في انقاذ المناضل "عمر سيد علي" -1-
    الأربعاء 10 أبريل / نيسان 2019 - 04:43
    د. مهند البراك
    [[article_title_text]]
    قبل شهور عندما شاهدت صُوَرَه في وقت انتخابه منسّق عام لحركة التغيير (كوران)، تذكّرت اني قابلته و لكن لم اتذكّر اين و في اي موقع، الاّ قبل ايام عندما اخبرني اصدقاء بأني قابلته عندما كان جريحاً في حالة خطيرة و اني انقذت حياته، لتتدفق الذكريات و كأنها كانت بالامس :   
    في عام 1980  عندما كانت حركة البيشمركة البطلة في سنوات البداية، و كنا في بداية الإعلان عن تبني حزبنا الشيوعي لشعار الكفاح المسلح لـ ( اسقاط الدكتاتورية و اقامة البديل الديمقراطي و الحكم الذاتي الحقيقي لكردستان)، بعد ان تمادت سلطة صدام في معاداتها للشعب و للحقوق الطبيعية لكل الاطياف العراقية ، و كان تجمّعنا في منطقة نوزنك (خري نوزنك و المنطقة المحيطة به عند جبل مامنده). 
    و كان نزول مفارز البيشمركة و الانصار من كل القوى الى المدن و القرى في عمق الريف الكردستاني امراً صعباً و محاطاً بانواع المخاطر التي تسببت بإبادة مفارز بكاملها بدخول السمتيات و البيلاتوس في محاربة البيشمركة .  . في زمن سجّل فيه انتصار الثورة الشعبية الايرانية و التحاق حزبنا بحركة البيشمركة، سجّل ارتفاعاً بمعنويات الجميع في مواجهة السلطة، ولابد من تسجيل الاسماء اللامعة لمفارز حركة انصارنا و البيشمركة آنذاك، القادة : سليم سور، الشهيد علي حاجي نادر، الشهيد بكرتالاني، الشهيد مام كاويس، الفقيدين كانبي حمه صالح و عجيل، الشهيد بكر توتمه ئي، الشهيد مام خوله سليمانية و آخرين لم تسعفني الذاكرة لذكرهم .  . 
    كانت لدينا طبابة متواضعة في موقع قرية " زلي " في المنطقة، بحماية فصيل بتوين ( الذي صار سرية بعدئذ)، و كنا نفتقر للكثير من الادوية لكثرة ماكُنّا نصرفها لمعالجة اضافة لانصارنا، بيشمركة القوى الاخرى و بيشمركة الجيران، و لأبناء القرى المحيطة الذين قابلوا معروفنا بمعروف اكبر برعايتهم لنا في الحماية و الضيافة و في توفير الادوية سواء لعلاجهم بروشيتات كانوا يشترون بها الادوية الموصوفة لهم من مدينة سردشت الايرانية الحدودية، و ادوية كانوا هم يشتروها ليتبرعوا بها الينا، اضافة الى الادوية التي تصلنا كتبرعات من قوى كردستانية متنوعة .  .       
    في خريف 1980 وصلتنا اخبار بان مروحيات عسكرية هاجمت مفرزة للاتحاد الوطني (أوك) في كيوه ره ش و تسببت بسقوط ثلاثة شهداء على رأسهم آمر المفرزة الشهيد " جميل رنجبه ر" و مصابين بجروح خطيرة هم (  بكرخوشناو، صابر رسول، و عمر سيد علي الكادر في المفرزة الذي كانت جراحه الاكثر خطورة بينهم)  .  .  
    بعد حدود يومين انتبه الحرس و الانصار مساءً الى مجئ قافلة جرحى باتجاه طبابتنا، و كانوا راكبين على حيوانات قاطعين مسافة يومين كما اتذكّر للوصول الى نوزنك، و طلب آمر المفرزة برجاء معاينة الجرحى و تقدير خطورة اصاباتهم و معالجتهم الضرورية، كي تستطيع القافلة المواصلة الى طبابة (أوك) التي لم تكن بعيدة عنّا، فذهب الجرحى بعد معاينتي ايّاهم، الاّ الجريح " عمر سيد علي " الذي كانت اصابته من اخطر الإصابات .  . وصلني و هو مثبّت بالجمدانيات على وسادة وضعت امامه لتخفيف آلامه كما عبّر مرافقيه .  . 
    في طبابتنا الصغيرة الضيّقة تلك لم يكن من السهل فحص و معالجة جريح اصيب اصابة بالغة في ظهره، بجروح متعددة ابرزها جرح ينزف من فوهة بحجم كف يد مضمومة، شاحب الوجه و بضغط واطئ و نبض ضعيف سريع، و حرارة مرتفعة، الاّ انه كان واعي و نظراته حيّة و كان صابراً بإرادة .  . بعد استفساراتي و سماعي لمرافقين كانوا معه عند اصابته، فهمت منهم انه اصيب بقذائف دوشكا اطلقتها تلك المروحيات، فسقط ارضاً غير قادر على الوقوف.
    [[article_title_text]]
    من جهة اخرى، لم يكن واضحاً ماذا أُعطي في الطريق، سوى انه تناول شيئاً من حساء خفيف و ماء على وجبات و انه أُعطي مسكّن نوفالجين و فيتامين سي و كي من مضمد .  .  بعد الفحص الاولي و بالسماعة ، قدّرت ان الخطورة على حياته آنذاك، كانت تنبع اساساً من النزيف الذي بدى انه مستمر في الصدر و ما يخرج للخارج كان الجزء الصغير منه، و قدّرت ضرورة الحفاظ على الخثرة الدموية المتكونة جزئياً في تلك الفوهة النازفة  .  .
    و في ظروف ليس فيها فحص شعاعي و لامختبر و بعد التدقيق في حركة الصدر خلال التنفس
    و التسمّع الدقيق لمختلف مناطق الصدر، و سماع ترددات صوته لما طلبت منه ان يتحدث ببضع كلمات .  .  لتقدير ماهية و حجم النزيف و الاضرار الحاصلة من مقذوف بحجم اطلاقة دوشكا .  .
    علّقت له مغذيّ سريع تمهيداً لمحاولة اعطائه دم و لكن لم تكن لدينا ادوات تدقيق فصيلة الدم، و بدأت بتنظيف الجروح في الظهر بتأني و أُخرج ما امكن من الشظايا المحيطة بالجرح الرئيسي، بعد تأكدي من خروج و دخول هواء قليل في جرح الاصابة، بقطنة طبية دقيقة .  . ازدادت الضجة حول الطبابة من خارجها لمجئ مفرزة لإستقبال الجريح، وسط احاديث عن كونه من الكوادر العسكرية المتقدمة للكوملة  او من قيادييها، في وقت بدأ فيه الظلام يسدل استاره و لم تكن لدينا اضاءة سوى فانوس و لالة اضافة الى مصابيح اليد التي حملها المساعدون : د. رنجبه ر ، د. رشيد، حمه رشيد  .  . 
    (يتبع)

    7 / 4 / 2019 
    مهند البراك
    ahmedlada@gmx.net 


    © 2005 - 2019 Copyrights akhbaar.org all right reserved
    Designed by Ayoub media