؤال  عن  وحول  :  -    لم يذكر الكتاب المجيد  الأسم  أو أسم الفاعل   ؟  ،    ونقول  :   إن الله في باب  التكوين  لم يطرح فكرة التساوي في الخلق  ،  لأنها سالبة  بإنتفاء موضوعها   ،   ولكنه  رسخ مبدأ التساوي في الحكم والتشريع   ،  أي  إن  الله  حين أستخلف  العقل  في الإدارة والحكم طلب منه  ،  الإلتزام بالعدل  صفة وفعلاً   حتى يتم  تحقيق  الصفة والفعل في الحياة  في الحقوق والواجبات   ،  لهذا ورد في الأثر  (   عدل ساعة في الحكم  تساوي عبادة ستين عاماً )   ،  وبهذا الطلب   يكون  التنفر  أو إلقاء  التهم   على   الله في  كونه أصل المشكلة    ،    إتهام  باطل  لأن الله  إنما  أراد  الإنسان  أن يكون له  القدرة  والصلاحية في تحقيق  فكرة المساوات   في الحقوق و الأولويات  ،  ومع ذلك  لم يترك  الله الإنسان وحده  في  سن  القوانين والتشريعات  بل ساهم معه  في  ذلك  ،   عبر  تشريع   القوانين والنظم  في مجالات الحياة كافة      ،  وتبقى  فكرة إتهام الله  منشأها  نفسي  ومزاجي   ،  تقوم على الملاحظات البسيطة  والكسل  والتخاذل في عدم القدرة والإستطاعة على مجابهة المشكلات التي تصنعها الحياة والإنسان    ، فيُنسب هذه الخلل إلى الله ثم يُتهم   مع  إن المنطق العلمي يقول  :  -  إن  الأصل في عالم الوجود  قام على أساس  مبدأ الإنتظام الطبيعي   -  ،   وهذا المبدأ  هو عينه  الذي قامت  عليه   ودلت   مقولة  إن  العدل  هو  :  -  (   وضع للشيء في موضعه  )  -    .
    ومنذ بدايات  الخلق  لم يخرج  مفهوم  -  العدل  -  عن كونه  الدليل الدال  على النظام وحفظ الحقوق  للأفراد  والجماعات  ،    ولا ينفصل هذا المفهوم وجوداً وعدماً   عن مفهوم الحرية  كشرط في تحققه  وديمومته    ،   فالحرية شرط سابق  ليكون العدل  في محله وموضعه الصحيح      .
    ونعود للتأكيد   بأن  -  العدل   -  لا يعني  التساوي في  عالم  التكوين   ،    ولكنه   في عالم التشريع  يكون  مطلوباً  كذلك في مجال الحقوق  والعمل  ،   طبعاً  لا يجب أن يُفهم  من ذلك  إن  التساوي  بمعنى    التوافق  أو الإنطباق  في  الهيئة  والشكل والمضمون   وفي العمل  و الأجور   ،   ولهذا ورد  القول التالي  :  -  لكل حسب قدرته ولكل حسب حاجته  -   ،   وهذا  القول هو الذي  يجيزه العقل  و يقره   ،   بمعنى  إن العقل  لا يسمح  بتساوي الأجور مع تفاوت العمل وساعاته    ،  إنما يجيز العقل التساوي في الحقوق المشتركة  كقضية التأمين الصحي والتعليم و إن يكون لكل فرد أو عائلة  مسكناً يؤون إليه  ،  ولكن في مجال العمل  تتفاوت القدرات  والجهود المبذولة  في ذلك   ،  لذلك نقول  :   -  لا يكون ممكننا  المساوات  في العمل وفي الأجور ،  لأن ذلك  مدعاة  لوقوع الحيف  على البعض   -  ،  وهذا ممنوع بل ليس من العدل بشيء      ،   ثم  إن  أسم  الصفة  -   العدل  -   يتضمن ويدل على -  إعطاء كل ذي حق حقه  -  ،   ولا يدل ذلك على  معنى  التساوي في كل شيء    ،  إنما  يدل على  عدم تضييع الحقوق كثيرها وقليلها  .
     وهذه دالة العدالة ومضمونها المعرفي  ،  وفي هذا المجال  تطرح هذه الإشكالية في صيغة إعتراض ، عن الجدوى من تأصيل الفوارق في الرزق وفي العلم  وفي الصحة   ،  والتي وردت بصيغة  (  هل يستوي .. )  ،  التي يفهم منها  اللامساوات والتي يجد فيها البعض  كما قلنا  ،  وسيلة في التشكيك و إتهام  الله    وبأن ما حاصل  بالفعل  إنما  منشأه  عدم العدل وتأصيله وتشريعه  ،   سواء من جهة الخلق أو من جهة القابلية والقدرة والإستطاعة  ،  من خلال ذلك النظام الظالم الذي رفع بعض الناس على بعض ،  وقد أستُغل هذا الوضع من جهات وأفراد  ليميزوا فيه أنفسهم  على غيرهم  ، مدعين الحق  وناسبين ذلك إلى  الله وإرادته   ،  التي أفتقدت  للعدل حين لم تساوي وفرقت في الخلق وفي الصنع   .
    وقد  أبطلنا  هذا القول   من جهة  (   إن الله  لم يجعل هذا التمايز لما هو سيء  وقبيح   )   ،  بل أدخله في  مجال  و ميزان التنافس والعمل طارحاً مبدأ  : - (   كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك  )  الإسراء 20  ،  فمن جهة   جعل الناس  شركاء  في أساسيات  الحياة المعروفة   ،   ومن جهة   دفع حالة اليأس والقنوط   التي قد يظن بها البعض    ،  و من جهة  أخرى   جعل  من التمايز   سنة طبيعية   وجعل من مواجهة الجميع  للحياة بنفس الدرجة  ،  ثم أتبع ذلك بقوله   :  - [  ليبلوكم أيكم أحسن عملا ] -  هود 7  والملك 2  ،  ومفهوم البلاء  هنا  ليس مفهوماً  سلبياً   إنما هو تكليف   ،   ورد في صيغة  التحدي  ومواجهة  قوى الطبيعة والحياة   ،  يظهر ذلك  في  الربط بينه  وبين لفظ  -  أحسن  -  الوارد  في صيغة  المبالغة  أو لنقل المفاضلة   ،  وبذلك يكون  قد حدد  طبيعة المواجهة   وشكل التحدي  لها  ،   معتبراً  العمل  هو  القيمة  التي تحدد  معنى الأحسن  والأفضل  في  مواجهة الصعاب والمتاعب  ،  إذن  هو موضوع طرح على نحو   إيجابي  طالما كان القصد  منه  درجة الإعمار والبناء  :  -  (  هو أنشأكم من الأرض وأستعمركم فيها  )  هود 61  ...
    وللحديث بقية

    آية الله الشيخ إياد الركابي
    25 رجب 1440 هجرية 
    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media